فلسفة العقوبات في الفقه الأمامي

فلسفة العقوبات في النظرية الإمامية

لا شك ان فكرة ( العقوبة ) تستخدم في معان مختلفة ، فقد تعاقب الدولة الجاني على ارتكابه الجناية وقد يعاقب الأب ابنه عقابا تأديبيا وقد يعاقب البطل الرياضي خصمه على حلبة الصراع الا ان الفرق بين هذه الأنواع من العقوبات يشابه الفرق ما بين الحقيقة والمجاز ، لان العقوبة الحقيقية لها صفات وخصائص متميزة تختلف عن مفردات السلوك الأبوي أو الرياضي ولعل اهم صفات العقوبة الحقيقية هي انها يجب ان تجلب على المعاقب وضعا بغيضا بالفرض ، ومن الواضح فاننا عندما نتحدث عن فلسفة ( العقوبة ) في النظرية .

فاننا نتحدث عن العقوبة بمعناها الحقيقي لا العقوبة المجازية التي ينفذها الأب تجاه ولده أو الرياضي تجاه خصمه .

ان الاهتمام الفلسفي بفكرة ( العقوبة ) نبع أساسا من تفتيش الفلاسفة عن تبرير أخلاقي لتلك العملية الإكراهية فعرضوا السؤال التالي : هل يجوز أخلاقيا إنزال الاذى والحرمان بفرد آخر ارتكب جرما معينا ؟ وبصيغة أخرى كيف نبرر أخلاقيا إنزال عقوبة جسدية أو معنوية بفرد كان قد ارتكب جناية قد انقضت وأسدل عليها الستار ؟ وهل هناك مبرر أخلاقي بإنزال العقاب بأحد الجناة بدعوى ان تلك العقوبة ستكون وسيلة من وسائل ردع الاخرين عن ارتكاب جنايات مماثلة في المستقبل ، فيكون الجاني ضحية أخرى من ضحايا العقاب ؟ وهل يمكن تبرير العقوبة اذا كانت للفرد نية للقيام بارتكاب جناية في المستقبل ؟ ولو افترضنا جدلا ان الجناة يجب ان يعاقبوا ، فمن الذي يمتلك الحق في تشخيص حجم وشدة تلك العقوبة ؟ ان الأجوبة على هذه الأسئلة ستتوضح تدريجا عندما نتعرض بالنقد للمدارس الفلسفية العالمية حول فكرة ( العقوبة ) .

وتتلخص فلسفة ( العقوبة ) التي يحمل همها اغلب الفلاسفة المعاصرين بفكرة تحاول التقريب بين مبدأين أو مدرستين متعارضتين هما :

الأولى : ان الجاني يجب ان يعاقب على جنايته مهما كانت الظروف وتسمى بالمدرسة ( الجزائية ) .

والثانية : انه من الخطأ أخلاقيا إنزال المعاناة ( او العقوبة ) بفرد ما حتى لو كان جانيا ، وتسمى بالمدرسة ( النفعية ) فالمدرسة الفلسفية التي تبرر ( العقوبة ) النازلة بالجاني تزعم بان الجاني يجب ان يعاقب بغض النظر عن التفتيش عن اي تبرير مقنع لأخلاقية العقوبة ، حتى لو كانت تلك العقوبة منبثقة عن مؤسسة اجتماعية خاصة لإنزال الأذى والحرمان المتعمد بالفرد الذي ارتكب الجناية الا ان هذا التفكير هو الذي أثار الأسئلة الفلسفية المتعلقة بتبرير الأحكام الجزائية ودور الأفراد في صياغتها علما بان الفرد حتى لو كان عالما بالقضاء وأساليب حل الخصومات بين الأفراد لا يستطيع أخلاقيا ان يضع مجموعة من الأحكام الجزائية التي تنزل الأذى والحرمان ببقية الأفراد ، بل وحتى لو افترضنا ان هؤلاء الأفراد ارتكبوا مخالفات جنائية ضد النظام الاجتماعي وهذا الرأي يعكس أفكار المدرسة الفلسفية التي تؤمن بالمذهب النفعي .

وهاتان المدرستان الغربيتان ( الجزائية ) و( النفعية ) سيطرتا لمدة طويلة على الحقل الفلسفي المتعلق بنظام العقوبات فالمدرسة ( الجزائية ) أكدت فكرتي ( الذنب ) و( العقوبة التي يستحقها المذنب ) ، وادعت بان النظر الى الوراء لملاحظة الجريمة أو الجناية هو الذي يبرر العقوبة ، وأنكرت ان تكون للعقوبة منفعة ذاتية لاي طرف من الأطراف المتنازعة الا ان المدرسة ( النفعية ) لم تؤمن بهذا التبرير ، بل زعمت بان العقوبة يمكن تبريرها فقط اذا كانت الآثار الايجابية المتولدة عنها تفوق الاثار السلبية الناجمة عن انزال المعاناة والأذى بإنسان آخر ، وهو الجاني .

