فصل الدين عن الثقافة

بداية أطرح هذا السؤال لأتغلغل إلى عمق مشكلة باتت موضع مجاذبة وجدل بين المثقفين وهي:

– أي ثقافة أجدى أن نتبناها كي نجعل موقفنا فاعلاً في الحراك النهضوي للأمة؟ وما هي كينونة ثقافتنا المعاصرة التي سببت التردي السياسي والاجتماعي والاقتصادي للأمة العربية المسلمة؟

حتى نصل إلى رؤية واضحة ومعمقة يمكن تطبيقها كبرامج على أرض الواقع ينبغي أن نستقرء المشهد الثقافي العربي في سياق الماضي والحاضر كي نبحث في الأسباب والتداعيات حتى يمكننا تشكيل رؤية واعدة للمستقبل.

في الحقيقة يجهل أكثر الناس مفهوم (الثقافة) بمعناها الجوهري، فانطلت عليهم فكرة ساذجة مصاغة بتقنيات فنية عالية تموّه الحقيقة عليهم، مفادها أن كل صاحب صنعة أدبية أو شهادة علمية مثقف، النخب التي تتصدر المراكز العلمية هم المثقفون، فبالرغم من تخمة المجتمعات العربية بالكتّاب والأدباء والأكاديميين إلا أن هناك شلل في الحراك الحضاري وتردي واضح في كل نظم الحياة، لماذا؟

لأن هناك منطقة غائمة لم يتبدد عنها ضباب الجهل بعد، يفترض بنا كشعوب مسلمة مطالبة بالتدبر والتعقل والاستبصار، أن نتخذها كمعيار في النقد وهي (الوعي) فليس كل إنسان يزعم أنه مثقف (واع) فالوعي عادة يقود الأمم إلى الحرية والعدالة والتنمية والتقدم.

والوعي أن يدرك الإنسان مكانته في هذا الوجود فهو مخلوق مستخلف على الأرض يكافح من أجل بناء الحضارة والإعمار حتى يعلو دين الله ويستتب حكمه على الأديان في العالم، وأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق والراعي والهادي والمدبر لوجود الإنسان وعليه يرجع هذا الإنسان إلى خالقه في جميع شؤون حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهذا الإيمان لن يتأتى كقناعة راسخة في الإنسان ما لم يؤمن به كعقيدة تشحذ عزمه وتدفعه إلى الحركة الديناميكية الصاعدة نحو الكمال المطلق، كما في قوله تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه).

وعلماء النفس يصرحون في دراسة علمية أن المعتقدات والمبادئ والقيم تتمركز في منطقة (اللاشعور) أو (اللاوعي)، فاللاوعي هو الدينامو الفعال والمايسترو الذي يحرك حياة الإنسان والباعث للطاقة الحرارية للروح والفكر، فالمعتقد يفرز صيغ السلوك الإنساني والممارسات الأخلاقية التي تتحول إلى عادة والعادة مع التكرار إلى هوية.

فعندما تؤمن برسالتك الحضارية إيماناً صادقاً تتصرف بمقتضى إيمانك وتتحرك وأنت موحداً ربك تعرف واجباتك ومسؤولياتك الشرعية على وجه الأرض، فإن كنت حاكماً تتحرى العدل والمساواة، وإن كنت كاتباً تحرص على الكلمة الطيبة…. الخ، إذ تتحدد هويتك ككاتب مؤمن أو كسياسي ملتزم أو حتى أستاذ ملتزم بمبادئ دينك، فلو انطلق المجتمع كله من قاعدة عقائدية صحيحة لحصد الخير والعزة في النهاية ولجني ثمار غرسه بركات تغدق عليه من السماء والأرض.

لكن عندما تغذي عقلك الباطن أن الدين جمود وأن الشريعة منهج رجعي وتخلط المفاهيم والمضامين لتسوّق المرجعيات الفكرية الغربية اللادينية تحت عنوان التجديد ولحداثة معتقداً أن التجربة الغربية هي الأصلح لنهضتنا وتجهل أن بتكرار هذه الأفكار تنصقل معتقداتك وقناعاتك فتستحوذك كعقيدة تصبغ صبغتك وذلك بعد أن يفتر إحساسك بالله وبالدين والقرآن وتعتقد أن دينك عاجز عن مواكبة التطور، جامد يرفض التجديد، تنسلخ وبالتدريج عن قناعاتك فينحسر وبشكل لا شعوري الدين كروح عن الثقافة والسياسة وتقع أزمة لا تدرك أنها من صنع يديك، فالتخبط الجاهل في المرجعيات الفكرية الوضعية تخلق مبررات الانحدار والسقوط، والمؤسف أن المثقف الساذج يظل يبحث عن مخارج لهذه الأزمة الخانقة في حين هو من لّف حوله شرنقة العزلة والغياب، فلو استقرأت المشهد الحضاري للعالم الإسلامي في الماضي لأدركت سر العظمة وسر الخلود حيث استقطبنا الغرب الغارق في ظلام الكنيسة الدامس وهي تغتال العلماء وتقمع الحريات، المنارات المضيئة بالثقافة والعلم يوم كنا قادة العالم وأسياده، المناهل التي ترفد منها البعثات الغربية كل صنوف المعرفة والأدب، كان هناك صبغة عقائدية، تميز، أصالة، هوية، فعلماء الإسلام أول من أسسوا ركائز البحث العلمي وأصول المعرفة وهم معادن العلم والأدب ودعامة الفكر والإبداع.

