فقلنا اضرب بعصاك الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه ومظهر لطفه وأشرف بريته محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين الذين علاهم بتعليته وسمى بهم إلى رتبته ولعنة الله على أعدائهم ومخالفيهم وغاصبي حقوقهم الذين هم شر خليقته.

وبعد فيقول الأحقر الفاني ( علي بن موسى الحائري ) عفى الله عن آثامه وجعل مستقبله خير أيامه. أن في أوان توجهي إلى زيارة سيدي ومولاي أبي عبد الله الحسين عليه السلام لدرك فضيلة نصف شعبان تحت قبته ، وذلك في العشرين من شهر رجب من سنة الألف والثلاثمائة والخامسة والستين من الهجرة ، أورد عليّ مسائل نفيسة جناب الأجل الأكرم والخل المعظم صاحب الفضل والمنبر وذو الشرف والفخر الصفي الوفي الملا مكي ابن المرحوم الحاج قاسم بن أحمد بن مدن بن الشيخ حسن الجارودي الخطي سلمه الله وأبقاه ومن كل مكروه حرسه ووقاه. يريد مني جوابها وكشف نقابها. وحيث كنت على جناح سفر تأخر إنجاز ما أراد إلى بعد قضاء الوطر. ولدى قفولي إلى الأحساء سارعت إلى الجواب سائلاً من الله تعالى وأوليائه الأطهار الهداية إلى الصواب مع ما أنا عليه من كثرة الأشغال وتبلبل البال لكن. لا يسقط الميسور بالمعسور ، والله حسبي وعليه توكلي في كل الأمور وجعلت سؤاله كالمتن وجوابي له كالشرح.

قال سلمه الله تعالى بعد السلام والثناء علي حسب حسن ظنه :

الأولى : ما يقول شيخنا أيده الله في تأويل قوله تعالى : ( اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتى عشرة عيناً ) [۲] . فمن موسى ومن العصا وما الحجر وما العيون ؟

أقول ولا قوة إلا بالله إن الآية الشريفة ليست كما ذكره السائل سلمه الله تعالى بل هي في سورة البقرة هكذا : ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتى عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم ) [۳] ، وفي سورة الأعراف هكذا : ( وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتى عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم ) [۴] ، ومراد السائل سلمه الله تعالى هو الكشف عن تأويل الآية الشريفة وباطنها لا ظاهرها لأن ظاهرها معروف مشهور لا خفاء فيه ومع ذلك لا بأس إن أشرنا إلى الظاهر اختصاراً ثم عطفنا الكلام إلى الباطن.

التفسير الظاهر

فنقول : لما اشتد العطش في التيه على بني إسرائيل ، التجأوا إلى نبيهم ، نبي الله موسى عليه السلام ، وتضرعوا إليه. فسأل الله تعالى أن يسقيهم فأوحى الله إليه أن اضرب الحجر بعصاك التي كانت لك آية باهرة التي ضربت بها البحر فانفلق والتي صارت ثعباناً تلقف ما يأفكون ، وهي التي حملها آدم من الجنة إلى الأرض ، فكانت عند نبي الله شعيب عليه السلام ، فدفعها إلى موسى ، وكان طولها عشرة أذرع كطول موسى ، ولها شعبتان تنقدان في الظلمة نوراً. فضرب بها الحجر داعياً بمحمد وآله الطاهرين عليهم السلام ، وكان ذلك حجراً مخصوصاً. كما كانت العصا كذلك ، وما كان من عرض سائر الأحجار كما قيل بل روي أنه نزل من الجنة كما في التفسير المسمى ( ببيان السعادة ) عن إمامنا الباقر عليه السلام أنه قال : ” نزلت ثلاثة أحجار من الجنة مقام إبراهيم وحجر نبي إسرائيل والحجر الأسود ” [۵] ، فكما أن العصا كانت آية باهرة كذلك كان ذلك الحجر فلذا إذا ظهر الحجة المنتظر عجل الله فرجه حمل معه ذلك الحجر فينادي مناديه : ” ألا لا يحملن أحدكم طعاماً ولا شراباً ولا ينزل منزلاً إلا انفجرت من ذلك الحجر عيون فمن كان جائعاً شبع ومن كان ظمآناً روي ورويت دوابهم حتى ينزلوا ظهر الكوفة النجف ” [۶].