وقد كان من أعمدة المدرسة الجزائية الغربية فلاسفة ثلاثة هم : ( عمانوئيل كانت ) ، و( اي سي اوينك ) ، و( جي دبليو هيغل ) ، الذين زعموا بان العقوبة ما هي الا عملية أخلاقية بذاتها ف( كانت ) يصر على ان العقوبة يجب ان تكون متطابقة مع الجناية المرتكبة فالمذنب يجب ان يعاني من ذنبه ، والنظام الأخلاقي والعدالة الجنائية تتطلبان لونا من الوان العقوبة (۱) الا ان هذا الرأي لا يبرر العقوبة ،بقدر ما ينكر ان العقوبة تحتاج الى تبرير فقولنا ان شيئا ما صحيح او خير بذاته لا يحتاج الى تبرير بشروط القيم أو الدوافع الأخلاقية لشئ آخر بل ان قيمته الجوهرية تلحظ بالتبادر العقلي او بالحدس والبديهة الا ان الشكوك المثارة حول صلاحية العقوبة ومعاناة المذنب تفتح الأبواب لنقاش اوسع حول قضية الربط مابين الشر والمعاناة .

فاذا كانت العقوبة بابا من أبواب الشر ، فهل يمكن ان ندع الشرير أو الفرد المولع بإنزال الأذى بالاخرين ان يعيش متنعما بسلوكه على حساب الأخيار والضحايا في المجتمع ؟ كلا بالتاكيد ، وما وظيفة القانون الجنائي الا انزال العقاب بالجناة من اجل المحافظة على العدالة القضائية والحقوقية بين الأفراد .

الا ان ( اي سي اوينك ) آمن بانه لا يوجد سبب جوهري لإدانة الجناية عن طريق إنزال الأذى بالجناة ، ما لم تكن المنفعة المتحققة من انزال العقاب بالجناة نافعة على مستوى الجاني والضحية الى درجة تعلن لهم بان خرق القانون على الصعيد الأخلاقي يجب ان يواجهه المجتمع بطريقة تمنع حصوله مستقبلا (۲) وهذا التفكير يمثل مرحلة وسطية بين النظريتين الجزائية والنفعية فالعقوبة لها تبرير نفعي يتعلق باحترام القانون أو الشريعة بمعنى ان أخلاقية العقوبة تنبع من كونها عملية تدر نفعا لاحقا على النظام الاجتماعي .

اما ( جي دبليو هيغل ) فقد آمن بان العقوبة ضرورية لمحق وإبطال العمل الجنائي الذي ارتكبه الجاني وبتعبير آخر ، فان العقوبة لا تتحدد بإرجاع الملكية المسروقة أو تعويض الضحية ، بل تتعدى الى إنزال العقوبة الجسدية بالجاني (۳) لان الجاني قد اخل بقصد وتعمد بميزان النظام الأخلاقي في المجتمع ، ولا يمكن تصحيح ذلك الخلل الا بجعل الجاني يعاني من الالم جزاء عمله الإجرامي الذي ارتكبه وبتعبير ثالث ، لما كانت الجناية ابطالا للحق ، فان العقوبة إبطال لذلك الابطال ، ولذلك فانها حسب المنطق الديالكتيكي وسيلة الى ارجاع الحق الى نصابه .

والسؤال الفلسفي الذي يطرح غالبا على بساط البحث هو : هل ان العقوبة صممت من اجل استئصال الذنب أم من اجل استئصال المذنب نفسه ؟ والجواب على ذلك هو انه لاشك ان العقوبة انما جاءت لاستئصال المذنب نفسه لان الدافع الشرير نحو ارتكاب الجرم والشخصية المنحلة هما أهم شرطين من شروط ارتكاب الذنب وهذان الشرطان محلهما شخصية المذنب ذاتها اما المسؤولية الجنائية فهي ليست الا جزاء من الاطار العام للذنب الذي يحدده القانون وما وظيفة الدولة الا معاقبة الذين يخرقون القانون أو ينتهكون حرمة الشريعة بحيث يعرضون المصلحة العامة للخطر ويزعزعون سلامة النظام الاجتماعي الا ان القانون وما يتبعه من عقوبات لا ينظر الى الأفراد باعتبار نواياهم الداخلية فالفرد الذي يتجنب ارتكاب الجناية خشية العقوبة الجسدية ، والفرد الذي يتجنب ارتكاب الجناية ناظرا قربه من الكمال الإلهي ، سيان في المرآة القضائية الدنيوية الا ان التقييم الالهي لهذين الفردين يختلف عما عليه القضاء والمحاسبة الدنيوية .

ولذلك ، فان بعض المخالفات مع خطورتها لا تعاقب عليها الشريعة في حياتنا الدنيوية فلا يوجد في الشريعة عقاب منصوص ثابت تجاه ( الكذب ) في عموم الموارد مثلا ، بينما هناك عقوبة منصوصة ثابتة تجاه ( القذف ) وهي ثمانون جلدة مع ان الكذب قد يسبب آثارا سلبية كبيرة على الأفراد قد تصل الى حجم القذف الا ان ممارسة عملية ( الكذب ) مرتبطة بالنظام الأخلاقي ، في حين ان ممارسة عملية ( القذف ) مرتبطة بالنظام الاجتماعي وقد ترك الاسلام جملة من القضايا الأخلاقية الى التربية الدينية والتهذيب الذاتي والجزاء أو الثواب الإلهي في الآخرة ، في حين حدد العقوبات الجسدية في القضايا والمشاكل الاجتماعية التي تهدد النظام الاجتماعي العام .