وبدأ الانحدار حينما استرخى المسلمون في ظلال الغرب وانسلخوا عن جلدهم فوهنت عقيدتهم وإذا بهم طعماً للغول الغربي الذي نهش عبر أذنابه وأتباعه العرب المتواطئين مصداقية التاريخ وعراقة التراث وأصالة الفكر تحت مضامين التجديد والتطور والذي يقتضي تحرير الإنسان من ثوابت التدبر للشريعة الإلهية فلقنت المجتمعات المعاصرة معتقدات مشبوهة مثل (لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين) أو تحرر الوطن من الدين ومن العبودية لله، الرؤية الوضعية الناقصة التي تعزل السماء عن الأرض وفك تركيبة المنظومة الشاملة للحياة وفصلها عن بعضها البعض فجاء كل نظام يعزف عزفاً منفرداً عن الآخر فكان نتيجة هذا التفكك الانفراط عن المحور الذي جمعهم في فلك واحد والممثل بالله عز وجل مالك الملك، الخالق، الراعي والهادي والمدبر لكل عوالم المخلوقات التي ترى الإنسان خليفة له، خلقه الله ونفخ فيه من روحه واستخلفه لعمارة الأرض وسخر له كل ما في الوجود وحياة القدرة والحرية والاختيار والاستطاعة والتمكين وفي إطار الحلال والحرام والثوابت الدينية.

ولهذا السبب كان السقوط والانحدار.. يوم أن تفسخت الرؤية العقائدية السليمة واستبدالها برؤية وضعية قاصرة عاجزة تتخبط في التناقضات والازدواجية وتحسب أن الدين محطة غفران يغتسل فيها الإنسان من ذنوبه بعد أن يعيث في الأرض ظلماً وفساداً، وهكذا نوبات الغياب تترى على بقاع الأمة الإسلامية فكان سقوط الأندلس ثم الدولة العثمانية وحركة الاستعمار الغربي واتفاقية (سايكس بيكو) التي انتهجت سياسة (فرق تسد) تمزق أواصر الأمة العربية شر تمزيق، وابتعاث طلاب العلم العرب إلى أوروبا للدراسة والتعليم وانسلاخ أغلبهم عن نمط مجتمعهم المسلم والتلاشي في الفكر الغربي والتشبه ومحاولة التطبيع والعمل على فرض النموذج الغربي على واقع المسلمين، فتأسست الجمعيات الثقافية العلمانية التي تصدت للثقافة العربية بوجهها المشوّه وتصالحت مع (الأنظمة السياسية) لتمرير مصالحها الخاصة فميعت مفاهيم العزة والكرامة، الشهامة والجهاد، الكفاح والنهضة، القيم التي كان لها مفعول السحر في ضمير الإنسان العربي لطالما كانت وقوداً لثوراته وحركاته التحررية وكرست ثقافة التخدير والتنويم المغناطيسي كي يبلع المسلم هزائمه وإحباطاته صامتاً ويهضم انسحاقه كي يعيش بأمان، وتم استغفال الأمة مع سبق الإصرار والترصد واستفراغ عقلها الجمعي من مبادئ الدين الداعية إلى حياة العزة وتعبئتها بثقافة استهلاكية تسطح العقل وتبلد الفكر، ثقافة الجنس والجسد وثقافة الاستسلام بتواطء إعلامي سياسي مدروس ومقنن وعزل القرآن الكريم كدستور شامل للحياة والتعتيم على كنوزنا الأدبية وتراثنا ومعارفنا والاستخفاف بقيمتها التاريخية، في حين نفخّم ونعظّم حضارة الغرب وإنجازاته لنتضاءل وليغمرنا النقص والانهزامية أمام إنجازاته العملاقة حتى شلنا الإحباط واستحوذنا العجز لأننا ملقنون باستمرار على أن إمكاناتنا ضعيفة وقدراتنا شحيحة.. فكلما حاول أحدنا أن يرفع هامته تهوى عليه مطارق التسفيه والتحبيط لتحطمه.. عشنا بروحية المهزوم المشوّه نفسياً والذي لا يكتفي بأن يغرق لوحده بل يجر الآخرين إلى الغرق، فلن ننهض من كبوتنا المتأزمة إلا بالانتفاضة على واقعنا الهامد ومحاولة تغيير أنفسنا والعودة إلى الله عز وجل مرجعنا في الكون والحياة واستلهام العبر والحكم من كتابه العزيز وإعلاء كلمته ونصر دينه حتى ينصرنا سبحانه ويوفقنا في البناء والتعمير الحضاري مصداقاً لقوله عز وجل: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).

فمتى ندرك هذه الحقيقة كما صرّح بها رئيس وزراء إسرائيل الأسبق (مناحم بيغن):

(علينا سحق الحضارة الإسلامية.. وهي بلا شك مهمة صعبة).

الكاتبة: خولة القزويني