فلسفة-أُمية-النبي

فلسفة أُمية النبي(ص)

لقد وقف المجتمع الجاهلي والأُميّ موقف المتحيّر والمتعجّب أمام المعجزة الخالدة والآية العظمى للرسول الأكرم«القرآن الكريم»، لأنّهم لم يكونوا يصدقون أنّ اللّه سبحانه وتعالى سيوحي إلى إنسان منهم بذلك الكتاب العظيم، وتلك الرسالة الباهرة التي يرشدهم فيها الرسول إلى الهدى ويحذرهم من طريق الضلال والانحراف، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية المباركة التالية:

( أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ… ) .( ١)

ولذلك سعى المجتمع الجاهلي لتوجيه تلك المعجزة الخالدة «القرآن الكريم» بصورة يفصلها عن عالم الغيب وعالم التعليم والهداية الإلهية ولقد ذكروا في هذا المجال العديد من التفسيرات والتحليلات الواهية النابعة من وهمهم وخيالهم الواهي.

وقد أشار القرآن الكريم إلى نماذج من تلك الخيالات الواهية والأفكار الساذجة في عدد من الآيات نشير إلى بعضها قال تعالى: ( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَريهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْماً وَ زُوراً ) .( ٢)

وقال تعالى أيضاً حاكياً تلك الخيالات الباطلة: ( وَقالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً ) .(٣)

ففي هاتين الآيتين إشارة إلى نوعين من التهم التي أُلصقت بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي :

1- انّ هذا الكتاب (القرآن) لم يكن من لدنه سبحانه وانّما هو من اختراعات النبي وتنظيمه ونسبته إلى اللّه، وقد أعانه على ذلك العمل قوم آخرون ( إِنْ هذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَريهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) .

2-إنّ هذا الكتاب (القرآن) إنّما هو في الواقع من إملاءات أصحاب الكتب السماوية السابقة حيث كان أحبار اليهود وقساوسة النصارى ـ حسب هذه التهمة ـ يملون على النبي أفكارهم بكرة وأصيلاً، وبالنتيجة فإنّ هذا الكتاب لا يمثل عملية الوحي والبعث من قبل اللّه للنبي الأكرم.

إنّ هذه الآيات وغيرها من الآيات الأُخرى المشابهة لها تحكي لنا سعي مشركي مكة وجهودهم الحثيثة في تصوير القرآن بأنّه نتاج عقل الرسول وانّه مترشح من ذهنيته وخياله (صلى الله عليه وآله وسلم) والسعي لإقناع الآخرين بتلك التهم الواهية التي ألصقوها بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن تلك التهم أنّه استعان في تنظيم القرآن بالكهنة و…

أو انّ القرآن مأخوذ من العهدين وغيرهما من الكتب.

ولقد تصدى القرآن الكريم للردّ على تلك التهم الواهية والأكاذيب الباطلة وبيّن زيفها وركاكتها بصورة إجمالية.

حيث قال سبحانه: ( قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحيماً ) .( ٤)

إلاّ أن القرآن و في سورة العنكبوت قد تصدّى للردّ على هذه الأفكار السقيمة بصورة مفصّلة وبضرس قاطع حيث خاطب اللّه النبي الأكرم بقوله سبحانه: ( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) .( ٥)

فلو كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في فترة صباه قد تعلّم القراءة والكتابة وأنّه قد سعى إلى الكتاتيب ودور التعليم كباقي الصبية الذين حضروا تلك الدروس وتعلّموا القراءة والكتابة، فهل ياترى يكون بإمكانه أن يصرح بعد نزول الوحي عليه وفي مجتمع يعرف كلّ خصوصياته بهذه الآية التي تنفي عنه القراءة والكتابة ويناديهم وبصوت عال أيّها الناس أنّكم تعلمون أنّني لم أقرأ ولم أكتب أبداً، فكيف جاز لكم أن تنسبوا مضامين آيات القرآن الكريم إلى الكتب الأُخرى؟!