ان العلاقة بين الفلسفة الأخلاقية للمجتمع وبين العقوبة الجسدية مشخصة في الشريعة في مواقع محددة ، وأهمها الجرائم الخلقية المتعلقة بالانحرافات السلوكية الجنسية كالزنا واللواط والسحق والقيادة والانحرافات السلوكية الأخرى كالقذف وتناول المسكر الا ان الفلسفة الأخلاقية الاجتماعية لا تتوقف عند هذه الانحرافات فحسب ، بل تتناول كل الجوانب السلوكية للفرد على النطاقين الذاتي والاجتماعي فالغيبة ، والكذب ، والاحتيال على دفع الحقوق الشرعية الخاصة بالفقراء او اساءة استخدامها ، والتهاون في اداء الواجبات مثلا تقع كلها تحت عنوان الانحرافات الأخلاقية التي لا تردعها الا الرقابة الذاتية للفرد ، لان العقوبة الجسدية لا تنفذ في هذه الموارد وما التأنيب الذاتي الذي يقوم به الفرد الذي آمن بخطورة هذه الانحرافات الأخلاقية الا عقوبة تربوية تساهم في تربية ذلك الإنسان على ممارسة النقد الأخلاقي الذاتي فكما ان العقوبة التي تستخدمها ( العائلة ) أو ( المدرسة ) في معاقبة أعضائها ترمي الى هدف تربوي أخلاقي ، كذلك العقوبة الذاتية الناتجة عن تانيب الضمير الديني لدى الفرد عند ارتكابه عملا منافيا للاخلاق السماوية .

ولاشك ان تنفيذ العقوبة الجسدية يؤكد احترام المجتمع للاطار الشرعي والأخلاقي الذي آمنت به الغالبية الساحقة من الأفراد ، لان الجناية تحاول بطريق مباشر أو غير مباشر تحطيم ذلك الاطار الشرعي أو الأخلاقي فنحن لا نستطيع ان نثني الجناة عن ارتكاب جناياتهم الا بإنزال العقوبات المنصوصة بحقهم .

الا ان رواد المذهب النفعي الأوروبي وعلى راسهم الفيلسوف ( جيرمي بنثام ) آمنوا بان جميع العقوبات انما هي أعمال مزعجة ومثيرة ، وما هي الا نزوع إنساني نحو تسليط الاذى والحرمان على الاخرين وحتى لو افترضنا بقبول بعض العقوبات ، فاننا يجب ان نطرد عن أذهاننا التفكير بالعقوبات (۴) ويقدم ( جيرمي بنثام ) اقتراحا فلسفيا يقضي باصلاح الجناة عن طريق معين وهو إدخالهم السجون أو نفيهم من اوطانهم على شرط ان لا تتجاوز هذه العقوبة الإصلاحية جوهر الشر الذي أدى الى إنزال الأذى بالضحية ولكن اذا كانت العقوبة النازلة بالجاني قد تجاوزت الاذى الذي الحقه بالضحية أصبحت العقوبة عندئذ قضية ظالمة لا يمكن تبريرها .

الا ان النقد الموجه الى نظرية ( جيرمي بنثام ) هو انه كيف يمكننا ان نجعل المتهم البري اذا اقتنع الأفراد بارتكابه الذنب أداة للردع تماما كما كان المذنب الحقيقي اداة لذلك ؟ واذا افترضنا ان العقوبة انما جاءت لإصلاح الجناة ، فلماذا لا تستخدم قبل ارتكاب الجناية لا بعدها ؟ .

ويبدو من ظاهر هذه النظرية ان ( جيرمي بنثام ) يقع في خطأ أساسي وهو الاشتباه في تمييز شروط العقوبة التي تتكون من ثلاثة عناصر ، وهي :

أولا : ان العقوبة لا تنزل بالجاني ما لم تحصل الجناية .

ثانيا : ان العقوبة يجب ان تطال الجاني نفسه لانه يستحقها .

ثالثا : ان الجاني يستحق العقوبة طبقا لشدة الجناية التي ارتكبها والا ، فان السجن قد يجمع الجاني الذي ارتكب جنحة بسيطة مع الجاني الذي ارتكب أعظم الجنايات فكيف تكون تلك العقوبة ردعية مع انها لا تحقق الحد الأدنى من الردع ؟ .

