الإمام المهدي

غيبة الإمام المهدي(ع) الكبرى

انتهاء الغيبة الصغرى

كان الناس خلال الغيبة الصغرى للإمام المهدي(عليه السلام) يأخذون الأحكام الشرعية عن طريق سفرائه الأربع، وهم: عثمان بن سعيد، محمّد بن عثمان، الحسين بن روح، علي بن محمّد السمري. وقد انتهت الغيبة الصغرى بوفاة السفير الرابع في ۱۵ شعبان ۳۲۸ﻫ(۱).

ابتداء الغيبة الكبرى

بعد وفاة السفير الرابع للإمام المهدي(عليه السلام) ابتدأت الغيبة الكبرى له(عليه السلام).

نوّاب الإمام المهدي(عليه السلام) في الغيبة الكبرى

جاء في أحد التوقيعات التي وصلتنا عن الإمام المهدي(عليه السلام): «أمّا الحَوَادِث الواقِعَة، فَارجعُوا فِيهَا إلَى رُوَاةِ الحَديثِ؛ فَإنّهُم حُجّتِي عَلَيْكُم، وأنَا حُجّةُ اللهِ عَلَيْهِم».

وجاء في توقيعٍ آخر: «مَنَ كَانَ مِنَ الفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِيْنِه مُخَالِفاً لِهَوَاه مُطِيعاً لأمْرِ مَولاه، فَلِلْعَوَامِ أنْ يُقَلِّدُوه».

وبناءً على ذلك فكلّ فقيه يحمل تلك الصفات فهو نائب للإمام المهدي(عليه السلام)، ترجع إليه الناس في جميع أحكامها الفقهية وإشكالاتها الشرعية.

أسباب الغيبة

إنّ غيبة الإمام المنتظر(عليه السلام) كانت ضرورية لابدّ للإمام منها، نذكر لك بعض الأسباب التي حتمت غيابه(عليه السلام):

۱ـ الخوف عليه من العبّاسيين

لقد أمعن العبّاسيون منذ حكمهم وتولّيهم لزمام السلطة، في ظلم العلويين وإرهاقهم، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم، وقتلوهم تحت كُلّ حجرٍ ومدرٍ، ولم يرعوا أيّة حرمة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في عترته وبنيه، ففرضوا الإقامة الجبرية على الإمام علي الهادي ونجله الإمام الحسن العسكري(عليهما السلام) في سامراء، وأحاطوهم بقوى مكثّفة من الأمن ـ رجالاً ونساءً ـ لأجل التعرّف على ولادة الإمام المنتظر(عليه السلام) لإلقاء القبض عليه وتصفيته جسدياً.

فقد أرعبتهم وملأت قلوبهم فزعاً ما تواترت به الأخبار عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعن أوصيائه الأئمّة الطاهرين أنّ الإمام المنتظر هو آخر خلفاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّه هو الذي يقيم العدل وينشر الحقّ ويشيع الأمن والرخاء بين الناس، وهو الذي يقضي على جميع أنواع الظلم ويزيل حكم الظالمين، فلذا فرضوا الرقابة على أبيه وجدّه.

وبعد وفاة أبيه الحسن العسكري أحاطوا بدار الإمام(عليه السلام)، وألقوا القبض على بعض نساء الإمام الذين يُظنّ أو يشتبه في حملهنّ.

فهذا هو السبب الرئيسي في اختفاء الإمام(عليه السلام)، وعدم ظهوره للناس، فعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره»، قلت: ولِم؟ فقال(عليه السلام): «يخاف»، وأومأ بيده إلى بطنه، قال رزارة: يعني القتل(۲).

ويقول الشيخ الطوسي(قدس سره): «لا علّة تمنع من ظهوره(عليه السلام) إلّا خوفه على نفسه من القتل؛ لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار»(۳).

۲ـ الامتحان والاختبار

وثمّة سبب آخر علّل به غيبة الإمام(عليه السلام)، وهو امتحان العباد واختبارهم وتمحيصهم، فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أمّا والله ليغيبنّ إمامكم سنيناً من دهركم، ولتمحصنّ حتّى يقال: مات أو هلك، بأيّ وادٍ سلك، ولتدمعنّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيّده بروح منه»(۴).

ولقد جرت سنّة الله تعالى في عباده امتحانهم، وابتلاءهم ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون، قال تعالى: (الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(۵)، وقال تعالى: (أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ)(۶).

وغيبة الإمام(عليه السلام) من موارد الامتحان، فلا يؤمن بها إلّا من خلص إيمانه وصفت نفسه، وصدّق بما جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الهداة المهديين من حجبه عن الناس، وغيبته مدّة غير محدّدة، أو أنّ ظهوره بيد الله تعالى وليس لأحدٍ من الخلق رأي في ذلك، وإنّ مثله كمثل الساعة فإنّها آتية لا ريب فيها.

۳ـ الغيبة من أسرار الله تعالى

وعُلّلت غيبة الإمام المنتظر(عليه السلام) بأنّها من أسرار الله تعالى التي لم يطّلع عليها أحد من الخلق، فقد ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّما مثله كمثل الساعة، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلّا بغتة»(۷).

