عنترة

بدأ المسلمون يغادرون رويدا المساحة التي شغلوا أنفسهم بها ليتغاضوا عن روح الشر التي تتنازعهم وتضطرب في دواخلهم المحتقنة بمشاعر البغض لبعض والحقد والتعصب المذهبي والإنقسام دون تردد من أجل مصالح ذاتية غير ذات قيمة في حضرة الله ، ولايمكن أن تؤدي بهم الى نتائج تبعث الطمأنينة وتنجح سعيهم لمستقبل أكثر إشراقا وتقدما كالذي تعمل عليه أمم وشعوب أخرى في الأرض ،وقد حققت ذلك التقدم الذي وعدت به أبناءها رغم أنها تتلقى يوميا النقد وعبارات التشهير والتكفير من أكثر من داعية إسلامي وجهة ومؤسسة ومنبر يتحدث بضلالتها وإنحرافها لأنها لم تتبع الإسلام على وفق الآية المباركة التي جعلها الله عنوانا نهائيا للعلاقة به ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) مع إن الله دعا عباده المؤمنين بدينه الخاتم الى إحترام الكنائس والصوامع ودور العبادة لغير المسلمين ، ومنع من التجاوز عليها تحت أي عذر، ونهى عن إنتهاك كرامة المرأة والشيخ والطفل ، وجعلها أمانة في أعناق المقاتلين الذين يخرجون في حروب عنوانها الإسلام والدفاع عنه .

هذه المرة شرع المسلمون بتبني الخطاب الطائفي الممقوت ،وصاروا يستهدفون بعضهم بعبارات التكفير والتخوين والضلالة ،وينشئون جماعات مقاتلة تستهدف الناس على أساس الطائفة والدين ،ويؤسسون لقنوات تلفاز تبث السموم والفرقة والأذى وتخدش المسامع والقلوب والضمائر وتدفع الناس الى العداوة والبغضاء وإعتبار إخوانهم في الدين كأنهم من ملة أخرى، فلا الشيعي مسلم، ولا السني بمسلم، وكلاهما في النار عند بعض المتعصبين من الفريقين وهذا مايستدعي حراكا عاجلا حتى لو أدى الى نشوء دكتاتورية حازمة تعمل بالدين لكنها لاتفرض شكلا ما على الناس و تمنع الحكم بالدين المشوه والإنجراف الى التحريف وتشويه صورة الآخر ولعل الدكتاتورية الجزائرية والدكتاتورية المصرية الناشئة في مصر على أطلال الإخوان بعد إسقاط نظام الرئيس المعزول مثال لما يمكن أن يفيد المسلمين، فكلما قامت حكومات دينية على أساس مذهبي وشرعت لصحتها وضلالة مخالفيها ،كلما كان الهوان حاضرا والذل والفرقة والضعف والتشتت وفقدان الأمة لهيبتها الحضارية والإنسانية ونكوصها وتخلفها الذي لايمكن أن تعود عنه أبدا ، ومالم تسارع الى إتخاذ خطوات عملية على يد علمائها المعتدلين ومؤسساتها الدينية ك(الأزهر الشريف وحوزة النجف المقدسة) ليكون التواصل أعمق والحل أقرب وإلا فإن الخطاب المتشنج لن يقود المسلمين إلا الى مزيد من الإحتراب والتشدد ونشوء جماعات تفجر هنا وهناك وتنشر الفوضى والشك والإضطراب في النفوس..فمن يفجر في المناطق الشيعية هو نفسه من يفجر في المناطق السنية في العراق ومن يستهدف الشيعة في الضاحية الجنوبية من بيروت هو نفسه من يضرب في عمق الشمال الطرابلسي ليقتل السنة وهم يصلون والهدف واضح هو نشر الفرقة وليتقاتل الناس وينتفع من هو راغب بالفوضى ساع لها مؤمن بها ليكون سيدا على الجميع.على جميع المتحاربين دون أن يشعروا ،أو أن يشعروا فليس مهما شعورهم..

ملاحظة أخيرة : كان السياسي يتحدث عن الأخوة والتسامح، وذكر المسلمين وتوادهم وشجاعتهم ،وضرب مثلا بعنترة بن شداد العبسي في الجاهلية ، وعلى مايبدو فإن هذا السياسي يظن بعنترة مسلما وصحابيا، فقال حين ذكره..لقد كان عنترة ( رضي الله عنه) شجاعا للغاية.

الكاتب: هادي جلو مرعي