ان النظريات الفلسفية الغربية التي واجهت منطقا قرآنيا فريدا في نقاشها ضد نظام العقوبات في الاسلام ، عدلت عن ارائها السابقة فيما يتعلق بالعقوبات الجنائية التي ذكرها القرآن المجيد بعد ان هزمتها الفكرة القائلة : ( ان شدة العقوبة يجب ان تتطابق مع حجم الجناية ) الا انها بدأت تناقش قضية التعزير أو الارش وبدأت تتسال : كيف يمكن ان نحدد عقوبة مناسبة لمخالفة مثل شهادة الزور ؟ وهل يحق لنا ان نضع قائمة بالمخالفات وما يقابلها من عقوبات مفترضة ؟ واذا تم ذلك ، افتراضا ، فكيف نستطيع بعدالة واقعية ان ننزل اذى مقدر التلك المخالفة ؟ وهل يمكن ان نحدد بدقة معاناة الضحية بحيث نستطيع ان نوجد مقدارا عادلا من العقاب حتى ننزله بالجاني ؟ ولاشك ان الجواب على هذه التساؤلات ينبع من كون ان المقننين الاسلاميين في الدولة الشرعية يمتلكون ، نظريا ، اعلى مستوى من العلوم الشرعية والعقلية والاجتماعية كي يستطيعوا ان يضعوا ميزانا أخلاقيا للعقوبات المصممة عن طريق التعزير ، أو الارش الذي تقدره ( الحكومة ) أو الخبراء فلابد من ان يكون هؤلاء المقننون مجتهدين ، ولديهم القدرة العقلية على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية وملء منطقة الفراغ التي تركتها الشريعة لهم الا انه يجب ان لا يغيب عن بالنا بان درجة العقوبة التعزيرية تتناسب مع خطورة المخالفة المرتكبة .

وهنا يبرز سؤال خطير آخر وهو : ما الذي يجعل إحدى المخالفات اخطر على الصعيد الأخلاقي من المخالفات الأخرى ؟ والجواب على ذلك ان الارتكاز العرفي وبناء العقلاء يستطيعان تحديد المقياس الأخلاقي للمخالفات وفي ضؤ ذلك المقياس تتحدد العقوبات التعزيرية من قبل المجتهد أو المقنن الإسلامي وهذه العقوبات التعزيرية ليست بالضرورة عقوبات ردعية ، لان بعض المخالفين لا يرتدعون باي شكل من اشكال العقوبات ، بل انها عقوبات جزائية محضة .

الا ان الردع في الاسلام على افتراض تحققه في نظام العقوبات لا يأخذ شكل المعاناة الإضافية التي ينزلها النظام القضائي وأدواته التنفيذية بالجاني بل ان الردع في النظرية الاسلامية يعكس فكرة تساوي الألم والمعاناة اللذين انزلهما الجاني او المخالف بالضحية مع الالم والمعاناة اللذين ينزلهما النظام القضائي بذلك الجاني او ذاك المخالف وهذه هي أصل فكرة ( القصاص ) في الاسلام فان في القصاص ، بالإضافة الى جانبه الردعي المفترض ، عدالة واقعية عظيمة بحيث ان المقتص لا يجوز له التعدي في اي حال من الأحوال واذا تم التعدي فعلى المتعدي دفع قيمة الأضرار الناجمة عن ذلك التعدي وهذا الأصل المنبثق عن فكرة ( القصاص ) يطبق ايضا في التعزير او الارش ، لان اي تعد يقوم به النظام القضائي ضد المخالف ينبغي ان يدفع عوضه لذلك المخالف .

ولاشك ان العقوبة قضية مؤسفة لا يتمتع اي فرد بمشاهدة تنفيذها وهي تلحق فردا آخر الا ان الجناية أو المخالفة لا تصحح بمجرد التهديد أو الوعيد ، بل يحتاج ذلك التصحيح الى نظام تنفيذي جبار يقوم بانزال الاذى المماثل بالجاني الذي ارتكب مخالفته بتعمد وعن قصد مسبق ومن البديهي فان إنزال العقوبة بالجاني ، أو قل انزال الاذى بالجاني الذي انزل اذى مماثلا بالضحية ، يقلل مستقبلا من المعاناة الجمعية التي ينزلها الافراد بعضهم ببعض ، لان العقوبة النازلة بالجناة ستقلل الى ادنى حد الجرائم والجنايات المتوقع حصولها فيما اذالم يطبق ذلك النظام الصارم في العقوبات .

ويمكننا الان ، بعد دراسة المدارس الفلسفية الخاصة بفكرة ( العقوبات ) ، ان نضع بعض الحقائق الخاصة ب ( العقوبات ) في النظرية الاسلامية طبقا لمذهب اهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) ، هذه النظرية التي ترى ان انزال العقوبة بالجاني قضية أخلاقية لا تحتاج الى تبرير .