۴ـ عدم بيعته لظالم

ومن الأسباب التي ذكرت لاختفاء الإمام(عليه السلام) أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم، فعن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه، عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه»، قلت له: ولم ذلك يابن رسول الله؟ قال(عليه السلام): «لأنّ إمامهم يغيب عنهم»، فقلت: ولِمَ؟ قال: «لئلّا يكون في عنقه لأحدٍ بيعة إذا قام بالسيف»(۸).

وأعلن الإمام المهدي(عليه السلام) ذلك بقوله: «إنّه لم يكن لأحد من آبائي(عليهم السلام) إلّا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحدٍ من الطواغيت في عنقي»(۹).

هذه بعض الأسباب التي علّلت بها غيبة الإمام المنتظر(عليه السلام)، وأكبر الظنّ أنّ الله تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسبابٍ أُخرى أيضاً لا نعلمها إلّا بعد ظهوره(عليه السلام).

من آداب الغيبة

۱ـ انتظار فرجه(عليه السلام) وظهوره، فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أفضل أعمال أُمّتي انتظار الفرج»(۱۰).

۲ـ الدعاء بتعجيل فرجه، فقد ورد من الناحية المقدّسة على يد محمّد بن عثمان في آخر توقيعاته(عليه السلام): «وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم»(۱۱).

۳ـ معرفة صفاته(عليه السلام) وآدابه، والمحتومات من علائم ظهوره.

۴ـ مراعاة الأدب عند ذكره(عليه السلام)، بأن لا يذكره إلّا بألقابه الشريفة: كالحجّة والقائم، والمهدي، وصاحب الزمان، وصاحب الأمر، وغيرها. وترك التصريح باسمه الشريف، وهو اسم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتكملة ذكره(عليه السلام) بقول: «عليه السلام»، أو «عجّل الله تعالى فرجه»، والقيام عند ذكر لقبه «القائم».

۵ـ إظهار محبّته(عليه السلام) وتحبيبه إلى الناس.

۶ـ إظهار الشوق إلى لقائه(عليه السلام) ورؤيته، والبكاء والإبكاء والتباكي والحزن على فراقه.

۷ـ الدعاء والطلب من الله تعالى أن نكون من جنوده وأنصاره وأتباعه، ومن المقاتلين بين يديه، وأن يرزقنا الشهادة في دولته.

۸ـ التصدّق عنه(عليه السلام) بقصد سلامته.

۹ـ إقامة مجالس يذكر فيها فضائله(عليه السلام) ومناقبه، أو بذل المال في إقامتها، والحضور في هكذا مجالس، والسعي في ذكر فضائله ونشرها.

۱۰ـ إنشاء الشعر وإنشاده في مدحه(عليه السلام)، أو بذل المال في ذلك.

۱۱ـ إهداء ثواب الأعمال العبادية المستحبّة له(عليه السلام)، كالحجّ والطواف عنه(عليه السلام)، والصوم والصلاة، وزيارة مشاهد المعصومين(عليهم السلام)، أو بذل المال لنائب ينوب عنه في أداء تلك الأعمال.

۱۲ـ زيارته(عليه السلام) وتجديد البيعة له(عليه السلام) بعد كلّ فريضة من الفرائض اليومية، أو في كلّ يوم جمعة، بما ورد عن الأئمّة(عليهم السلام) في ذلك.

۱۳‎ـ تعظيم مواقفه(عليه السلام) ومشاهده، كمسجد السهلة، ومسجد الكوفة وغيرهما.

۱۴ـ ترك توقيت ظهوره(عليه السلام)، وتكذيب الموقّتين، وتكذيب من ادّعى النيابة الخاصّة، والوكالة عنه(عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى.

جعلنا الله تعالى وإيّاكم من الممهّدين لدولته والمرضيين عنده.

ـــــــــــــــــــــ

۱٫ اُنظر: كمال الدين وتمام النعمة: ۵۰۳ ح۳۲٫
۲٫ علل الشرائع ۱/۲۴۶، كمال الدين وتمام النعمة: ۴۸۱٫
۳٫ الغيبة للشيخ الطوسي: ۳۲۹٫
۴٫ الإمامة والتبصرة: ۱۲۵، الكافي ۱/۳۳۶، الأمالي للصدوق: ۱۹۱٫
۵٫ الملك: ۲٫
۶٫ العنكبوت: ۲٫
۷٫ كفاية الأثر: ۱۶۸ و۲۵۰، ينابيع المودّة ۳/۳۱۰٫
۸٫ علل الشرائع ۱/۲۴۵، عيون أخبار الرضا ۲/۲۴۷٫
۹٫ كمال الدين وتمام النعمة: ۴۸۵، الغيبة للشيخ الطوسي: ۲۹۲٫
۱۰٫ الإمامة والتبصرة: ۱۶۳، تحف العقول: ۳۷، مناقب آل أبي طالب ۳/۵۲۷، مجمع الزوائد ۱۰/۱۴۷، ينابيع المودّة ۳/۳۹۷، الجامع الكبير ۵/ ۲۲۵٫
۱۱٫ كمال الدين وتمام النعمة: ۴۸۵، الغيبة للشيخ الطوسي: ۲۹۳، الاحتجاج ۲/۲۸۴٫

بقلم: محمد أمين نجف