فضة النوبية خادمة الزهراء۱

فضة النوبية خادمة الزهراء

اسمها ونسبها

فضّة النوبية، قيل: أنّها بنت ملك الهند(۱).

ولادتها

لم تُحدّد لنا المصادر تاريخ ومكان ولادتها، إلّا أنّها من أعلام القرن الأوّل الهجري.

خدمتها

كانت(رضي الله عنها) خادمة وجارية من جواري رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ثمّ أهداها إلى ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) بعد زواجها، فكانت تخدمها، وبعد شهادة الزهراء(عليها السلام) كانت تخدم الإمام علي(عليه السلام).

نشأتها

نشأت(رضي الله عنها) وتربّت في بيت النبوّة والرسالة، فنهلت من آداب أهل البيت(عليهم السلام) وأخلاقهم وعلومهم بحكم ملازمتها لمولاتها وسيّدتها الزهراء(عليها السلام)، ممّا غرس في نفسها معاني الكمال والفضيلة، فكانت على درجة من الإيمان والتقوى والزهد والورع، إضافة الى بلاغتها وحسن نطقها.

زواجها

بعد شهادة السيّدة الزهراء(عليها السلام) زوّجها الإمام علي(عليه السلام) من أبي ثعلبة الحبشي، وولدت منه ولداً، ثمّ تزوّجها من بعده سليك الغطفاني(۲).

معرفتها بأهل البيت(عليهم السلام)

كانت(رضي الله عنها) عارفة بمقام ومنزلة أهل البيت(عليهم السلام) حقّ المعرفة، فقد «روى ورقة بن عبد الله الأزدي قال: خرجت حاجّاً إلى بيت الله الحرام راجياً لثواب الله ربّ العالمين، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء، ومليحة الوجه، عذبة الكلام، وهي تنادي بفصاحة منطقها، وهي تقول: اللّهم ربّ الكعبة الحرام، والحفظة الكرام، وزمزم والمقام، والمشاعر العظام، وربّ محمّد خير الأنام(صلى الله عليه وآله) البررة الكرام، أسألك أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين، وأبنائهم الغرّ المحجّلين الميامين.

ألا فاشهدوا يا جماعة الحجّاج والمعتمرين، أنّ موالي خيرة الأخيار، وصفوة الأبرار، والذين علا قدرهم على الأقدار، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار، المرتدين بالفخار»(۳).

علّمها رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعاء

قال الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أخدم فاطمة ابنته جارية اسمها فضّة النوبية، وكانت تشاطرها الخدمة، فعلّمها رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعاء تدعو به، فقالت لها فاطمة: أتعجنين أو تخبزين؟ فقالت: بل أعجن يا سيّدتي وأحتطب، فذهبت واحتطبت وبيدها حزمة، وأرادت حملها فعجزت، فدعت بالدعاء الذي علّمها وهو: يا واحد ليس كمثله أحد، تميت كلّ أحد، وتفني كلّ أحد، وأنت على عرشك واحد، ولا تأخذه سنة ولانوم، فجاء أعرابي كأنّه من أزدشنوءة فحمل الحزمة إلى باب فاطمة»(۴).

وفاؤها بالنذر

قال الله تعالى: «يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً»، ذكر المفسّرون طبقاً لروايات وردت بهذا المضمون بأنّ الآية ۵ـ۲۲ من سورة هل أتى ـ الإنسان ـ نزلت في بيان فضل الذين وفوا بنذرهم لله تعالى، وهم: الإمام علي، والسيّدة فاطمة الزهراء، والإمامين الحسن والحسين(عليهما السلام)، وجاريتهم فضّة، الذين نذروا إن برئ الحسنان(عليهما السلام) من مرضهما أن يصوموا ثلاثة أيّام شكراً لله تعالى، ولمّا صاموا أعطوا أفطارهم يوماً لمسكين، وآخر ليتيم، ويوماً آخر لأسير قربة إلى الله تعالى، وباتوا جياعاً ثلاثة أيّام لم يذوقوا إلّا الماء في قصّة مشهورة، فجزاهم الله تعالى على عملهم هذا الجنّة(۵).