الحقيقة الأولى

ان شدة العقوبة في النظرية الاسلامية تتطابق تماما مع فظاعة الجريمة ففي الجنايات المتعمدة المتعلقة بالنفس الانسانية يتعين القصاص ، وفي جرائم الملكية باستثناء الغصب يتعين القطع ، وفي الجرائم الخلقية يتعين الجلد او الرجم او الحرق ، وفي المحاربة يتعين القتل فنحن لا نستطيع ان ننظر الى العقوبة بشكل مجرد ما لم ناخذ حجم الجناية وتاثيرها الاجتماعي بنظر الاعتبار ولاشك ان القاعدة القرآنية في العقوبات : ( ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب لعلكم تتقون ) (۵) ، ( وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص ) (۶) ، هي الاصل في تحقيق العدالة الجنائية في الجرائم الخطيرة التي تطال الافراد في النظام الاجتماعي الا ان هذه النظرة القرآنية تجاه العقوبات كان قد عارضها المذهب النفعي الاوروبي الذي لاحظنا فشله في تحقيق العدالة الجنائية واصر على ان العقوبة يجب ان تكون وسيلة من وسائل ( اصلاح ) الجاني ومنعه من ارتكاب الجناية وذلك عن طريق ادخاله السجن فحسب ، الا ان هذا المذهب جوبه بمعارضة شديدة من قبل المدرسة الجزائية التي ايدت النظرية القرآنية وقالت بان الاذى الذي اوقعه الجاني متعمدا بالضحية يستحق على اقل تقدير انزال اذى مماثل به .

الحقيقة الثانية

اذا افترضنا جدلا ان العقوبة تحتاج الى تبرير ، فان لها في النظرية الاسلامية تبريرا اخلاقيا فقط اذا ارتبطت الجناية باختيار الجاني نفسه لارتكاب ذلك الانحراف بمعنى ان الانحراف اذا كان متعمدا ، اضحت العقوبة الجسدية عملية اخلاقية لتصحيح ذلك الانحراف لان العقوبة هدفها التاثير على السلوك الانساني وتصحيحه ، ولذلك فان الانحراف شبه العمد والخطأ لا يوجب العقوبة الجسدية ، بل يتطلب تعويض الضحية عن طريق دفع الغرامة المالية المعروفة بالدية والسبب في ذلك انتفاء الاختيار الشخصي في الانحرافات الناتجة عن شبه العمد والخطأ اضف الى ذلك ان العقوبة لو تحققت في الانحرافات المتعلقة بشبه العمد والخطأ ، لما كان لها اي تاثير على عملية الردع المتوخاة من انزال الاذى المماثل بالجاني الذي ارتكب الجناية واقعا .

الحقيقة الثالثة

ان المسؤولية الجنائية في الاسلام مرتبطة بشكل مباشر بالحالة العقلية للفرد فاحساس الفرد بالمسؤولية الشخصية وارتباطها بالعقوبة يطابق افكار النظرية الاخلاقية الاسلامية التي تجعل من النفس اللوامة المحطة الرئيسة لفحص الاعمال التي يقوم بها الانسان ونقدها فالفرد الذي يمتلك القدرة العقلية على اختيار الافعال يتحمل المسؤولية بصورة كاملة عندما يرتكب جناية او مخالفة يستحق على ضوئها عقوبة معينة ولم يستثن من ذلك الا المجنون او المضطرب عقليا ، والمكره ، والفرد الذي ارتكب الجرم بطريق الخطأ لان هؤلاء الافراد يفقدون القدرة على الاختيار ، ولذلك فان الشريعة لا تعاقبهم بالمقدار الذي تعاقب فيه الافراد الذين يملكون قدرة عقلية كاملة .

ولاشك ان هذا القدر من الفهم الفلسفي للعقوبة مسلم به عند الفقهاء والفلاسفة على حد سواء الا ان السؤال المهم الذي يطرح على هذا الصعيد ، هو : ان الفرد لو تعرض الى حالة اغراء شديدة ساعدته على ارتكاب الجناية ، فهل يكون جانيا بغض النظر عن تلك الحالة الاغرائية ، ام ان الاغراء يؤخذ بنظر الاعتبار في تخفيف العقوبة ؟ ولو ان فردا ما قد حرض على ارتكاب الجناية ، فهل ان للتحريض دورا مزاحما للقدرة العقلية على الاختيار ؟ لاشك ان الرسالة الدينية تعاملت مع هذه الحالات قبل ارتكاب الجناية فمن البديهي ان الدين ورسالته الاخلاقية قامت بتهذيب النفس الداخلية على مقاومة الاغراء مهما كان حجمه التاثيري وقوته الغريزية واذا كانت النفس البشرية قد مارست تهذيبا دينيا صارما ، فليس هناك اغراء يتجاوز حدود الطبيعة الانسانية في المقاومة لان قوة الاغراء تتحطم بقوة الارادة الفردية في تحمل المسؤولية الشرعية فالنفس قد تغري الفرد بالتقاط قطعة ذهبية ثمينة مطروحة على قارعة الطريق ، الا ان قوة الارادة التي ربتها الشريعة في نفس المؤمن تدفعه اما لتسليم تلك القطعة بطريق ما الى صاحبها المجهول ، او تركها على وضعها حتى يلتفت مالكها الحقيقي الى فقدانها ويرجع لالتقاطها ولعلنا نستشعر من قوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) (۷) ان الاغراء الشديد له دور في تصميم شكل العقوبة ، ولذلك قدمت الزانية على الزاني في الترتيب اللفظي للاية الشريفة ولكن يبدو ان ذلك لم يغير شيئا من دور الارادة الانسانية عند الذكر او الانثى من السيطرة على الانحراف رغم وجود الاغراء ، لان العقوبة متساوية لهما على الرغم من تقديم الزانية على الزاني في الترتيب اللفظي هذا الترتيب اللفظي ربما اراد منه القرآن المجيد حث الافراد من احد الجنسين على ملاحظة دور الاغراء في ارتكاب مثل هذه المخالفات الشرعية .