فلما ضرب موسى بعصاه الحجر انفجرت ( كما في سورة البقرة ) وانبجست ( كما في الأعراف ). الانفجار هو الجريان بقوة وكثرة ، والانبجاس هو الجريان بضعف وقلة ولا منافاة بينهما. إذ يحتمل أن نكون الانبجاس في أول الضربة وأول الجريان ثم يتقوى بعد ذلك فيكون انفجاراً كما هو العادة والمتعارف غالباً في بعض العيون الذخَّارة ، أو أنه ينبجس عند حمل الحجر وينفجر عند وضعه ، أو أن الأمرين يجريان على حسب الحاجة. فلدى الحاجة إلى القليل ينبجس وإلى الكثير ينفجر كما قيل ولا بأس به بل هو جيد.

قال تعالى : ( وانفجرت منه اثنتى عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم ) [۷] العيون على عدد الأسباط حيث كانوا اثنى عشر سبطاً فلكل سبط عين ما عذب فرات في جدول خاص إلى ذلك السبط على قدر حاجته. ( قد علم كل أناس مشربهم )[۸] ، وكان يشرب كل يوم منه ستمائة ألف نسمة جلّت قدرته وبهرت وعظمت آيته. هذا هو ظاهر التفسير.

التفسير الباطن

وأما الباطن والتأويل فموسى الحقيقي هو نبينا محمد صلى الله عليه وآله. وموسى نبي إسرائيل إنما سمي موسى لأن آل فرعون التقطت صندوقه الذي كان فيه من نهر النيل بين الماء والشجر فسموه موشى ( بالشين المعجمة ) على اللغة العبرانية ، كلمة ( مو) عبارة عن الماء و ( شى ) عن الشجرة ، فلما نقل إلى العربية قيل موسى ( بالسين المهملة ) وكذا كل شين ( بالمعجمة ) في العبرانية هو سين ( بالمهملة ) في العربية ظاهراً وعيسى في لغتهم عيشى بالمعجمة وهكذا.

ونبينا صلى الله عليه وآله هو الذي تخلق من ماء الوجود النازل من سحاب المشيئة الإلهية. إذ لا خلق قبله ومن شجرة صورته وإنيته وماهيته التي هي الشجرة الباركة الأولية التي لا شرقية هي ولا غربية. برزخ البرازخ لا وجود حق ولا وجود مقيد. بل وجود مطلق ومفعول مطلق لم يقيد إلا بالمشيئة لا غير ، أو أنه لا وجود مطلق وهي المشيئة الكلية ولا وجود مقيد الذي في أوله الدرة وآخره الذرة. بل أمر بين الأمرين ، وهو نور الأنوار ومادة المواد وأسطقس الأسطقسات ، وهنا مطالب كتمانها في الصدور خير من إبرازها في السطور. فيكون موسى الحقيقي الأصلي الأولي هو نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وهو الذي عناه مولانا ومولى الكونين أمير المؤمنين عليه السلام في قوله :” أنا عصا موسى لا موسى نبي إسرائيل “ ، وإلا لزم أن يكون من هو أفضل وأشرف بمراتب لا يحصيها إلا خالقه آية ومعجزة لمن هو أدنى وأنزل منه بمراتب كذلك ، وكيف تكون الآية أفضل وأشرف من ذي الآية ؟ ومحمد وآله الطاهرين سلام الله عليهم أفضل من كل نبي وملك ومن كل ما سوى الله تعالى ، والأنبياء عامة خُلِّقوا من فاضل أنوارهم وشعاع أجسامهم الشريفة كما هو منطوق الأخبار المستفيضة بل المتواترة. بل هم الوسائط لتكون وجوداتهم ، فيكون مقامهم بالنسبة إلى الأنبياء مقام العلة والمؤثر ، فكيف يكون العلة والمؤثر آية ومعجزة للمعلول والأثر وهذا خلاف الحكمة. بل هو الحقيقة انقلاب للحقيقة. فثبت أن موسى الذي عناه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في قوله : ” أنا عصا موسى ” هو نبينا صلى الله عليه وآله لا غير. كي يوافق كونه عصا له وآية ومعجزة وبرهاناً لنبوته فافهم.