تكلّمها بالقرآن

كانت(رضي الله عنها) مدّة عشرين سنة لا تتكلّم إلّا بالقرآن الكريم، وهذا دليل على أنّها كانت حافظة له، قال «أبو القاسم القشيري في كتابه قال بعضهم: انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت امرأة فقلت لها: مَن أنت ؟ فقالت: (وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، فسلّمت عليها.

فقلت ما تصنعين ها هنا؟ قالت: (مَن يهد الله فلا مضلّ له)، فقلت: أمن الجنّ أنت أم من الإنس؟ قالت: (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ)، فقلت: من أين أقبلت؟ قالت: (تُنادون مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)، فقلت: أين تقصدين؟ قالت: (ولله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) فقلت: متى انقطعت؟ قالت: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)، فقلت: أتشتهين طعاماً؟ فقالت: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ)، فأطعمتها، ثمّ قلت: هرولي وتعجّلي، قالت: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).

فقلت: أردفك، فقالت: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا)، فنزلت فأركبتها، فقالت: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا)، فلمّا أدركنا القافلة قلت لها: ألك أحد فيها؟ قالت: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ)، (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)، (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)، (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)، فصحت بهذه الأسماء فإذا بأربعة شباب متوجّهين نحوها، فقلت: مَن هؤلاء منك؟قالت: (المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فلمّا أتوها فقالت: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)، فكافوني بأشياء، فقالت: (والله يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)، فزادوا عليّ، فسألتهم عنها فقالوا: هذه أُمّنا فضّة جارية الزهراء(عليها السلام)، ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلّا بالقرآن»(۶).

موقفها من ابن ملجم

«لمّا حُمل [الإمام علي(عليه السلام)] من مصلّاه، والناس من حوله قد أشرفوا على الهلكة من شدّة البكاء والنحيب، وبلغوا به منزله، ومعهم ابن ملجم موثوقاً، وأقبلت فضّة أَمة فاطمة الزهراء وبيدها حربة، فقالت: أموالي ذروني أضرب عدوّ الله بهذه الحربة، فأشفي بعض جوى صدري، فقد أحرق فؤادي، وأقلق رقادي، وهيّج حزني، وأوهى ركني، وأجرى دمعي، وهتك ستري، واجتثّ أصلي وفخري، وانقضت عليه كالشهاب، فقال لها الحسن(عليه السلام): اصبري يا أمة الله، وردّها إلى الدار.

فقالت لابن ملجم: ويلك يا عدوّ الله، أفجعتنا وجميع الإسلام، فمصيرك إلى النار، ولا بأس على سيّدي فلقد قتل في جنب الله، واختنقت بعبرتها، فقال لها ابن ملجم: يا أمة الله، أبكي على نفسك إن كنت باكية، فلقد سقيته السمّ حتّى عذقه، ولو كانت هذه الضربة على من في الأرض لأفنتهم جميعاً»(۷).

ملازمتها للسيّدة زينب(عليها السلام)

كانت(رضي الله عنها) ملازمة للسيّدة زينب(عليها السلام) بعد شهادة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ولم تفارقها حتّى في خروجها إلى كربلاء مع أخيها الإمام الحسين(عليه السلام)، كما أنّها أُخذت معها في ركب السبايا من كربلاء إلى الشام.

وروي أنّها جاءت مع السيّدة زينب(عليها السلام) الى الشام، وبقيت ملازمة لها حتّى تُوفّيت(عليها السلام)، فجاورت قبرها بعد وفاتها، حتّى تُوفّيت.

وفاتها

تُوفّيت(رضي الله عنها) بالشام، ودُفنت في مقبرة باب الصغير في دمشق.

—————————-

۱- اُنظر: مشارق أنوار اليقين للحافظ رجب البرسي: ۱۲۱.

۲- اُنظر: شرح الأخبار ۲ /۳۲۸ ح۶۷۲.

۳- بحار الأنوار ۴۳ /۱۷۴ ب۷ ح۱۵.

۴- الإصابة ۸ /۲۸۲ رقم۱۱۶۳۲ نقلاً عن ابن صخر في فوائده وابن بشكوال في كتاب المستغيثين.

۵- اُنظر: تفسير فرات الكوفي: ۵۲۰. تفسير القمّي ۲/۳۹۸، الأمالي للصدوق: ۲۲۹ ح۳۹۰.

۶- مناقب آل أبي طالب ۳ /۱۲۱.

۷- وفيات الأئمّة: ۵۹.

بقلم: محمد أمين نجف