الا ان السيطرة على اغراات النفس بارتكاب الانحراف ليست بالقضية الهينة لان التنبؤ باستمرار الاختيار العقلائي ليس مضمونا بملاحظة الشروط الموضوعية التي تحكم شخصية الفرد في الحالات الصعبة ولكن حتى عدم الضمان هذا لا يبرر كون الاختيار العقلي لاعمال الفرد اختيارا وهميا بل هو اختيار حقيقي جوهري ومن البديهي فان الدافع الداخلي نحو ارتكاب عمل ما يستند في اغلب الحالات على الاسباب الموضوعية التي يستطيع الفرد ان يدركها بقوته العقلية ولاشك ان الفلاسفة الذين آمنوا بالفرق بين الاعمال الارادية والاعمال اللاارادية ، تكلموا من خلال منظار الدوافع ، والاهداف ، والاسباب التي تدعو الى ارتكاب ذلك العمل بعينه وقد اضافت الشريعة الى كل ذلك : المباشرة ، والتسبيب ، والقصد ، والعمد ، وشبه العمد ، والخطأ ، وتزاحم الموجبات كاجتماع السبب والمباشرة وتزاحمهما .

ومن الطبيعي ، فان تاكيد الشريعة دور النية والقصد في ارتكاب العمل وعلاقتهما بالعقوبات المنصوصة ، يشجع الافراد على توجيه نياتهم تجاه العمل الصالح ، وتنقية تلك النيات في مواطن الاثارة والاغراات ومن المسلم به فلسفيا اننا نستطيع التنبؤ باعمال انسان ما اذا كنا نعلم اي نوع من الاختيارات يختارها على الاغلب بمعنى ان حدسنا سيكون صادقا في حسن سلوك زيد اذا علمنا بان اولوياته في القصد بعيدة عن الانحراف ان فكرة ( الاختيار ) المتعلقة باعمال الانسان شرط ضروري لتحمل المسؤولية ، ومن ثم توجيه اللوم ثم تنفيذ العقوبة .

وهذه الحقائق الثلاث المذكورة آنفا لها مغزى خاص في فهم التكامل الاخلاقي لفكرة العقوبات في النظرية الاسلامية ونضيف بان الفلاسفة يطرحون سؤالا ذا اهمية خاصة وهو : هل يجوز لنا ان نخفف الحكم الصادر بمعاقبة الجاني ؟ خصوصا اذا ما افترضنا بان لذلك الجاني شخصية محترمة اجتماعيا ، وان ما دفعه لارتكاب الجناية او المخالفة هو اما التحريض او الاغراء الشديد فتجيب النظرية ( النفعية ) بالايجاب زاعمة بان تخفيف الحكم الجنائي الصادر ضد الجاني مهم جدا على المستوى الاجتماعي ، لان المجتمع لا ينتفع من معاقبة ذلك الفرد الذي ارتكب الجناية في وضع نفسي استثنائي ولذلك ، فاننا نستطيع ان نغفر له جريمته او مخالفته الجنائية في تناقض واضح وهو ان هذه العقوبة لو كانت ردعية ، فان التخفيف لا يردع بقية الجناة عن العزوف عن الجريمة ولو كانت هذه العقوبة جزائية فان تخفيفها لا يحقق عدالة جنائية بين الجاني والمجني عليه ولو كان الاغراء الشديد او التحريض سببا من اسباب تخفيف العقوبات ، لانتشرت الجنايات والمخالفات الجنائية بشكل مضاعف وقد نستدرك هنا ونقول بان التحريض يحتاج الى تعريف وتحديد دقيق فاذا كان يعني الاعتداء الجسدي فيجب ان يقابل بالمثل ، وان كان يعني الاعتداء اللفظي او السلوكي فانه يدخل في عناوين شرعية اخرى كالقذف او المحاربة ونحوها .