ومن هذا البيان ظهر لك معنى العصا في الآية الشريفة تأويلاً ، وأنها هي إمامنا أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام. فكما أن موسى الظاهري إنما ظهرت نبوته وقهر عدوه وفرعون زمانه بعصاه ، وغلب السحرة بتلك العصا ، وبها فلق البحر وضرب الحجر فانفجرت العيون منه ، وغير ذلك مما صدر منها. فصارت العصا آية باهرة ومعجزة سماوية له لا ترد ولا تبطل. فكذلك علي سلام الله عليه بالنسبة إلى نبينا هو آية الله الكبرى ومعجزة نبينا العظمى وعصاه التي لا تنثني ولا تنثلم ولا ترجع قهقرى ، ويتكأ عليها في جميع أموره ويهش بها على غنمه وأُمَّته ورعاياه وله فيها مآرب أخرى في الدنيا وفي البرزخ والأخرى ، وما ظهرت بل وما استقرت نبوّته إلا بعلي عليه السلام. بل لم يُؤمر بالتبليغ وإظهار البعثة إلا بعد تولده عليه السلام وبلوغ سنّه عشر سنوات. فَشّدّ به أزره وأشركه في أمره وأيده به ونصره. فجعل يدافع عنه ويذب عنه الجهّال وعتاة المشركين وطغاة المنافقين ، ويرغم آناف صناديد قريش ، وما حضرت معضلة إلا كشفها علي عليه السلام ولا مشكلة إلا وحلَّها ولا كُربة إلا وفرَّجها ولا غزوة إلا وحضرها وصار الفتح والنصر على يديه ، ولا زال يغوص الشدات وينغمر في لجج الكربات فيتخلص عنها نجياً ، وينجو منها ظافراً مهدياً ، وما برح يكشف الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله في الحروب والغزوات وغيرها حتى استقرت نبوّته وثبتت شريعته ونفذت كلمته واتسعت دائرته وانتشرت دعوته. فكان له صلى الله عليه وآله كما أفصحت عنه سكنه وزوجته وكفوه رضيعة الوحي وأرض الولاية في خطبتها قائلة : ” أو نجم قرن للشيطان وفغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ويخمد لهبها بسيفه مكدوداً في ذات الله مجتهداً في أمر الله قريباً من رسول الله سيداً في أولياء الله مشمراً ناصحاً مجدّاً كادحاً ….. الخ “[۹]. ولولاه لما قام عمود الإسلام وما اخضر عوده ، ولولا حسامه ما كمل الدين ولا تنشبت عروقه. فهو العصا الموجه بها في جميع حاجات الرسول ومأربه والناهض المكافح الناطح الساعي المجد في عامة مطالبه. فحق له عليه السلام إذا قال : ” أنا عصا موسى ” ، ومثل هذه الآية العظمى والمعجزة الكبرى لا تليق إلا لمثل ذلك النور الأتم والتجلي الأعظم ، الرسول الأكبر وخير كافة الخلق والبشر صلى الله عليه وعلى عصاه وآلهما الطيبين الطاهرين.

وأما الحجر في تأويل الآية فهي سيدتنا الزهراء والصدِّيقة الكبرى التي على معرفتها دارت القرون الأولى كما في أمالي الشيخ عن الصادق عليه السلام [۱۰]. وكما أن ذلك الحجر نزل من الجنة كما مرَّ في الرواية عن إمامنا الباقر عليه السلام. فكذلك هذه السيدة الطاهرة كان نورها مودعاً في شجرة من أشجار الجنة. كما عن عيون المعجزات. فلما دخل والدها رسول الله الجنة أُوحي إليه أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدرها في لهواتك فخلقت من ذك النور.

