المتفرقة » المقالات » المتفرقة »

عن ظاهرة التكفير

قلتُ لمحاوري : لا يصح تسمية ما يجري في سوريا ــ من ذبح وسطو وخطف ، وتهديم للمعالم التاريخية وتفكيك للاقتصاد ، وتهجير للناس من بيوتها ووطنها ــ بأنه ظاهرة . هذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخنا العربي / الاسلامي ، بل هي تتويج عصري لظاهرة واحدة هي الظاهرة الطائفية التي ظلت تعيد انتاج نفسها منذ ۱۴۰۰ سنة والى اليوم .

ماذا تحمل هذه المجزرة التاريخية في احشائها من جديد لكي نسميها ظاهرة ؟ يصح ان نطلق مصطلح الظاهرة على ما يستجد في الاجتماع والاقتصاد والادب والفن من الجديد . والحال انه مثلما تم تشويه مفاهيم : الوطن والشعب والامة والطبقة والفئة الاجتماعية من قبل مَن حكم باسم القومية ، كذلك هي في طريقها الى الموت مفاهيم الظواهر الادبية والفنية الحديثة اذ هي محاصرة جميعاً بالأسلمة ، أي العودة بها الى ذائقة جمالية جناحاها المدح والهجاء في عمود الشعر كمقابل ادبي لمفهومي : الولاء والبراء السياسيين .

انتهت الفتنة الكبرى بالاستبداد من جانب ( ولادة الدولة الاموية ) وبولادة فرقة دينية جديدة هي : الخوارج من جانب آخر ومنذ ذلك التاريخ لم يعد لمفهوم اجماع الامة من معنى خارج سطوة السيف ، .لا يريد صاحبي الذي تشل لديه ــ ذاكرته المعبأة بتاريخ طويل من اضطهاد طائفته ــ اتخاذ القرار الموضوعي المنسجم مع العصر بعيداً عن الانحياز الطائفي أكانت طائفته مضطَهدة على مر القرون ام مضطَهدِة لغيرها من الطوائف ! . فما يجري في سوريا هو تتويج لتاريخ طويل من الحروب الاهلية التي تنتهي بولادة دولة جديدة ( العباسية ، الفاطمية ، الموحدون والمرابطون في شمال افريقيا وفي الاندلس ، واخيراً الدولة العثمانية ) كل هذه الامبراطوريات قامت على اساس التبشير الطائفي المتدامج بسطوة السيف حيث تكفر كل دولة سابقتها وتجتث بقايا عوائلها الحاكمة بالسيف واحياناً تعيد نبش قبورهم واعادة صلب من ظلت على عظامه بقايا من اللحم كما فعل العباسيون بجثة الخليفة الاموي هشام ابن عبد الملك .

ولهذا لم أُفاجَأ حين نبشت ميليشيا ( النصرة ) قبر صحابي . ولم أُفاجأ حين اعلن حزب اللّه انه يتدخل في سوريا للدفاع عن قبور الموتى ومزارات الاولياء والصالحين. فالأولوية لدينا جميعاً على اختلاف مذاهبنا تتمثل بحراسة الماضي ونفضلها على أولوية تحسين شروط عيشنا في الحياة عن طريق بناء الدولة الوطنية والتنمية والتحديث ……لقد جيّش طرفا النزاع امتداداتهم الطائفية خارج اوطانهم للوقوف الى جانبهم ( وهو ما يعني ان اياً من طرفي النزاع غير مؤهل تاريخياً لحمل مشروع الدولة الوطنية الحديث والمباشرة بانجازه ) لا اريد ان اعدد كم فرقة دينية ولدت في عالمنا الاسلامي منذ نجحت فكرة ( جاهلية ) مجتمعاتنا الاسلامية في ان تسوّق نفسها كثقافة سياسية رغم تدين مجتمعاتنا الشديد مقارنة بمجتمعات أخرى .. لم أفاجَأ ياصاحبي بفتاوى التكفير .

والسؤال : هل مازلنا نعيش خارج اطار الاوطان في طوائف دينية يبيح فيها الفقيه لنفسه ان يعبر الحدود ويجيش الناس المنتمين لدول واوطان مر على تأسيسها أكثر من قرن ؟ هل تعرف ماذا يترتب على هذا التكفير المتبادل ؟ يترتب عليه ذبح الطوائف لبعضها البعض في الشوارع وشق بطونهم وأكل أكبادهم حارة ، وسبي نسائهم ومصادرة ما يملكون . ياصاحبي لست مستعداً لأن اكون داعية ذبح الانسان او حتى هجاءه لفظياً ..انا ياصاحبي من دعاة حفظ حقوق الانسان المهدورة في مشرقنا العربي ولست من دعاة الدعوة الى ذبح الملايين..

الكاتب: اسماعيل شاكر الرفاعي