ولا شك ان التحريض ، في النظرية الاسلامية ، يدخل تحت تلك العناوين التي تستلزم دفاعا عن النفس فاذا كان اعتداء جسديا فان للمعتدى عليه حق الدفاع عن النفس الى ان يرفع الاذى عن نفسه فاذا قتل المهاجم ( الجاني ) من قبل المجني عليه ، فلاشي على المجني عليه ، ولكن لا يجوز للاخير ان يقتل الاول اذا ولى هاربا ونستلهم من الايات القرآنية الشريفة : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) (۸) ، ( ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ) (۹) ، ( والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون ) (۱۰) قاعدة كلية حول التعامل مع فكرة التحريض فالتحريض له دور مهم في تشخيص الحالة الجنائية بدقة عظيمة وقد يغير شكل الحكم الجنائي ، الا انه يجب ان لا يبرر التعدي من اي طرف من الاطراف على الطرف الاخر لان رد الاعتداء يلزم ان يكون متساويا مع حجم الاعتداء الاولي ذاته فاللطم اعتداء على وجه فرد آخر لا يستدعي مع كونه تحريضا على مهاجمة اللاطم وقتله ، بل ينبغي الاقتصاص مثلا بمثل ولكن لو اتفق ان الملطوم قتل اللاطم ، فان المجني عليه في الحالة الاولى سيكون جانيا في الحالة الثانية ويترتب على ضؤ ذلك ، الحكم الشرعي الخاص بالقضيتين معا ومن المسلم به ان الجناية الثانية ليس لها تبرير اخلاقي حتى على المستوى العرفي العقلائي اما الاغراء الشديد فهو وان يلعب دورا في انشاء الجناية او المخالفة الشرعية ، الا ان الاصل في القضاء ارادة الجاني او المخالف وقصده وتصميمه في ادا المخالفة الجنائية او الشرعية .

ولا شك ان المنزلة الاجتماعية في النظرية الاسلامية لا تلعب دورا في انشاء الحكم او تحديد شكل العقوبة فقد وقف امير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) مدعيا عليه امام شريح القاضي واصدر ذلك القاضي حكما عليه ولم يستنكر ( عليه السلام ) ذلك وهو خليفة المسلمين في دولة شرعية باعتبار انكسار منزلته الاجتماعية الاسلام التشريعية والقضائية .

وبكلمة ، فان العقوبة الجسدية للجاني هي كالدواء للمريض ، بل هي اصل سلامة النظام الاجتماعي من الانحرافات والمخالفات الخطيرة وحتى ان النظريات الاوروبية الجديدة التي زعمت بان الاجرام نوع من الامراض التي تحتاج الى علاج لا الى عقوبة (۱۱) لها من يناقشها فالمرض بذاته يحتاج الى تلقيح حتى يتم تامين سلامة بقية الافراد من تاثيراته المرضية فمن اجل منع انتشار مرض الجدري مثلا ، لابد للافراد من استلام الحقن المضادة التي تنشط الجانب المناعي في الانسان والانحراف ، اذا كان مرضا ، حسب زعم النظريات الاوروبية الحديثة ، فان العقوبة والردع تعملان عمل التلقيح الوقائي تجاه هذه الامراض فهل يحق لنا ان نقول بعد الان ، بان الجاني يجب ان يعالج معالجة طبية سريرية بدل انزال العقاب المنصوص به ؟ .

ومن الطبيعي ، فان تعامل الاسلام مع الجناة من خلال فكرة تصميم وتنفيذ العقوبة جعل عملية ارتكاب الجناية او المخالفة امرا صعبا ينبغي دفع ثمنه باي شكل من الاشكال فالمخالفة الجنائية او الحقوقية لا يمكن ان تمر دون عقاب دنيوي محسوس او عقاب اخروي محدوس ضد الجاني ومن اجل تشكيل صورة متكاملة عن فكرة ( العقوبة ) على مذهب اهل البيت ( عليهم السلام ) ، فانه يمكننا تصنيف الايات والروايات الواردة حولها ، والخاصة بضرورة انزال المعاناة بالجاني بعدالة واقعية علما بان فكرة العقوبة في الرسالة الدينية انما تكفر ذنب الجاني وهي ست مجموعات :

المجموعة الأولى

جواز فكرة العقاب بالاصل .

۱ـ فقد ورد في النص المجيد : ( ان ربك لذو مغفرة وذو عقاب اليم ) (۱۲) .

۲ـ ( ان ربك لسريع العقاب وانه لغفوررحيم ) (۱۳) .

۳ـ ( اعلموا ان الله شديد العقاب وان الله غفور رحيم ) (۱۴) .

۴ـ وعن الامام امير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( ان الله سبحانه وضع الثواب على طاعته ، والعقاب على معصيته ، ذيادة (۱۵) لعباده عن نقمته ، وحياشة (۱۶) لهم الى جنته ) (۱۷) .

المجموعة الثانية

انزال المعاناة بالجاني تماما كما ان الجاني انزل المعاناة بالمجني عليه .

۱ـ فقد ورد في النص المجيد : ( ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب لعلكم تتقون ) (۱۸) .

۲ـ ( يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) (۱۹) .

۳ـ ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص ) (۲۰) .

۴ـ ( وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والجروح قصاص ) (۲۱) .

۵ـ ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) (۲۲) .

۶ـ وعن امير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك والقصاص حقنا للدماء ) (۲۳) .

۷ـ ولا يجوز تعدي حدود الله ، ففي رواية محمد بن يحيى عن الامام الباقر ( عليه السلام ) : ( ان امير المؤمنين ( عليه السلام ) امر قنبر ان يضرب رجلا حدا فغلط قنبر فزاده ثلاثة اسواط ، فاقاده علي ( عليه السلام ) من قنبر بثلاثة اسواط ) (۲۴) .