لا ريب أنّ المتكلّم عندما يقول :«ما جاءني من أحد» فإنّ لفظة «من» زائدة جيء بها لتأكيد عموم النفي بمعنى أنّه لم يأت إليه أيُّ إنسان أبداً، وأمّا إذا قال: «ما جاءني أحدٌ» ففي هذه الجملة من الممكن أنّه قد جاءه شخص أو شخصان إلاّ أنّ المتكلّم ـ ومن باب المسامحة ـ لم يحسب هذا المجيء، ولذلك تقوم العرب ولنفي هذا الاحتمال وتأكيده بوضع كلمة «من» قبل الشيء المنفي فتقول «ما جاءني من أحد».

ومن الواضح أنّ الآية الكريمة جاءت مطابقة لتلك القاعدة البلاغية حيث استعملت كلمة «من» في قوله تعالى: ( ما كنت تتلوا من قبله من كتاب ) لتأكيد عمومية وشمولية النفي بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقرأ ولم يكتب أيّ كتاب كان.

فالخلاصة انّ من قواعد اللغة العربية انّ النكرة إذا وقعت في سياق النفي تدلّ على العموم والشمول خاصة إذا اقترنت بـ «من» كما في الآية المذكورة: ( ما كنت تتلوا من كتاب ) .

ولم يكتف القرآن الكريم بهذه الآية في ردّ هذه الأفكار الواهية، بل نجده في آية أُخرى يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يخاطب العرب ويذكرهم بتاريخ حياته وانّه قد لبث فيهم عمراً يناهز الأربعين، وأنّهم يعرفون جيداً انّه لم يقرأ كتاباً ولم يخط صحيفة، فكيف جاز لكم رميي بالإفك الشائن وتطلبون مني أن أُبدّل القرآن، حيث قال تعالى: ( قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْريكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .( ٦)

بمعنى: إذا كنتم تعتقدون انّ القرآن نتاج فكري الخاص وترشحات ذهني وأنّني قد قمت بذلك العمل في ظلّ الاستفادة من القراءة والكتابة والاتّصال بالعلماء والمفكّرين من الأديان الأُخرى ولذلك أراكم الآن تطلبون مني أن أُبدّل هذا القرآن بكتاب آخر، فمن الحريّ بكم أن تلقوا نظرة إلى تاريخ حياتي لتعرفوا هل أملك هذه القدرة سابقاً، وممّا لا ريب فيه أنّني لو كنت أملك ذلك لذكرت الكثير من تلك المعاني والمضامين قبل البعثة في مجالسكم ونواديكم، إذ لبثت فيكم قبل ذلك أربعين سنة ولكنّكم لم تجدوا شيئاً من ذلك أبداً فلماذا كلّ ذلك التفكير الخاطئ(أفلا تعقلون)؟!

من هنا يتّضح جليّاً انّ النبي الأكرم ـ ولسلسلة من المصالح الاجتماعية ـ لم يكن قبل البعثة يعرف القراءة والكتابة وانّه كان رجلاً أُميّاً لم يتعلم عند أحد من الناس، وكذلك لم يتعلم القراءة والكتابة عن طريق الغيب، لأنّه لو كان يعرف القراءة والكتابة من خلال الغيب مثلاً لما خاطبه القرآن الكريم ووصفه بـ«الأُميّ»، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لو كان قد تعلّم القراءة والكتابة ـ وإن كان عن طريق الغيب ـ فإنّه قد تحوّل حينئذ من الحالة التي كان عليها حين ولادته إلى حالة أُخرى تختلف عنها، والحال انّنا نجد انّ القرآن الكريم يقول له: إنّك ما زلت على الحالة التي أنت عليها حين ولدتك أُمّك من ناحية القراءة والكتابة وانّك «أُمّيّ».(٧)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- يونس: 2.

2- الفرقان: 4.

3- الفرقان: 5.

4- الفرقان: 6.

5- العنكبوت: 48.

6- يونس: 16.

7- منشور جاويد: 7 /248ـ 260.

الکاتب: الشيخ جعفر السبحاني