ولما أراد الله سبحانه نجاة الخلق من تيه الضلال وترويهم من آداب المعرفة والكمال ورزقهم من فنون العلم ، وكل فيض كوني وشرعي دنيوي وأخروي. أوحى الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله أن اضرب بعصاك الحجر ، أي زوج النور من النور. فنهض ممتثلاً بأمر الله قائماً بوظائف ذلك الازدواج مهتماً لما قدَّر الله منهما من عظيم النتاج. حيث قال تعالى : ( مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ) [۱۱] إلى قوله تعالى : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) [۱۲].

بعدما جرى في الملأ الأعلى والعالم العلوي من الله سبحانه في هذا الزواج من الاهتمام وعظيم الاعتناء بما لم يجر لأحد من الأولين والآخرين من إجراء الله عز وجل عقد المزاوجة بنفسه جل وعلا. وخطبة راحيل عنه سبحانه في البيت المعمور في جمع من أهل السماوات وترجمة جبرائيل أيضاً عن الله جل وعلا بنظير تلك الخطبة وتزيين الجنان بأمر خازنها رضوان ونثار الياقوت والمرجان وجعل المهر والنحلة ربع الدنيا وأنهارها الأربعة العظمى وجنة المأوى والشفاعة الكبرى تُدخل الجنة من شاءت من مواليها والنار من معاديها. وكل ذلك مقتضى الروايات الكثيرة وغير ذلك من عنايات الله تعالى وكرامته على هذه البضعة المباركة التي هي الحجر المكرم لتلك العصا وهي الأرض المقدسة البيضاء لسماء الولاية الكبرى. فلا موقع لتلك العصا إلا هذا الحجر كما أنه ليس لهذا الحجر قرين إلا تلك العصا.

وأما تأويل العيون في الآية فهي الأئمة الاثني عشر المنبجسة من الحجر المعنوي المتشعبة من تلك الأرض النقية النوراء ، وهم الهداة للخلق والدعاة إلى الحق. كل في زمانه وأيامه على حسب الظاهر ، وفي جميع الأزمنة والدهور باطناً وواقعاً ما عرف أحد ربه وما علم الناس بل وكل الخلق على طبقاتهم مشربهم إلا بهم وبواسطتهم ، وما وصل لأحد من خير أو فيض أو علم إلا منهم وعنهم وبهم. فهم أصل كل خير في جميع العوالم كما في نص الزيارة الجامعة. ومبدأ كل فيض ومعرفة لعامة الخلق من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين جميعاً إلا سيدهم محمد صلى الله عليه وآله ، وكل طبقة من المخلوقات يتلقّى الفيض عنهم عليهم السلام من الله تبارك وتعالى ، وكل أحد على مقدار إقباله وسؤاله ينال من فضلهم وجودهم ، وهذا تأويل قوله سبحانه : (فسألت أودية بقدرها ) [۱۳]. فهم العيون المتفجرة العذبة لما سوى الله على مراتبهم ودرجاتهم من سلسلة الموجودات. فخذها قصيرة من طويلة.

وهذا التأويل المذكور للعصا والحجر والعيون مستفاد من بيانهم وتفسيرهم. وعليك بكتاب ( صحيفة الأبرار ) في الصفحة (۱۵۰) الحديث التاسع من الجزء الثاني حيث قال : وفيه أي في كتاب الحسين ابن حمدان مسنداً إلى جابر الجعفي . قال :

قال سيدي الباقر محمد بن علي عليهما السلام في قول الله عز وجل : ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتى عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) [۱۴] ، قال عليه السلام : ” إن قوم موسى لما شكوا الجدب والعطش استسقوا بموسى فاستسقى لهم فسمعت ما قال الله لهم ومثل ذلك قال المؤمنون إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له : يا رسول الله تعرفنا من الأئمة من بعدك فما مضى نبي إلا وله وصي وأئمة من بعده ، وقد علمنا أن عليّاً وصيك. فمن الأئمة من بعده. فأوحى الله إليه أني قد زوجت عليّاً بفاطمة في سمائي تحت ظل عرشي وجعلت جبرائيل خطيباً لها وميكائيل وكيلها وإسرافيل القابل عن علي وأمرت شجرة طوبى فنثرت عليهم اللؤلؤ الرطب والدر والياقوت والزبرجد الأحمر والأصفر والأخضر ومناشير مخطوطة بالنور فيها أمان الملائكة من سخطي وعذابي فنثار فاطمة تلك المناشير في أيدي الملائكة يفتخرون إلى يوم القيامة ، وجعلت نحلتها من علي ونحلتها عني خمُس الدنيا وثلثي الجنة وجعلت نحلتها في الأرض أربعة أنهار الفرات ونيل مصر وسيحان وجيحان. فزوجها أنت يا محمد بخمسمائة درهم تكون أسوة بها لأمِّتك بابنتك. فإذا زوجت فاطمة من علي فعلي العصا وفاطمة الحجر يخرج منها أحد عشر إماماً من صلب علي يتم أثني عشر إماماً لعلي حياة لأمتك تهتدي كل أمة بإمامها في زمنه ويعلم كل قوم مشربهم كما علم قوم موسى مشربهم فهذا تأويل هذه الآية وكان بين تزويج علي بفاطمة في السماء وتزويجها في الأرض أربعون يوماً ” انتهى الحديث الشريف.

فقد صرح الإمام عليه السلام بأن العصا علي والحجر فاطمة والعيون الأئمة الاثني عشر.

فإن قلت : إذا كان العصا هو أمير المؤمنين والحجر فاطمة الزهراء والذين تولدوا منهما هم أحد عشر إماماً فأين الاثنتي عشرة عيناً ؟ فإن عدّ علي من العيون لتكميل الاثنتي عشرة فأين العصا ؟ ومن تكون هي ؟ والمفروض أنه هو العصا.

قلت : إن أمير المؤمنين مقامين ورتبتين :

مقام به يختص ولا يشاركه أحد من الأئمة ولا غيرهم من الأنبياء والأوصياء ، وهو مقام كونه أصلاً للتفاصيل ومقام كونه سيد الأوصياء وأميرهم يميرهم العلم ميراً. فلذا لا يجوز لغيره أن يُقال له أمير المؤمنين لأن المؤمنين الحقيقيين هم الأئمة أولاده الطاهرون. فلا يكون غيره أميراً لهم. ففي هذا المقام هو سلام الله عليه عصا لا غير ولا يشاركه غيره.

والمقام الثاني مقام كونه إماماً للخلق كسائر الأئمة وهادياً لهم تنتفع الخلق منه كما تنتفع منهم ، ويأخذون أحكامهم ومعالم دينهم منه كما يأخذون من باقي الأوصياء ، ويهتدون بنوره وعلومه كما يهتدون بنور سائر الأئمة وعلومهم ، ويعرفون به ربهم وخالقهم كما يعرفون بأولاده المعصومين. ففي هذا المقام يكون علي عليه السلام مساوياً مع أولاده الأئمة عليهم السلام في سد احتياج الخلق وكفاية أمورهم وهدايتهم ودعوتهم إلى الله تعالى ، وإن كان أفضلهم وسيدهم فهو حينئذ عين من العيون وقائد من القادة وسيد من السادة. يشارك الأئمة في وظيفتهم ولباسهم بخلاف مقام كونه عصا ، فإنه مقام يمتاز به ويختص له ولا يشاركه أحد فيه بوجه ، وهو سلام الله عليه في مقام كونه عصا غير مقام كونه عيناً من العيون. فلا ينافي أنه مع كونه عصا في المقام الأول يكون مكمِّلاً لعدد العيون الاثنتي عشرة في المقام الثاني ، فهو من جهة عصا ومن جهة عين من العيون. فارتفع الإشكال بحول الله فخذها وكن من الشاكرين.

ونظيره في هذا الإشكال والجواب عنه الحديث المعروف ” أن نبينا محمد صلى الله عليه وآله لما سبح في البحور الاثنى عشر ثم إلى تمام العشرين وتمت سبحانه في هذه الأبحر قطرت منه مائة ألف قطرة وأربع وعشرون ألف قطرة فخلق الله تعالى من كل قطرة نبياً من الأنبياء فصارت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ” [۱۵] نقلت الحديث بالمعنى وهو معروف مشهور.

وجه الإشكال أن تكميل الأنبياء بذلك العدد إنما يكون بنبينا محمد صلى الله عليه وآله. فهم به يبلغون ذلك العدد لا غير ، والحال أن الظاهر من هذا الحديث أن ذلك العدد خُلِقوا من قطراته فيكون هو غيرهم ، لأن القطرات غير المقطور منه ، فإما أن يكون عدد الأنبياء زائداً على ذلك العدد ، أي يكون عدتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً وواحداً بنبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وهو خلاف المتفق عليه بين المسلمين ، وإما أن تكون القطرات ناقصة بقطرة واحدة حتى يكون بنبينا مكملاً لعدتهم ، وهو خلاف ظاهر الحديث في عددها.

وبعبارة أخرى إن القطرات غير المقطور منه ونبيّنا يكون من عداد الأنبياء بتلك العدة ، فكيف يكون من عدتهم وهو أصل القطرات وعلَّتها ؟ ، فإما أن يكون نبينا من عداد القطرات ومكمل أعدادها ، فكيف يكون مقطوراً منه ؟ ، وإما يكون مقطوراً منه فلا يكون من عداد تلك القطرات ، فكيف تكون عدتها مائة ألف وأربعاً وعشرين ألفاً ، بل ينبغي أن تكون ناقصة بقطرة واحدة حتى يبلغ عدتهم بنبينا إلى ذلك العدد ، وإلا فمع نبينا يزيد على عدتهم بواحدة وهو خلاف المتفق عليه من العدد ويكون نبينا قطرة ومقطوراً منه وهو واحد أي علة ومعلولاً مؤثراً وأثراً وهذا غير معقول.

والجواب يظهر مما حققناه في العصا والعيون ومجمله أن لنبينا صلى الله عليه وآله حالتين :

الحالة الأولى : هو فيها علة الخلق جميعاً وواسطة بين الله والأنبياء وهو طراً مخلوقون من أشعة نوره. إذ كان صلى الله عليه وآله سراجاً منيراً لعالم الإمكان والأكوان لا سراج هناك غيره وهو قوله تعالى : ( إنا أرسلناك شاهداًً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً )[۱۶] ، فهو وقتئذ هو السراج وحده لا سراج غيره. فتكون الأنبياء أشعة له ومعلولين لوجوده ومستضيئين كالكواكب من شمس حقيقته.

والحالة الثانية : أنه يلبس بأمر الله لباس النبوّة فيصير كأحد الأنبياء. أرسله الله تعالى لهداية البشر وإنقاذهم من حيرة الضلالة وعبادة الأوثان والدعوة إلى الله سبحانه وتكميل آدابهم وتتميم محاسن أخلاقهم كما أرسل سائر الأنبياء وأوحى إليه كما أوحى إليهم وصدّقه بالمعجزات وخوارق العادات كما صدقهم. فهو في هذا المقام واحد منهم بيد أنه خاتمهم لما كان سيدهم وأفضلهم فلذا كان يقول : ” أخي إبراهيم وأخي موسى وأخي عيسى ” لجهة المماثلة في لباس النبوة كما كان يقول : ” أخي جبرائيل ” مع أنه خادمهم وخادم شيعتهم والعبد والخادم لا يكونان أخوين للمولى والسيد ، وحاشا ثم حاشا ، والأخوة تستدعي المساواة والمماثلة ، وذلك لما لبس في عالم الأنوار لباس الأملاك. فعلمهم التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ومعرفة الرب وعبادته. فصار بذلك اللباس أخاً لهم ، وكما أن أمير المؤمنين أمر ابنه الحسن قائلاً :” امض إلى عمِّك الأسود المقطوعة يده وائتني به ” . فصار الأسود عماً للإمام لما تلبّس من المحبة والولاء والإيمان ، وكما أنه عليه السلام أيضاً أمر جويرية وقال : ” كن مع أخيك الأسد حتى تدفنه “. وكيف يكون الحيوان أخاً للإنسان ؟ ، وليس إلا لمماثلته معه في الإقرار بولايته والثبات والاستقامة ، فأخوّة الأنبياء لنبينا صلى الله عليه وآله كأخوّة الملائكة المقرَّبين له ليست إلا لتنزّله إلى مقامهم وتلبّسه بلباسهم في عالمهم ، وإلا فهم صلى الله عليه وآله لا مثل له ولا نظير أبداً ، وليس له أخ حقيقي إلا وصيه وابن عمه أمير المؤمنين عليه السلام لا غير. فهو الذي كان نظيره ومثله في كل شيء إلا النبوة. فلذا اختصه لنفسه يوم المؤاخاة واختاره أخاً. وما كانت تلك إلا مؤاخاة سماوية حقيقية تكشف عن الحقائق وتنطق عن رتب الخلائق. وكيف لا يكون أخاً حقيقياً له وقد حكم الله سبحانه في آية المباهلة أنه نفسه في قوله تعالى : ( وأنفسنا وأنفسكم ) [ ۱۷] ، وليس إلا لإتحاده معه في الصفات والشرف والرتبة والعلم والمعرفة.

والحاصل أن نبينا صلى الله عليه وآله لما لبس لباس النبوَّة صار واحداً منهم ومن جملتهم ومكمِّلاً لعددهم ، وإن كان أفضلهم وأشرفهم ، وإن كانت أيضاً نبوّة عامة كلية ونبوّة سائر الأنبياء بالنسبة إلى نبوّته خاصة جزئية. فهذا اللباس يعد قطرة من قطراته ورشحة من رشحاته ، وبهذا اللحاظ صار معدوداً من سلسلتهم ومحسوباً من عدادهم وواحداً من عددهم. بخلافه على اللحاظ الأول فإنه بذلك اللحاظ علّة لهم وواسطة بينهم وبين بارئهم وشفيع لهم وصراطهم إلى الحق وبابهم للفيض الكوني والشرعي. فإذا أتقنت ذلك كله عرفت أن الأنبياء عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ونبينا من ذلك العدد وداخل فيهم بلباس النبوّة وهو مع ذلك لم يخل مقامه من كونه أصلاً للقطرات والرشحات. كما هو مقتضى الحديث المذكور ، ولا يتوجه عليه أي إشكال ولا بعض سؤال فافهم واغتنم. فإنك لا تجد نحو هذا البيان والتحقيق إلا ممن شرِب من العين الصافية التي لا كدر فيها ولا ملوحه ولا مجاج وذاق من الحكمة التي لا خلل فيها ولا اعوجاج.

ــــــــــــ

[۱] كتاب الكلمات المحكلمات – الرسالة الخامسة – في الإجابة عن مسائل متنوعة

[۲] سورة البقرة ، الآية : ۶۰

[۳] سورة البقرة ، الآية : ۶۰

[۴] سورة الرحمن , الآية : ۱۹

[۵] تفسير الصافي ج۱ ص۱۲۱

[۶] نفسير الصافي ج۱ ص۱۲۲

[۷] سورة البقرة ، الآية : ۶۰

[۸] سورة البقرة ، الآية : ۶۰

[۹] الاحتجاج ص۱۰۰

[۱۰] الآمال للشيخ الطوسي ص۶۶۸ ح۱۳۸۸ وكتاب البحار ج۴۳ ص۱۰۵ ح۱۹

[۱۱] سورة الرحمن ، الآيتين ۱۹-۲۰

[۱۲] سورة الرحمن , الآية : ۲۲

[۱۳] سورة الرعد , الآية : ۱۷ .

[۱۴] سورة البقرة ، الآية : ۶۰

[۱۵] البحار ج۱۱ ص۲۱ وج۳۰ ص۳۰

[۱۶] سورة الأحزاب , الآية : ۴۵-۴۶

[۱۷] سورة آل عمران ، الآية : ۶۱ .

الكاتب: الميرزا علي الحائري