۸ـ وان العقوبة لا تطال احدا غير الجاني ، كما ورد في قوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر اخرى وان تدع مثقلة الى حملها لا يحمل منه شي ولو كان ذا قربى ) (۲۵) .

۹ـ وفي رواية عن الامام الكاظم ( عليه السلام ) : ( ان الله تبارك وتعالى لا يكلف نفسا الا وسعها ، ولا يحملها فوق طاقتها ، ولا تكسب كل نفس الا عليها ، ولا تزر وازرة وزر اخرى ) (۲۶) .

المجموعة الثالثة

جواز العفو مع قيام اصل القصاص على ساق ، والتشجيع على درء الحدود .

۱ـ فقد ورد في النص المجيد : ( فمن عفي له من اخيه شي فاتباع بالمعروف واداء اليه باحسان ) (۲۷) .

۲ـ ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) (۲۸) .

۳ـ وعن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : ( ما من رجل في جسده جراحة فيتصدق بها الا كفر الله تعالى عنه مثل ما تصدق ) (۲۹) .

۴ـ وعن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ايضا : ( من عفا عن دم لم يكن له ثواب الا الجنة ) (۳۰) .

۵ـ وعنه ( صلى الله عليه واله ) ايضا : ( ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فان وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فان الامام لان يخطئ في العفو خير من ان يخطئ في العقوبة ) (۳۱) .

۶ـ ومرسلة محمد بن علي بن الحسين عن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ايضا : ( ادرؤا الحدود بالشبهات ) (۳۲) .

المجموعة الرابعة

وجوب اقامة الحد عند تحقق الشروط .

۱ـ فقد ورد في النص المجيد : ( تلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) (۳۳) .

۲ـ ( ما فرطنا في الكتاب من شي ) (۳۴) .

۳ـ وفي مرسلة احمد بن محمد بن عيسى عن الامام الصادق ( عليه السلام ) : ( ما خلق الله حلالا ولا حراما الا وله حد كحدود الدار فما كان من حدود الدار فهو من الدار ، حتى ارش الخدش فما سواه ، والجلدة ونصف الجلدة ) (۳۵) .

۴ـ وعنه ( عليه السلام ) ايضا لبعض من اوصاه : ( فعليك باقامة الحدود على القريب والبعيد ، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط ، والقسم بالعدل بين الاحمر والاسود ) (۳۶) .

المجموعة الخامسة

ان العقوبة تكفر ذنب الجاني .

۱ـ فعن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : ( من اذنب ذنبا فاقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته ) (۳۷) .

۲ـ وعنه ( صلى الله عليه واله ) : ( لا يمر السيف بذنب الا محاه ) (۳۸) .

۳ـ وعن امير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( ما عاقب الله عبدا مؤمنا في هذه الدنيا الا كان اجود وامجد من ان يعود في عقابه يوم القيامة ) (۳۹) .

المجموعة السادسة

المسؤولية الشخصية وتعيين الحقوق والواجبات .

۱ـ ففي المسؤولية الشخصية فقد ورد في النص المجيد : ( فلنسالن الذين ارسل اليهم ولنسالن المرسلين ) (۴۰) .

۲ـ ( وقفوهم انهم مسؤلون ) (۴۱) .

۳ـ ( ولنسالن عما كنتم تعملون ) (۴۲) .

۴ـ وعن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : ( الا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالامير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على اهل بيته وهو مسؤول عنهم ، والمراة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ) (۴۳) .

۵ـ وفي تعيين الحقوق والواجبات فقد ورد عن امير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافا في وجوهها ، ويوجب بعضها بعضا ، ولا يستوجب بعضها الا ببعض ) (۴۴) .

۶ـ ومن خطبة لامير المؤمنين ( عليه السلام ) في اول خلافته : ( وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده الا بالحق ، ولا يحل اذى المسلم الا بما يجب ) (۴۵) .

۷ـ وصحيحة محمد بن يحيى عن الامام الصادق ( عليه السلام ) : ( ما عبد الله بشي افضل من اداء حق المؤمن ) (۴۶) .

وهذا الحشد من الايات القرآنية والروايات النبوية الشريفة يمنحنا بعدا تحليليا واسعا لصياغة النظرية الاسلامية في العقوبات فلاشك ان الاطار الفقهي هو الذي يحدد المسؤولية الاخلاقية للافراد ، ومن ثم فان فكرة القاء اللوم وتنفيذ العقوبة مشتقة من هذا الطريق بمعنى ان المسؤولية الاخلاقية ترتبط ارتباطا وثيقا بالمسؤولية الشرعية او القانونية ، بحيث ان العقوبات الاسلامية لا تتوقف عند حد المخالفات الجنائية فقط بل تتعدى الى المخالفات اللفظية والسلوكية الاخرى .

وهنا يبرز سؤال مهم وهو : هل ان العقوبة المشروطة بشروط المسