على هامش سيرة الامام

ثورة الامام الخميني استمرارية لثورة الامام الحسين(ع) لمحارية الظلم والطغيان يستعد العالم الاسلامي في الثالث من هذا الشهرللاحتفال بمرور ۳۱ عاما على رحيل زعيم الامة الاسلامية الامام الخميني الذي كان السبب في نهوض مجتمعاتها التي ما فتئت تناضل وتجاهد من اجل التحرر والاستقلال منذ انفجار الثورة الاسلامية في ايران سنة ۱۹۷۹ التي أضرمت مشعل الحرية بنور لايزال يضيئ درب الاحرار والشرفاء حتى يومنا هذا وسيستمر حتى يسود الارض العدل السماوي.

الامام الخميني قاد ثورة لمحاربة الظلم والفساد الاجتماعي والتدهور الاقتصادي الذي شجع عليه نظام الشاه كما شجع معاوية ويزيد وغيرهم من الذين ضمروا للاسلام الكراهية والعداء. ومن هنا فان زعيم الثورة الايرانية وقائد مسيرتها نهض لاحقاق الحق ونشر العدالة في العالم وذلك بالدفاع عن مظلومية الشعوب المظلومة والمضطهدة من قبل طواغيت الدول المستعمرة والسارقة لخيرات الشعوب. وكان لابد لفقيد الامة من مواجهة خصوم اشداء توارثوا الهيمنة والسطو على ممتلكات الشعوب وموارد الدول المتخلفة كالسعودية وبعض دول الخليج ومن ساوم مع دول الاستكبار على محاربة مبادئ الثورة الاسلامية وكان الامام على معرفة واضحة وعلم مسبق بان الثورة الاسلامية بجماهيرها الساحقة وانصارها خارج ايران سوف يلاقون من المواجهات العدائية والحروب الاقتصادية سواء على صعيد مواجهة الجمهورية الاسلامية الايرانية وحلفائها من جهة, ومحاربة ارزاق الافراد الذين يؤيدون مسيرة الثورة الاسلامية اينما كانوا من جهة اخرى.

وهنا يشير الامام الخميني بفخر حين يرى ان اعداء الجمهورية الاسلامية الايرانية هم من خليط غير متاجنس ومجموعات من عملاء امريكا واسرائيل حيث يقول: “واي فخر اسمى وارفع من ان امريكا بكل ادعاءتها وكل وسائلها الحربية وبكل الحكومات العميلة لها وبكل الثروات غير المحصاة التي تغتصبها من الشعوب المتخلفة المظلومة وبامتلاكها لكل وسائل الدعاية الدولية, امريكا هذه وبكل ما عندها تقف في مواجهة شعب ايران الغيور ودولة بقية الله الامام المنتظر ارواحنا لمقدمه الفداء, عاجزة بتلك الصورة الفاضحة فلا تدري بأي تتوسل, وتتلقى جواب الرفض من كل من تلجأ اليه وما كان ذلك ليتحقق الا بفضل الامدادات الغيبية للباري تعالى وجلت عظمته الذي ايقظ الشعوب وخاصة شعب ايران الاسلامي وقاده من ظلمات الظالم الملكي الى نور الاسلام, وها انا اوصي الشعوب النبيلة المظلومة وشعب ايران العزيز ان يتمسكوا بقوة واستقامة مبدئية بهذا الصراط الآلهي المستقيم الذي اختاره الله للناس فلا ارتباط بالشرق الملحد والغرب الظالم الكافر. وان لايغفلوا لحظة عن شكر هذه النعمة, وان لايسمحوا للايدي القذرة لعملاء القوى الكبرى الاجانب والمحليين وهم اسوأ من الاجانب بأن تنال من نواياهم المخلصة وارادتهم الصلبة”. ففي هذه العبارة وغيرها من وصية مفجر الثورة الاسلامية يحس القارء بمعاني القرآن وبيانه واحاديث النبي محمد (ص) وسنته وخطب امام المتقين علي (ع) وحكمه ونهج ابي الثوار وابي الاحرار الامام الحسين (ع) وشجاعته. نعم انه الامام الخميني الذي اعطى بايمانه وفداءه في سبيل الاسلام ومحاربة الطواغيت درسا للمظلومين في الاطاحة بالاستكبار وعبيده من حكام كالشاه وصدام وال سعود وغيرهم من خونة الشعوب الذين هم السبب الاول في وجود الاستكبار العالمي في المنطقة وسلب خيرات الفقراء والمساكين من ابنائها.

