غزوة تبوك

23 غزوة بني قريظة

مقدّمة(1)

كان بالمدينة المنوّرة ثلاثة أبطن من اليهود؛ بنو النضير وقريظة وقينقاع، وكان بينهم وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله) عهد ومُدّة.

نقض بني قريظة العهد

لمّا رجع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من معركة الخندق نقض بنو قريظة العهد، فأرسل رسول الله(صلى الله عليه وآله) الإمام علي(عليه السلام) إليهم، وأعطاه اللواء بيده، وأمره أن ينطلق حتّى يقف بهم على حصن بني قريظة.

فتحرّك(عليه السلام) وهو يقول: «والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصنهم»، فلمّا دنا من الحصن سمع منهم مقالة قبيحة لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، فرجع حتّى لقي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالطريق، فقال: «يا رسول الله! لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث».

قال: «أظنّك سمعت لي منهم أذى»؟ فقال: «نعم يا رسول الله»، فقال: «لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً».

خروج النبي(صلى الله عليه وآله) إلى بني قريظة

خرج النبي(صلى الله عليه وآله) ومعه ثلاثة آلاف من المسلمين، ومعهم ستّة وثلاثون فرساً.

تاريخ الخروج

۲۳ ذو القعدة ۵ﻫ.

مدّة المحاصرة

حاصرهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) خمساً وعشرين ليلة، حتّى أجهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب.

استشارة كعب بن أسد

لمّا أيقن كعب بن أسد ـ رئيس بني قريظة ـ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) غير منصرف عنهم حتّى يناجزهم، فقال لهم: يا معشر اليهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، إنّي عارض عليكم خلالاً ثلاثاً، فخذوا بما شئتم منها:

۱ـ نبايع هذا الرجل ونصدّقه، فوالله لقد تبيّن لكم أنّه نبي مرسل، وأنّه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم.

قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً، ولا نستبدل به غيره.

۲ـ فإذا أبيتم على هذا، فهلمّوا فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد رجالاً مصلتين بالسيوف، ولم نترك وراءنا ثقلاً يهمّنا حتّى يحكم الله بيننا وبين محمّد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً يهمّنا، وإن نظهر لنجدنّ النساء والأبناء.

فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير في العيش بعدهم.

۳ـ فإن أبيتم على هذه، فإنّ الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمّد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا فعلّنا نصيب منهم غرّة.

فقالوا: نفسد سبتنا؟ ونحدث فيه ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من المسخ؟

فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أُمّه ليلة واحدة من الدهر حازماً.

حكم سعد فيهم

بعثوا إلى النبي(صلى الله عليه وآله) أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، نستشيره في الأمر، وكان أبو لبابة مناصحاً لهم؛ لأنّ عياله وذرّيته وماله كانت عندهم.

فأرسله(صلى الله عليه وآله) إليهم، فلمّا رأوه قاموا إليه يبكون، وقالوا له: كيف ترى أن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم ـ وأشار بيده إلى حلقه ـ إنّه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زلّت قدماي حتّى علمت أنّي خنت الله ورسوله. وأوحى الله إلى نبيّه(صلى الله عليه وآله) في أمر أبي لبابة.

فندم أبو لبابة، ومضى على وجهه حتّى أتى المسجد، وربط نفسه على سارية من سواري المسجد تائباً لله، وحلف ألا يحلّه إلّا النبي(صلى الله عليه وآله) أو يموت، فبلغ ذلك النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: «دعوه حتّى يتوب الله عليه»، ثمّ إنّ الله تاب عليه، وأنزل توبته وحلّه النبي(صلى الله عليه وآله).

ثمّ سألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يحكّم فيهم رجلاً، فقال لهم(صلى الله عليه وآله): «اختاروا من شئتم من أصحابي»، فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك النبي(صلى الله عليه وآله)، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ.

فقال سعد: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائم. ثمّ حكم فيهم بقتل الرجال، وسبي النساء والذراري، وأخذ الأموال، فكبّر رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقال لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله عزّ وجلّ»، فأجرى عليهم ما حكم به سعد.

فضُربت أعناقهم عن آخرهم، وكانوا ستمائة مقاتل أو سبعمائة، ولم ينج منهم إلّا نفر يسير آمنوا قبل تقتيلهم، وسبيت النساء إلّا امرأة واحدة ضُربت عنقها، وهي التي طرحت على رأس خلّاد بن السويد بن الصامت رحى فقتلته.

ــــــــــــــــــــــــ

۱٫ اُنظر: تفسير مجمع البيان ۸ /۱۴۸، تفسير الميزان ۹ /۱۲۸٫

بقلم: محمد أمين نجف