علی

علي(ع) وقانون الطوارىء

حالة الطوارىء حالة الطوارىء هي الحالة التي تكون البلاد فيها او نظام حكمها مهددين بخطر. وهي تبيح اللجوء الى انظمة استثنائية تتولى، بموجبها، السلطة التنفيذية (الحكومة)، او رئيس البلاد، كافة السلطات. فينعدم الفصل في ما بينها، كما تصبح الحقوق والحريات، واحيانا ارواح الناس، تحت تصرف هذه السلطة، فتصادر وتقمع وتقتل، متذرعة بالحفاظ على الامن وعودة الامورالى مجاريها الطبيعية.

ولكي نستطيع ادراك مغزى هذه الحالة والنظام الذي يرعاها، لابد لنا من التذكر بان كل الصراع البشري الذي خيض في مواجهة الحاكمين، كان يهدف الى تامين تلك الاقانيم الثلاثة الضرورية لاستقرار الانسان وتفتح شخصيته وقيامه بدوره في الحياة العامة لمجتمعه وامته.

فبعد ان عانت البشرية من الاستبداد والتسلط لمدة آلاف من السنين، استطاعت الفئات الدنيا فيها، وهي التي تشكل الاكثرية الساحقة في كل بلد من البلدان، ان تنتزع الحق في ان تناقش الامور التي تكون فيها احوالها مطروحة للمصادرة على شكل ضرائب واتاوات حكومية، فقد كانت مهمة الهيئات التمثيلية للطبقة الشعبية ان تعط ي رايها في قوانين الفرائض الضريبية.

ثم، وفي مرحلة لاحقة، وبعد مزيد من المعاناة في مواجهة الملاكين العقاريين الكبار، والملك على راسهم، امكن وضع القيود على حرية السلطة المطلقة بالتصرف بالانسان وحريته،فعرفت في الغرب مبادىء حقوق الانسان التي اعترفت له نظريا بانسانيته، ومنحته امكانية المشاركة السياسية، وحمته من تسلط الجلادين والهيئات القضائية المنصبة لصالح الملك وحكومته.

وهكذا اعتبر الناس، في البلدان التي تحققت فيها هذه المكاسب، انهم حازوا حريتهم وحقوقهم بشكل كامل، وانه لم يبق امامهم الا ممارستها والحفاظ عليها، حتى يقيموا الفردوس الموعودعلى الارض.

الا ان حاجات السلطة ما لبثت ان فرضت نفسها، واذا بالناس يكتشفون، ليس فقط سرابية معظم الحقوق والحريات التي نالوها حقوقيا ولم يستطيعوا ممارستها، بسبب فقدانهم الوسائل المادية لذلك، بل وايضا حق السلطة في مصادرتها في الاحوال التي تعتبرها استثنائية، وهي حالات متعددة، يمكن اختصارها بحالات الخطر الذي يهدد البلاد والنظام السياسي.

تدابير حالة الطوارىء اما التدابير التي يجري اللجوء اليها، في الحالات الاستثنائية المذكورة، فهي على انواع، ومنها:

اعلان حالة الحصار: وقد ابتكرت لمواجهة احتلال العدو لارض وطنية. وهذه حالة الحصار الفعلية، ولكن بالاضافة اليها ابتكرت حالة اخرى لا تشترط هذا الاحتلال، وهي التي تسمى حالة الحصار الوهمية، او حالة الحصار السياسية، وتقضي بمصادرة الحريات جميعا، وفي احسن الاحوال مصادرة اهمها، وذلك في حالة بروز خطر وشيك على الامن الداخلي او الامن الخارجي.

اما اهم التدابير التي يمكن ان تتخذ فهي

انتقال سلطة الضابطة من السلطة المدنية الى السلطة العسكرية.

توسيع نطاق سلطة الضابطة هذه في حالات متعددة لتشمل مداهمة البيوت، نهارا وليلا، وابعاد الاشخاص الذين لا سكن خاصا لهم في المنطقة المعنية.

التفتيش عن الاسلحة والذخائر ومنع الاجتماعات واصدار التشريعات التي تعدها ماسة، بالامن العام.

توسيع صلاحيات المحاكم العسكرية

نظرية سلطات الحرب والظروف الاستثنائية: لم تكن الصلاحيات التي اعطتها حالة الحصار كافية في زمن الحرب في نظر الحكام، لذلك ابتكرت لهم نظرية سلطات الحرب التي خولتهم، الى جانب سلطة الغاء الحريات التقليدية ذات الطابع السياسي، الغاء حريات اساسية كحرية العمل، ومنحتهم صلاحية مصادرة العمال لصالح الدفاع الوطني، وفرض الاقامة المحددة عليهم وحرمانهم من حرية اختيار مكان اقامتهم، كما منحتهم سلطة مصادرة الاشياء والمشروعات الضرورية للمجهود الحربي. والى جانب هذا اعترف القضاء للسلطة التنفيذية،والعسكرية بخاصة، بصلاحية خرق القوانين تحت حجة مواجهة الظروف الاستثنائية.