وحين نقارن بين الفترة التي عاشها الامام الخميني قدس الله سره وبين فترات اجداده (ص) وخاصة في محيطها العربي فاننا نرى ان الحياة الاجتماعية العربية وكأنها هي هي لم تتغير, وكأن حركة الزمن لاتمر عليها والحضارة العالمية لاتتفاعل معها كما تفاعل العالم الاوربي سابقا مع الحضارة الاسلامية ؛ فالعصبية القبلية التي حاربها الاسلام ونبيه محمد(ص)لاتزال تُغذى من قبل حكام العرب العملاء ومرتزقتهم رؤساء العشائر من اجل ابقاء المجتمعات متخلفة لايهمها الا العلف والاجترار, وهذا واضح في اغلب حكومات المجتمعات العربية التي لاتهتم الا بذاتها. فاذا كان معاوية ويزيد وما قبلهما وبعدهما ممن حكموا تحت راية الاسلام ولكنهم اساءوا استخدام الحكم بالانحراف عن التعاليم الاسلامية والمثل العليا وانحرفوا عن الشريعة الاسلامية بل حاربوها كما حارب اباؤهم واجدادهم النبي محمد نفسه اثناء الدعوة للاسلام وبكل الوسائل الدنيئة, وما نظام الشاه وكذلك نظام صدام وحليفهما النظام السعودي الا امتداد لحكومات وانظمة الامويين والعباسيين الذين مارسوا كل انواع الظلم والتعسف بحق الشعوب الاسلامية ومحبي ال بيت رسول الله بشكل خاص.

والحقيقة ان الصراع الايديولوجي ظهر منذ بداية الاسلام بين من يعمل لنصرة الفقراء وبين من يرى ان الحكم غنيمة كما قال ابو سفيان “تلاقفوها يابني امية”. الا ان الحركات والثورات على من استأثروا بالحكم كانت مستمرة واكثرها بقيادة ال بيت النبي (ص) حتى مجيئ الثورة الاسلامية في ايران بقيادة زعيمها الامام الخميني طاب ثراه الذي يعتبر مفجر وقائد اكبر واهم ثورة في القرن العشرين التي لاتزال يزداد شموخها ومكانتها يوما بعد يوم.

وقد ذهب هنا من يقارن الامام الخميني ببعض المصلحين في العالم امثال مارتن لوثر وجمال الديني الافغاني ومحمد عبدو وغاندي والحقيقة ان الفارق كبير وان المقارنة غير موضوعية والمصلحون كثر, الا انهم لم يستطيعوا تغيير وجه التآريخ الذي سيطر عليه الاستعمار واليأس والخمول الى تأريخ ومسيرة مجتمع يناهض القوى الامبريالية والاستعمار وينادي بحقوقه علناَ ويقارع الطواغيت وعملاء الاستكبار, ويضع نظرية وايديولوجية لاتزال وستبقى منارا للمظلومين في احقاق حقوقهم والحفاظ على ثروات بلدانهم من نهب الاجنبي الغاشم والظالم, وستكون هذه النطرية السبب في بناء مجتمعاتهم وتطوير بلدانهم اقتصاديا وصناعيا والحفاظ على الموارد والخيرات الطبيعية التي منّ الله بها على شعوبهم من نفط وغاز وزراعة ومعادن. ولم يقف مفجر الثورة الامام الخميني قدس الله سره عند هذا بل حول ايران الاسلام الى دولة تعتبر واحدة من الدول الصناعية المتقدمة, فهي تصدر من اصغر ما يحتاج اليه الانسان الى السيارات ومستلزمات البناء والعمران لدول الجوار بل للعالم ,وها نحن نشاهد ونرى باعيننا كيف ان التطور في الجمهورية الاسلامية الايرانية جعلها في حاجة الى استخدام الطاقة النووية في المشاريع السلمية كمصدر للطاقة الكهربائية والامور السلمية, ولتأخذ بالجمهورية الاسلامية نحو التطور واللحاق بالتقدم العالمي الذي حرمت منه الشعوب الاسلامية نتيجة حكام العرب والمسلمين الذين اصبحوا وكلاء للاستعمار ومحاربة النهوض الاجتماعي بكل اشكاله الصناعية والاقتصادية بل وحتى الدينية والاخلاقية .

نعم جاء الامام الخميني بثورته العارمة ليدق ويدك حصون وعروش الملوك والحكام الذين جاءت بهم المخابرات الامريكية والصهيونية لبث روح الخذلان وادخال اليأس في قلوب المسلمين واصدقائهم وبأن الاسلام غير قادر بنهوض مجتمعاتهم الا ان الثورة الايرانية اثبتت العكس. وها نحن اليوم نرى ان امريكا وحلفاءها قد اعدوا وجهزوا كل امكاناتهم لمجابهة هذا المارد الجبار الذي يسمى الصحوة الاسلامية التي اشعلت جذوتها ثورة الامام الخميني الجارفة لكل من يخون وطنه وشعبه ودينه, لقد زلزلت الثورة عرش الاستعمار واستنهضت الشعوب الخاملة الجاهلة التي هدرت حقوقها وتزعزعت عقيدتها نتيجة لسياسة الاستكبار العالمي ولكنها اليوم وبمؤازرة الثورة الاسلامية تطالب بالاصلاح والنهوض وتقاوم المنهج الاستعماري في المنطقة.

لذا فقد تألبت كل قوى الشر من مخابرات عالمية ومحلية وحكام وملوك واقزام الاعلام الذين باعوا انفسهم ودينهم وعرضهم بمال سحت لمواجهة النهضة القادمة من الجمهورية الاسلامية التي قال عنها نبي الاسلام محمد(ص):”لو كانت العلوم في السماء لتناولتها ايادي من بلاد فارس”. وفي هذا السياق لابد من الاشارة الى ان ما يجري في الجمهورية الاسلامية من تطور وازدهار هو نتيجة للنظرية التي رسمها الامام الخميني والايديولوجية التي وضعها لمستقبل العالم الاسلامي من اجل التطور والنهوض, وهو هنا يقول:” فاذا كان المقصود من مظاهر التمدن والتطور الاختراعات والابداع والصناعات المتطورةالتي تساهم في تقدم المدنية الانسانية, فلا الاسلام ولا أي دين توحيدي رفض او سيرفض ذلك, بل ان الاسلام والقرآن المجيد يؤكدان ضرورة العلم والصناعة…”. وفي نفس المجال يحذر الامام من الابتعاد عن شؤون الحكم وادارة الامور الدنيوية لان ذلك يؤدي الى فتح الباب امام الاستعماريين لنهب ثروات العالم, وهنا يقول البرفسور جوزيف الدر(Joseph W.Elder ) استاذ العلوم الاجتماعية والثقافية في جامعة وسكونسن-مادسن في امريكا:” لقد حَرَم شاه اير ان الشعب الايراني من نصف وارداته النفطية حيث وهب نصفها الى امريكا ليصبح مقربا من حكومات الغرب, ثم انضم الى حلف بغداد.

وقد زودت امريكا والغرب الشاه في السبعينيات باحدث الاسلحة وعززت اقتصاده لاسناده وتقويته. ثم قام الشاه بابعاد الامام اية الله الخميني عن ايران …وهنا اصبح الامام الخميني صوت الجماهير الايرانية المعارضة لحكم الشاه والمرشد لها من داخل العراق دون ان يلين او يضعف بل انتقد الشاه والمقر بين منه بالابتعاد عن الاسلام وتعاليمه. وكان اية الله الامام الخميني يؤكد بان امريكا وراء الفساد في ايران . وان مئات الامريكيين وعوائلهم الذين يعيشون في ايران من مدراء للشركات والمستشارين واصحاب الاختصاصات اخذوا لهم مساكن وبيوت في شمال طهران حيث الابنية الفاخرة والباهضة الثمن…..”.

هكذا كان الامام الخميني صامدا صلبا لم يكل ولن تغفو او تنم له طرفة عين في الدفاع عن الاسلام والمسلمين والمستضعفين بشكل عام وابناء الشعب الايراني بشكل خاص. ان الامام الخميني لم يقف مكتوف الايدي بعد انتصار الثورة الايراني ولم يركن الى زهوة الانتصار وتحقيق الهدف باسقاط الشاه وحسب بل كان مراقبا ومهندسا الى ما بعد فترة سقوط الشاه, حيث اخذ يحذر من مؤامرة الاشاعات التي انتشرت بشكل واسع في مدن الجمهورية الاسلامية, وكما حدث في ايران نشاهد ما يحدث من دعايات مضادة للحكومة الجديدة في العراق بعد سقوط صدام, الا ان الفارق ان هنالك في ايران قائد مفجر للثورة ومرشد لمسيرتها لامنافس له بينما يوجد في العراق اكثر من اربع سلطات فلا وجه للمقارنة في مجال القيادة . ولا غرابة بان يشهد ويعترف فلاسفة العالم ومفكريه امثال مايكل فوكولت مفكر الشعب الفرنسي عندما زار ايران كمراسل وكاتب وصف الشعب الايراني اثناء بداية ثورته :” وكنا يجب ان نكون هناك في بداية ولادة الافكار ….واصبح الانفجار خارجا عن سيطرتهم فهو لم يكن مجرد احاديث وتعابيركتب, وانما احداث تظهر تلك القوة للعيان, وفي كفاح من اجل افكار هي قد تكون من صالحهم او لا”,واضاف الفيلسوف الفرنسي ان الثورة الاسلامية الملتهبة في ايران يمكن ان تضرم النار وتضيء كافة المنطقة وتغير كافة النظم الغير مستقرة وتقلق وتهز الاكثر صلابة واستقرار, ويضيف الكاتب الفيلسوف بان الاسلام ليس مجرد دين وانما هو نظام كامل وشامل للحياة وهو متلازم ومتماسك مع التأريخ والحضارة وله فرصة بان يكن قوة هائلة كبرميل من البارود المتفجر لمصلحة مئات الملاين من الناس, وقد كتب هذا الفيلسوف عدة مقالات عن الامام الخميني والثورة الايرانية في الصحف الفرنسية والايطالية, واضاف المفكر الفرنسي بان اليساريين والعلمانيين في ايران يعتقدون بانهم سوف يستخدمون الاسلاميين والاسلام كسلاح لمصلحتهم الا انه يعتقد ان المسلمين قادرين وحدهم بعكس صورة “تمثل الوحدة المتكاملة للرغبة والمشيئة العامة للمجتمع الايراني”(عن بوستن كلوبل-وسلي ينك).

واما نوم جومسكي المفكر الامريكي فهو يرى ان الولايات المتحدة الامريكية التي ترى نفسها سيدة العالم في كل شيئ اضطرت الى استخدام مصطلحات الامام الخميني في محاربة القوى العظمى كاستخدام مصطلح “الشيطان الاكبر” اذ استعملته امريكا في محاربة الاتحاد السوفيتي اثناء الحرب الباردة كدعاية مضادة فاستخدمته باتجاه مصلحتها حين رأت لها حاجة فيه. صفحة (۲۰۹) .(The Essential Chomsky) ثم يتحدث هذا الفيلسوف الامريكي في مقابلة مع كوراش زيباري ۱۵-۰۴-۲۰۰۹ بان العداء الامريكي للثورة الاسلامية وقيادتها ظهر اكثر وضوحا وصراحة في حجة المفاعل النووي, الا ان الاغلب من الشعب الامريكي يؤيد ايران في استخدام حقها في استعمال الطاقة النووية, وان امريكا وقفت بوجه ايران لان ايران ليس من الدول التي تخضع للارادة الامريكية لذا حاولت امريكا ولاتزال تأليب الرأي العالمي على ايران تحت ذريعة ان ايران تعارض “الارادة الدولية” وهذا المصطلح يعني ان امريكا هي “الارادة الدولية” ثم يذهب جومسكي اكثر من ذلك في هذه المقابلة “بأن امريكا تعتمد سياسة الغاب حين ترى ان الاقوى له الحق بما يفعل” ردا على سؤال: هل يجب على امريكا ان تعتذر للشعب الايراني نتيجة لسياساتها التي اضرت به؟. اما كتاب وفلاسفة وسياسي المسلميين فقد كتب الكثير منهم عن شخصية الامام الخميني التي ابهرتهم في مُثلها وجهادها من اجل نصرة العدل واحقاق الحق ومحاربة الاستعمار والصهيونية وظلم الحكام, ويحتاج الى هذا مقالات اخرى لتغطية فكر الامام.

لم يتوانى الامام الخميني يوما واحدا عن التفكير والعمل على اسقاط نظام الشاه فلم يضع في قاموسه من الخوف كلمة بل ولا حرفا واحدا فكان ثورة على الظلم والطغيان, وكان يعتقد لابد من ان يضع نهاية لنظام الشاه وذلك لايمان الامام المطلق بقدرة الله, وقد نشأ هذا الايمان تحت ظروف وعوامل بيئية ووراثية حيث تربى الامام في بيت من العلم الرباني مما كرس فيه عقيدة بيت ال رسول الله اذ كان يعتقد بان الحق يحيا بالايمان فكان قدس الله سره مؤمنا بعقيدة ال بيت الرسول بكل ما للكلمة من يقين مطلق لاشك ولااشكال فيه, وبالاضافة الى ذلك فقد كان صلبا في الدفاع عن حقوق الشعوب الاسلامية محملا حكوماتها المسؤلية في اهدار ثروات الشعوب وهيمنة الاجنبي واذلال ابناء البلدان الاسلامية وخاصة “ال سعود خونة الحرم الالهي العظيم عليهم لعنة الله وملائكته ورسله”.

انه من الصعب ان يتخيل أي سياسي بأن ثورة الامام الخميني قد تتكر ثانية في دولة اسلامية, ان ثورة الامام الخميني هزت واسقطت اكبر طاغيتين في ايران والعراق الا وهما الشاه وصدام, فكل مفكر ومحلل سياسي يرى ان بركان الثورة الايرانية الذي فجره الامام الخميني منذ الستينات كان هو السبب في تهرأ وتأكل حكومتي ونظامي الشاه وصدام, ولايزال مستعرا مستمرا في تهشيم الحكومات العميلة ومنيرا الدرب للمستضعفين في الارض للاطاحة بكل حكومة فاسدة وتشكيل حكومة كما في الجمهورية الاسلامية “قادرة على ان تشطب بالقلم الاحمر على اشكال الظلم والنهب والفساد والعدوان وهي قادرة على ايصال الانسان الى كماله المطلوب”.(وصية الامام الخميني). لقد نادى الامام بتطبيق نظام الشريعة الاسلامية في العالم المتحضر بشكل حضاري ومدني والذي هو من صلب عقيدتها والا لم يكن الاسلام دين للحياة في كل زمان ومكان, الا انه يرفض الرجوع والاعتماد على العنف كما تقوم به الحركة الوهابية ومن سار خلفها لتشويه حقيقة الشريعة الاسلامية التي جعلها الله طريق خير ومحبة للاخذ بالبشرية نحو التاكتف والتكافل في حل امور الرعية وقيادة البشرية نحو التقدم والازدهار. نعم بدآ الامام الملهم بوحدة البيت الواحد لينطلق لبناء العالم وتقارب البشرية لانه يؤمن كما امن جده الامام علي بن ابي طالب حين قال للاشتر في ولايته على مصر وكيفية عنايته بالبشر والرعية:”فانهم صنفان اما اخ لك في الدين واما نظير لك في الخلق”.

فنادى الامام الخميني باقامة صلاة الجمعة عند الشيعة فانتشرت بينهم وكذلك اقام اسبوع الوحدة الاسلامية في مناسبة عيد ميلاد النبي محمد(ص) حيث ان هنالك فرق في عدة ايام في تاريخ يوم المناسبة بين الشيعة والسنة فوحدها الامام باسبوع واحد اطلق عليه اسم اسبوع الوحدة الاسلامية, وكذلك غلق السفارة الصهيونية في طهران بعد الثورة مباشرة. الامام الخميني هو الذي غير شعوب العالم الاسلامي التي اصابها الاحباط واليأس فرأت في الثورة الاسلامية الايرانية منارا لدربها وهداية لطريقها فافاقت من السبات العميق الى اليقظة والنهوض والمطالبة بحقوقها التي هدرها الحكام وسرقها الاجنبي. وبدلا من ان تكن نظرية الامام الخميني شأنها شأن النظريات التي نادت بها الاحزاب والحركات الاسلامية ولكن دون تطبيق كما هو الحال لحركات اخوان المسلمين في مصر والاردن وبقية الدول التي تتواجد بها حركة الاخوان والحركات الاسلامية الاخرى وكذلك نفس الشيئ بالنسبة الى حركة الترابي في السودان والاسلامين في الجزائر وماليزيا واندنوسيا وغيرها من الاقطار الاسلامية, الا ان ما حدث في الجمهورية الاسلامية يختلف عن تلك الحركات وذلك بان نظرية الامام الخميني وجدت لها حبزا في التطبيق والتنفيذ مما جعلت من الجمهورية الاسلامية دولة تضاهي وتوازي الدول المتقدمة تكنولوجا وعلميا ويعد لها الف حساب, وهي اليوم الدولة الوحيدة في المنطقة التي تعيش باستقلال وطني تام.

لذا فان الامام الخميني اليوم يعتبر مؤسس اكبر دولة متطورة مستقلة في العالم الاسلامي المعاصر تستلهم منها بقية الشعوب الاسلامية روح العزة والفخر وآمال المستقبل المستقل عن استعمار الدول الكبرى التي لم تحصل منها ومن عملائها الحكام غير الذل والعبودبة والتخلف والانحدار. الثورة الايرانية اليوم آمال ابناء فلسطين الذين لم يشعروا بجذوة النصر الا في حرب معركة غزة البطلة التي وقفت معها الجمهورية الاسلامية بشكل واضح ومكشوف دون خوف او مهابة من الدول الكبرى وقد وظفت وسخرت كل امكاناتها الاعلامية والمادية من اجل دعم ابناء غزة الى يومنا هذا, واذا اراد ابناء فلسطين اليوم ان يفتخروا بانتصاراتهم فاول ما يذكرونه هو بسالتهم ووقوفهم في وجه العدو الصهيوني والاحالة من تحقبق أي فوز او انتصار له رغم ترسانته التي لاتستطيع مواجهتها الجيوش العربية, ولا ننسى هنا هزيمة الجيش الصهيوني في جنوب لبنان قبل غزة حيث لقنته قوات حزب الله درسا قاسيا لم يسبق له مثيل ولم يتوقع ما حدث من هزيمة ساحقة له منذ سنة ۱۹۱۷ وهكذا غيرت الثورة الخمينية مجرى التاريخ بوجه العدو الصهيوني الذي ما برح يرى ان اكبر واخطر مهدد الى وجود كيانه هو طريق الثورة الاسلامية. وما نراه اليوم من دعم لابناء غزة من قبل الجمهورية الاسلامية والذي سلط الاضواء العالمية على وحشية الدولة الصهيونية التي قتلت وجرحت العشرات من مناصري ابناء غزة الذين قدموا على ظهر السفن المحملة بالمساعدات الانسانية, فقد تحول الدعم الايراني الانساني للشعب الفلسطيني في غزة الى دعم عالمي وذلك بسبب وقفة الجمهورية الاسلامية المخلصة للقضية الفلسطينية.

اما الحياة الداخلية في الجمهورية الاسلامية فيشهد عليها الاجنبي قبل الموالي والمحب فهذه السيدة كاترين موتلر من جريدة (المستقلة) البريطانية وهي واحدة من اشهر الصحف في المملكة المتحدة اذ كتبت في هذه الصحيفة عدة مقالات عن ايران بما فيها الحياة الاجتماعية حيث كتبت بان الناس هناك يتمتعون بحرياتهم الخاصة كحرية التعبير واللبس والاحتجاج ولكنهم في حالة حذرة من التدخل والتخوف الامريكي ولا يزال الشعب الايراني يتذكر اعمال مخابرات الشاه وآلامها, وهم اليوم يفتخرون بحق تصنيعهم النووي السلمي وكذلك يفتخرون بانتخابتهم الحرة النزيهة ومحاربتهم للصهيونية وامريكا. واخيرا فان الامام وزعيم الامة الاسلامية الراحل تمسك بحبل القرآن واحل حلاله وحرم حرامه ووضع عنه مكاسب الدنيا لما ايقن انه مفارقها وكان يؤمن ان ما يقاربه من الله يبعده عن الشيطان الاكبر, وكان يخاطب ويوصي جميع المسلمين بتقوى الله فانها الزمام الذي يقود الى السعادة وبها نجاح طلباتكم وصلاح صدوركم وطهور أنفسكم. وهنا يقول الامام:” اليس من الافضل ان تسموا الى الاصلاح والمعاضدة بدلا من الانشغال بالتسقيط”, فسلام عليك ايها الامام يوم ولدت ويوم ذهبت الى المقر الابدي -كما توصفه انت- بقلب مطمئن وروح مسرورة ملؤها الايمان بالله ورسوله وال بيته (ص) الذي جعلك الله من ذريتهم وحشرك معهم في علين. د.طالب الصراف لندن ۰۱-۰۶-۲۰۱۰

الكاتب: طالب الصراف