اعلان حالة الطوارىء: تعلن هذه الحالة عادة عند وجود خطر داهم، او لدى وقوع احداث من طبيعتها ان تحدث فتنة عامة في البلاد.

اما سلطات الطوارىء فهي عادة: بالاضافة الى مصادرة المشاريع والاشياء والاموال تمكن الحكام المحليين (حكام الولايات) من منع التجول واقامة مناطق محظورة وتحديد اقامة الاشخاص ومنع السكن في بعض الاماكن.

كما تمكن وزارة الداخلية من منع التجمعات، وحكام الولايات من اغلاق محال التجمع. وهي كذلك تمكن، وفقا للقوانين، وزارة الداخلية وحكام الولايات من تفتيش المنازل ومراقبة الصحافة، كما انه يصبح ممكنا توسيع سلطات المحاكم العسكرية في هذه الحالة.

على انه اذا كان اعلان بعض هذه الحالات يقتضي موافقة البرلمان (كحالة الطوارىء اذا استمرت اكثر من اثني عشر يوما) فان البرلمان قد اصبح في العديد من الدول الاوروبية اداة طيعة في يد الحكومة، لانه ينتمي باكثريته واياها الى حزب واحد، او تكتل حزبي محوري واحد تتشكل الحكومات من قيادييه، فيكون البرلمانيون تابعين لها.

السلطات الديكتاتورية

اضافة الى جعبة القوانين المحددة للحريات بل المصادرة لها، والتي القينا عليها نظرة سريعة، حملت الدساتير في نصوصها، او الاعراف، احكاما اخرى ربما كانت احيانا اكثر صراحة في دلالاتها، فالدستور الالماني يتحدث عن «حالة الضرورة» (م ۸۱) والفقهاء الدستوريون الفرنسيون يتحدثون عن «الديكتاتورية المؤقتة» المستندة الى المادة ۱۶٫ والممارسات الدستورية الاميركية تكرس سلطات ديكتاتورية للرئيس في زمن الحرب.

حالة الضرورة في الدستور الالماني

في هذه الحالة يتمتع المستشار الالماني بصلاحيات واسعة جدا تجاه البرلمان. ويتم اللجوء الى هذه الحالة اذا طرح المستشار مسالة الثقة بحكومته ولم ينل الاكثرية المطلقة، فبدلا من ان يستقيل، فهو يستطيع اما ان يطلب حل البندستاغ (مجلس ممثلي الشعب) او ان يتعايش معه. ولكن في هذه الحالة، اذا رفض هذا المجلس المشاريع التي تعلنها الحكومة مستعجلة يستطيع المستشار ان يعلن حالة الطوارىء التشريعية، وذلك شرط موافقة البندسترات (مجلس ممثلي الدول – الولايات)، فتكون المشاريع نافذة رغم معارضة البندستاغ. وهذه الحالة تستمر ستة اشهر ويمكن تجديدها ستة اشهر اخرى.

الديكتاتورية المؤقتة في الدستور الفرنسي

في بعض الظروف الاستثنائية، يمكن لرئيس الدولة ان يحل محل السلطات العامة ويمارس حكما فرديا تحت حجة انقاذ الامة والمؤسسات.

اما شروط اللجوء الى هذا التدبير فهي وجود خطر جدي يهدد مؤسسات الجمهورية او استقلال الامة او وحدة اراضيها او امكانيتها في تنفيذ التزاماتها الدولية، ويؤدي الى توقف العمل المنتظم للمؤسسات العامة الدستورية.

في هذه الظروف، يحق للرئيس اتخاذ كل التدابير التي تفرضها تلك الظروف. وذلك طبعا من وجهة نظره، ومن دون ان تشاركه اية سلطة اخرى. اما المدى الزمني لممارسة هذه الديكتاتورية، فهو، وان بدا مرتبطا بعودة الامور الى نصابها، الا ان تقديره يعود للرئيس. فقد عمد الجنرال ديغول الى هذه الصيغة عندما قام بعض الضابط الفرنسيين في الجزائر بانقلاب عسكري على السلطات الفرنسية المحلية في ۲۱ نيسان-۱۹۶۱، فاعلنت الحالة الاستثنائية في ۲۳ نيسان واستتب الوضع في ۲۵ نيسان، محسوما لصالح الحكومة، الا ان الحالة الاستثنائية استمرت حتى ۳۰ ايلول-۱۹۶۱٫

السلطات الديكتاتورية للرئيس الاميركي زمن الحرب

يقضي العرف بان يتمتع الرئيس الاميركي، في زمن الحرب، بسلطة اتخاذ قرارات خطيرة ماسة بالحقوق والحريات والملكية لحاجات المجهود الحربي، كمصادرة الاشخاص والاموال وحتى الامر بالاعتقال الاداري للمشبوهين (في نظر السلطة). وهذا ما قام به الرئيس روزفلت في الحرب العالمية الثانية، لا ضداليابانيين المقيمين في الولايات المتحدة وحسب، بل ضد الاميركيين من اصل ياباني.

وقد ساعد موقف المحكمة العليا «حامية الحريات والدستور»، على تكريس هذه الصلاحيات بعد ان ظهرت اولا على شكل تدابير مؤقتة.

ان كل هذا يجري في بلدان اعتمدت فيها «اعلانات حقوق الانسان» منذ ما يزيد على مئتي عام، ومنها التي دفعت ثمنا باهظا لممارستها نظاما اعتبر منافيا لحقوق الانسان.

فاذا تجاوزنا الاطار الذي تمثله هذه النماذج من البلدان، فاننا نقع على نماذج من سلطات لا حدود لها في حالات الحرب وحتى في حالات السلم وفي الظروف العادية والاستثنائية جميعا.

حالة الطوارىء في الانظمة الاسلامية هل كانت الانظمة الاسلامية افضل؟

في الاجابة عن هذا السؤال نرى من الضروري التمييز بين نظم الحكام المسلمين التي شغلت التاريخ الاسلامي منذ وقت مبكر جدا، من الناحية النسبية، وبين ما حمل الاسلام من مبادىءطبقت في عهد الرسول(ص) وفي عهد علي(ع).

نظم الحكام المسلمين لقد كانت هذه النظم، في معظمها، من اسوا ما عرفته البشرية، فهي كانت تعتبر ان الغاية الاولى والاخيرة هي الكرسي التي يهون دونها سفك الدماء وتكديس البشر في السجون والقطع والتشريد والتنكيل والتمثيل، فمن معاوية الى ابنه يزيد، ومن زياد الى الحجاج، ومن السفاح الى العديد من خلفائه، الى الامراء، الى المماليك، الى العثمانين، حيث كان الصلب والخوزقة وقطع الاطراف والاعضاء، عقوبات تطال المعارضين واحيانا اقرباءهم وارحامهم، حتى اذا شارفت الدولة «الاسلامية» العثمانية على نهايتها، اكتشف ابناؤها انه يوجد في مكان ما من العالم مايسمى بالانسان وان له حقوقا وحريات لا يمسها الحاكم الا بشروط معينة.

عندئذ نبذوا نظام الحكام المسلمين الذي خبروه نظاما ظالما متعسفا وحشيا، لا تعرف الانسانية الى قلبه سبيلا،فارتموا على الفكر الغربي يعبون من مناهله كما صوره لهم اصحابه، وراحوا يطالبون دولتهم بتطبيقه حتى اذا عجزوا في نهاية المطاف ساروا في ركاب الغرب حامل لواء «حقوق الانسان»،فاذا به، بعد ان حطم الدولة التي كانت تظلهم، يستعمرهم ويستعبدهم لقاء خدماتهم، ويفتت اوطانهم ويسلم فلسطين لليهود ويسلم سائر البلدان الى صنائعه، فيكتب علينا الذل والمسكنة الى ما شاء اللّه.

اما الاسلام، فلم يعمد اولئك القلقون على الحقوق والحريات الى ان يستنطقوه، ربما لان ابطاله كانوا يبرزون لهم على صورة اباطرة الدولة الاموية، رمز الدولة العربية القومية القادرة القاهرة، او على صورة هارون الرشيد في الف ليلة وليلة مع الجواري والخصيان، او على صورة صلاح الدين في احسن الاحوال، وهي صور لا ظل لحقوق الانسان فيها من قريب او بعيد،او ربما تبدى لهم على صورة السلطان محمد الفاتح الذي كان يوصي ابناءه، ممن سيلي عرش السلطنة ان يقتل الواحد منهم اخوته وابناء اخوته جميعا حتى لا ينازعوه الحكم ويدعوا قبله الحقوق. ولو انهم استنطقوا القرآن والسنة الصحيحة لوفروا على انفسهم وعلينا هذا المصير الرهيب.

حقوق الانسان في الاسلام ان الحقوق التي حملها الاسلام للانسان هي الحقوق الفعليه المكرسة لحالة التكريم التي خصه بها اللّه (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) «الاسراء/۷۰».

ونحن، اذا حاولنا ان نستقصي تلك الحقوق، فاننا لابد عاجزون، ولكن هذا لا يمنع من استقصاء فهمنا لها، من تصويرها بقدر ما نملك من قدرات ذهنية وطاقات. وعلى ذلك يمكن ان نقول:ان اللّه قد حرر الانسان من العبودية كما منحه سائر الحقوق والحريات المتعلقة بشخصه كانسان.

التحرير الاساسي هذا التحرير يتمثل بتحريم اي شكل من اشكال الوهية الانسان المدعاة. فقد منع تعالى مظاهرالتاله التي فرضها الملوك والاباطرة على الناس، سواء بوصفهم آلهة اساسيين ام ثانويين، ام ممثلين للالهة، وذلك بقضائه على اساس الشرك الذي لا يغفر للمتمسك به سواء كان مدعي الالوهية (الحاكم) او المحكوم القابل بذلك. قال تعالى: (ان اللّه لا يغفر ان يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) «النساءر۴۸». كما قال تعالى: (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون اللّه فان تولوافقولوا اشهدوا بانا مسلمون) «آل عمران/۶۴».

من هنا نسفت نظرية الحاكم الاله فتحرر الانسان، تحرر في مملكة الفراعنة، وبلاد الرافدين وسائر الممالك التي كانت تقيم نظام العبودية العامة او المعممة، كما يدعوها منظرو «نمط الانتاج الاسيوي»، فنزل الحاكم الى الارض وزالت صفة القداسة المزعومة عنه. كما وجب ان تزول كل آثار استعباده الناس، ذلك الاستعباد الذي كان يتمثل بملكية الرعية واموالها وحرياتها،والذي كان يسمح له بالقتل، والسوق الى السخرة ومصادرة الاموال، كان ذلك ضروريا، ولعل من يسائل التاريخ عما استهلك الفراعنة من الارواح والجهود في بناء الاهرامات، او عمااستهلك الاباطرة الرومان من الانفس في بناء قلعة بعلبك، يدرك ما كان يدعيه الحاكم من حقوق قبل المحكومين.

يقول ابن خلدون: «ان العرب اذا تغلبوا على اوطان اسرع اليها الخراب»، ولعل هذا، ان صح بشكل عام، ناتج عن انعدام حق الحاكم بسوق الناس الى السخرة لبناء المنش آت الجبارة كالقصور والمعابد والمدافن.

وبعد ان اكد اللّه تعالى هذا المبدا، وضع الاسس للحكم ولعلاقة الحاكم بالمحكوم. فكانت الحرية الكاملة التي تمارس على طريق تحقيق الصالح العام.

ولقد توفرت حماية الارواح فلا يجوز ازهاقها الا جزاء لازهاق اصحابها ارواح الاخرين او لفسادهم في الارض، ضمن بعض الشروط.

توفرت حماية الملكية الشخصية، فلا يجوز للحاكم ان يطالب الا بما حدده اللّه من الخمس والزكاة والعشور والخراج، وهي تشكل نسبا بسيطة في الارباح.

وتوفرت حماية الحريات المعروفة بالتقليدية، مثل: لا جريمة الا تلك التي يحددها الشرع، ولا عقوبات الا تلك التي يفرضها، فامن الناس من تعسف الحاكم وحرم العقاب على الظن اوارضاء لشهوات الحاكم او حفاظا على عرشه. فالانسان حر في ان يقوم باي نشاط غير ممنوع شرعا لكسب رزقه (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور) «الملك/۱۵»، (فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل اللّه) «الجمعة/۱۰». وان الناس على معتقداتهم ما لم يكونوا مشركين: (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) «البقرة/۲۵۶». (افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) «يونس/۹۹».

اما ما يسمى اليوم ب «الحقوق الاجتماعية والاقتصادية» فقد فرضها الاسلام لمستحقيها، بحيث يوفر لكل انسان الحاجات الاساسية الى حد الاستغناء ان سمحت موارد الدولة، وكذلك الحق في الزواج بمساعدة من بيت المال لمن لا يستطيع…

واخيرا، توفرت الحقوق السياسية ما لم تضر بكيان الامة الاسلامية، وان كان من شانها ان تمس سلطة الحاكم كما سنرى بعد قليل.

ان هذا لا يعني ابدا ان الحقوق والحريات المعروفة في الغرب هي نفسها التي وفرها الاسلام، لان الغرب حدد ما افرزه ميزان القوى في مجتمعاته. ثم حوله الى قوانين، فلم يعد الحاكم يحترم الحقوق والحريات بوصفها حقوقا وحريات ملازمة لشخص الانسان، بل هو يطبق القانون ويحاول النفاذ من ثغراته والتلاعب على نصوصه. هذا في بلدانه، اما في البلدان الاخرى فهولا يلتزم لا بحقوق ولا حريات.

في حين ان نظم الاسلام وقوانينه مفروضة من الشارع الاسمى، فيحرم التلاعب بها ولا يجوز الا الايمان بها ايمانا مطلقا.

هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فان حقوق الانسان وحرياته في الاسلام، ككل ما فرض اللّه، ليست محددة بما يفهمه بشر منها في زمان ما ومكان ما، بل هي لابد من ان تكون اوسع واشمل فيكتشف منها، وبناء على الاصول الثابتة، في كل زمان، جديد.

اما من جهة ضمانات الحقوق، فهي، ان كانت في الغرب المحاكم، فانها في الاسلام، الاسلام نفسه. في الغرب يفوض الامر الى القاضي، والقاضي يحكم بما يرى، وهو يطلب الاثبات وتضيع المسالة في الشكليات واصول المحاكمات ولا يستعيد الانسان حقه، ان قيض له ان يستعيده، الا بعد ان يكون قد تكبد ما يساوي منه اضعافا مضاعفة، بينما في الاسلام، هناك الايمان الذي يقف حاجزا اول يردع الحاكم المؤمن، هناك خوف عقاب اللّه الذي لا يحتاج الى قرائن وبينات، ثم هناك القاضي.

وبعد كل هذا وذاك، فان الحاكم الذي فرضه اللّه كان بنفسه الضمانة اذا اخذنا بنظرية الحاكم المعصوم.

اما موضوع انظمة الطوارىء والحالات الاستثنائية فهو غير قائم، فالتشريع واحد يطبق في الحرب والسلم، وفي الظروف العادية والاستثنائية. وحقوق الناس وحرياتهم هي هي، لا يجوزالمساس بها تحت اية ذريعة كانت.

تطبيق النظام الاسلامي ولكن السؤال الملح الذي يطرح هنا هو: اين طبق مثل هذا النظام، وتاريخنا الاسلامي لم يعرف في تسعين بالمئة من اطواره، الا الظلم والقهر وسفك دماء المعارضين الحقيقيين اوالمفترضين.

وجوبا نقول: ان هذا هو النظام الاسلامي، وان لم يكن طبق في معظم مراحل التاريخ، فان ما طبق ليس من الاسلام الا بقدر ما يوافق هذا النظام، على ان التطبيق جرى ولا شك في زمن الرسول(ص) وفي خلافة علي(ع).

واذا كانت دولة الرسول(ص) صغيرة الحجم، واذا كانت الاحاديث المتضاربة العائدة لتلك الحقبة قد اعتراها من الكذب ما شوش الصورة الناصعة، فان لنا من المعطيات عن حقبة حكم الامام علي(ع) ما يكفي لاستخلاص بعض الحقائق الاساسية في المجال الذي نحن حياله.

ان الامتحان الذي خاضه الامام علي، ليس امتحانا في تطبيق حكم اللّه في الاحوال العادية، بل في الاحوال الاستثنائية، لقد كانت خلافة الامام علي حالة طوارىء مستمرة، فلم يفرض فيهاقانون طوارىء، بل عامل الناس كانهم يعيشون في دعة واستقرار، وهذا ما يدل على عمق ايمانه بحقوق الانسان وحرياته.

فلنستعرض سيرته(ع) منذ مبايعته بالخلافة علي ورافضو المبايعة عندما انصبت جماهير المسلمين على علي(ع) مبايعة له، تخلف عن البيعة كل من عبد اللّه بن عمر وسعد بن ابي وقاص ومحمد بن مسلمة الانصاري وغيرهم…وكان الظرف استثنائيا.

كانت الثورة قائمة. فلم يعمد امير المؤمنين الى الضغط على هؤلاء، لم يلزمهم بالبيعة، ثم لم يحدد اقامتهم كتدبير احترازى بلغة اليوم، خوف شرهم، بل تركهم احرارا، وهذا منتهى الاعتراف بالحرية السياسية للانسان.

علي والشيخان طلحة والزبير بعد ان ظهرت امارات النكث على كل من طلحة والزبير، وذلك في محاولتهما مشاطرة علي(ع) الخلافة، وبعد ان يئسا من نيل اي حصة من السلطة ومن الولايات في الامصار، قررا مغادرة المدينة ليعدا للتحرك ضد الامام(ع)، فاتياه مستاذنين بحجة قضاء العمرة في مكة. وادرك علي(ع) مرادهما، اذ قال لهما: «انكما لا تريدان العمرة بل الغدرة». وتركهما وشانهما، لم يقيدحركتهما وكانت الظروف الاستثنائية بمنطق اليوم تبيح تحديد اقامتهما على الاقل، لكن الامام تصرف على اساس ان حرية الانسان التي صانها اللّه حق اثمن من العروش.

واخذ طلحة والزبير وعائشة يتحركون في مكة ووافت الاخبار عليا(ع) فما كان منه الا ان قال: «ان هؤلاء قد تمالاوا على سخط امارتي، وساصبر ما لم اخف على جماعتكم واكف ان كفوا».

ولما جمع الشيخان امرهما وتحركا برفقة عائشة وجموع الناقمين من الامويين وغيرهم باتجاه البصرة، تحرك الامام للقائهم، لا بقصد القتال، ولكن في محاولة للاقناع. ولكنهم فاتوه ووصلواالبصرة قبله وفعلوا ما فعلوا، ثم وصل الامام بجيشه فلم يعاجلهم بالحرب بل اعذر اليهم، فكانوا هم البادئين بالقتال.

علي والمخلفون في الكوفة لما وصل علي الى الكوفة بعد معركة الجمل، واستقر به المقام فيها الى حد ما، لم يعمد الى معاقبة المخلفين الذين آثروا الدعة، ولم يتحركوا لنجدته في البصرة، بل اكتفى بعتابهم والدعوة الى هجرهم واسماعهم ما يكرهون وهم الجيش الاحتياط ي الذي ياخذ العطاء مقابل القتال عندما يؤمر به، رغم ان موقف بعض قادته كان يقول بضرورة الانتقام منهم، وهذا ما عبر عنه صاحب شرطته مالك بن حبيب اليربوعي الذي قال للامام: «واللّه لئن امرتنا لنقتلنهم». فرد الامام(ع): «سبحان اللّه يا مال، جزت المدى وعدوت الحد واغرقت في النزع».

فقال: يا اميرالمؤمنين: لبعض الغشم ابلغ في امور تنوبك من مهادنة الاعادي فرد الامام(ع): «ليس هكذا قضى اللّه يا مال، قتل النفس بالنفس فما بال الغشم؟».

واضاف: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا) «الاسراء/۳۳»والاسراف في القتل ان تقتل غير قاتلك فقد نهى اللّه عنه، وذلك هو الغشم.

هذا، كما ان عليا لم يعلن «حالة الطوارى» ولم يصادر الاشخاص والعدد اللازمة لحربه مع معاوية، بل كان يعظ ويحذر من غضب اللّه ومن الذل المحتمل في حالة التخاذل، ولم يترك هذاالنهج حتى يوم استشهاده(ع)، ولعل الذي يراجع خطبه يتاكد من ذلك بشكل لا لبس فيه ولا مزيد عليه.

علي في صفين بعد كل الاحتياطات التي اتخذها علي(ع) كي يمنع قادته من بدء معاوية بالقتال، احتل الاموي شريعة الفرات، ومنع جيش علي من الوصول الى الماء، ولكن عليا امر بالسيطرة على الشريعة،فلما تم ذلك، حاول قادته معاملة العدو بالمثل، ولكن الامام رفض ولم يستغل حالة الحرب ليقتل الجيش الاموي عطشا، وهو امر لا يلام عليه، ومثله ما زال يجري منذ فجر التاريخ حتى اليوم.

كما ان الامام لم يتذرع بمبدا المعاملة بالمثل، بل هو اعتبر ان الانسان له الحق في ما تقدم له الطبيعة، وهذا الحق اعطاه اللّه اياه، فلا يمكن للبشر ان ينتزعوه. ولهذا فقد نادى الامام معاوية المتمرد المغتصب المخادع المغرر باهل الشام. قائلا: «انا لا نكافيك بصنعك، هلم الى الماء فنحن وانتم فيه سواء».

لقد ابى ان يحرم من الماء المباح للكلاب والخنازير بشرا، حتى ولو كانوا يناصبونه العداء، فحقوق الانسان شيء وموقفه شيء آخر، ان الحقوق الاساسية لا تخضع لتقلبات الموقف.

لقدتسامى الامام مع القانون الالهي الى اعلى درجات التسامي، فلم يستمع لشهوة الغضب والانتقام ان تملي عليه الموقف.

حتى ولو استطاع ان يسوغه امام الناس، ذلك ان التسويغ الحقيقي هوما يجب ان يقدم بين يدي اللّه عز وجل.

علي والخوارج لقد كان سلوك علي(ع) مع الخوارج مجموعة من الدروس البليغة الخالدة، عبرت عن احترام القانون الاسلامي لحقوق الانسان حتى في اشد حالات الطوارىء ضيقا، واليكم نماذج من المواقف الدالة:

تكفيرهم اياه ومجادلته اياهم: لقد كفر الخوارج عليا واشترطوا، للعودة اليه، ان يتوب. وسبب تكفيرهم هو موافقته على التحكيم الذي وضع حدا لحرب صفين. ولذلك فقد امتنعوا عن الصلاة خلفه.

وجادلهم الامام في موقفهم هذا بما لا يزيد عليه، ولكنهم في غالبيتهم العظمى اصروا وابوا، فلم يضغط عليهم ولم يعاقبهم ولم يتخذ تدابير تقييدية ضدهم من اي نوع كان، بل تركهم وبقي يجري عليهم عطاءهم موضحا لهم موقفه هذا بقوله:

«لكم عندنا ثلاث خصال: لا نمنعكم مساجد اللّه ان تصلوا فيها، ولا نمنعكم الفيء ما دامت ايديكم مع ايدينا، ولا نبداكم بحرب حتى تبداونا».

تركهم الكوفة والبصرة وتجمعهم في النهروان: ثم اخذ الخوارج يتجمعون خارج الكوفة باتجاه المدائن، وقر رايهم ان يتوجهوا الى النهروان، ووافاهم انصارهم من البصرة.

في هذا الوقت كان الامام يستعد للتوجه الى الشام، فاخذ قادته يطالبون بالقضاء على الخوارج قبل المسير لملاقاة معاوية، خوفا من ان يتحركوا في غيابهم ويعتدوا على النساء والاطفال.

ولكن عليا كان ثابتا على الحكم الالهي بان لا يقتل نفسا الا بنفس او فساد في الارض، وتعقد الموقف وبقي علي(ع) مصرا.

ولكن الخوارج خطوا الخطوة الحاسمة، فارتكبوا ما سوغ القتال بشكل مبدئي. فقد قتلوا عبد اللّه بن خباب بن الارت وزوجته الحامل. عند ذلك طلب علي منهم ان يسلموه القاتل ليقتص منه، فرفضوا واعلنوا: «كلنا قتله». فافهمهم الامام ان هذا الموقف المناصر للقاتل يعني اعتبارهم مجرمين مثله ويجب الاقتصاص منهم، ولكنهم اصروا. عند ذلك قرر قتالهم، وعلى عادته تركهم يبداون بالقتال.

ت آمر الخوارج وخروجهم من جديد: لم تكن الهزيمة والقتل ليقضيا على حركة الخوارج، بل نجا منهم عدد بقي يخطط في الخفاء لمغادرة الكوفة من جديد.

وقد اتى الامام يوما الخريت بن راشد ليشي ببعضهم. فقال:

يا امير المؤمنين، ان في اصحابك رجالا قد خشيت ان يفارقوك فما ترى فيهم؟ فقال علي(ع): اني لا آخذ على التهمة ولا اعاقب على الظن…

واخذ الخريت يلح: اني خشيت ان يفسد عليك عبد اللّه بن وهب وزيد بن حصين الطائي. قد سمعتهما يذكرانك باشياء لو سمعتها لم تفارقهما حتى تقتلهما او توثقهما فلا يزالان بمحبسك ابدا.

فاجاب الامام: اني مستشيرك فيهما فماذا تامرني؟ فاجاب الخريت: آمرك ان تدعو بهما فتضرب رقابهما.

فرد علي(ع): «لقد كان ينبغي لك ان تعلم اني لا اقتل من لم يقاتلني ولم يظهر لي عداوة. وكان ينبغي لك، لو انني اردت قتلهم، ان تقول لي: اتق اللّه، بم تستحل قتلهم ولم يقتلوا احدا ولم ينابذوك ولم يخرجوا من طاعتك؟ والخريت هذا اتى الامام يوما مغاضبا معلنا انه لا يطيع امره ولا يصلي خلفه وانه غدا مفارقه، فحذره الامام مغبة ذلك وقال له:

((…ويحك، فهلم الي ادارسك واناظرك السنن وافاتحك امورامن الحق انا اعلم بها منك، فلعلك تعرف ما انت له منكر وتبصر ما انت الان عنه عم وبه جاهل».

قال: فاني غاد عليك غدا. فحذره الامام مجددا غواية الشيطان، ولكنه انصرف ولم يعد وقام بفتنته المعروفة.

وصية الامام لجارية بن قدامة عندما كلف معاوية بسر بن ابي ارطاة بشن غارة على الحجاز واليمن لترويع اهلهما وانتزاع البيعة لمعاوية، انتدب الامام علي لمطاردته جارية بن قدامة السعدي، فاوصاه بان لا يصادر الماءولا الحيوانات مهما عانى في حملته من ضيق ومحن، ولو عجز عن متابعتها من دون ذلك، فقد قال له: «ولا تستاثرن على اهل المياه بمياههم ولا تشربن مياههم الا بطيب انفسهم…ولاتسخرن بعيرا ولا حمارا وان ترجلت وحبست».

استشهاد الامام عندما طعن ابن ملجم امير المؤمنين، امر بالقبض عليه، ثم اوصى بمعاملته معاملة حسنة، كما امر بان لا يقتل به اذا استشهد الا قاتله.

ولو ان الامر جرى اليوم في اي دولة من دول العالم المتقدم، لاعلنت حالة الطوارىء، او اي من بدائلها، والقي القبض على كل المشبوهين، وهم في حالتنا هذه الخوارج، وزج بهم في الاعتقال الاداري.

نهج الامام علي وهكذا يتبين ان الامام عليا(ع) قد حكم في الاحوال الطارئة بالقانون العادي، قانون حالة السلم، ولعله الحاكم الوحيد في التاريخ الذي لم يعلن حالة الطوارىء فيما كان يواجه حروبا داخلية،وهذا امر يلامس حدود المعجزة.

ونحن نرى ان الامام قد قطع بنهجه هذا الطريق على كل حاكم يفكر في ان يضحي بحريات المسلمين وحقوقهم، من اجل تثبيت عرشه وادامة حكمه.

واذا كان لنا ان نعلق على كل هذا، فاننا نقول: ان الاسلام هو الذي يرتفع بالانسان الى اعلى درجات الكرامة اذا اختار ان يطبق تعاليمه، على ان نفهم الاسلام كما علمنا اياه الامام علي بوصفه هاديا يمثل ما تنطق به الاية الكريمة: (انما انت منذر ولكل قوم هاد) «الرعد/۷».

وهذا ليس كثيرا على ذلك الرجل الذي كان يجسد الاسلام، الذي كان الاسلام من لحم ودم ياكل الطعام، وان يكن الجشب، ويسير في الاسواق، والذي مثل الايمان كله بشهادة الرسول(ص) الذي قال، عندما برز علي لعمرو: برز الايمان كله للكفر كله.

ان هذا هو مستوى من قداسة الانسان في الاسلام، فهل يحلمون به، في الغرب، في العصر الحديث؟ اننا لا نظن ذلك.

واخيرا، فكم ظلمنا الاسلام بتصوره على شاكلة ذلك الاسلام الذي مورس في ظل الملوك والسلاطين، وكم ظلمنا عليا ونظمه، حيث لا نتعرف الى عظمته الا في جوانب معينة، وكم ظلمناانفسنا بترك نهجه والاستغناء عن الارتواء من تياره الزخار.

فلنعد الى علي لتتغير صورة الاسلام في اعيننا ولتتغير صورتنا في عين انفسنا ولنتبوا مركزنا في مقدمة مفكري الانسانية الذين يبحثون عن حلول لمشاكل الكائن البشري الذي يكاد يضمحل بوصفه قيمة كريمة، ليتحول الى رقم في كمبيوتر يعالج كيفية غسل دماغ وتحويله الى خليه غير واعية في جسم اجتماعي تكيفه وسائل الاعلام، الى صنيعة للمصالح الكبرى المهيمنة في العالم، لصالح هذه العقيدة او هذه السياسة او غيرهما.

ان الحل عند علي الذي لم يفرط في كرامة الانسان اي انسان، الذي هو اما اخ لنا في الدين واما شبيه لنا في الخلق. وما موضوعنا هذا الا حبة رمل على شاط ىء علي الذي لا يمكن ان يقصده قاصد علم الا ويعود بما يشفي غليله ويزيد فيبهره.

لننكب على تراثه، وكفانا تقليدا لان المقلد لا يجلي بل يبقى مسبوقا بالمقلد الى الابد، عيب ان نبقى مسبوقين لعلماء ومفكري ابناء زمان معين ومكان معين وبيئة معينة، والفخر كل الفخر ان نسير وراء علي الذي ما وقف انسان قبالته الا ولى مهزوما ومن ثم راح يفاخر بمجرد وقوفه ذاك، ولو كان قد ادى الى الانهزام.

الکاتب: محمد طي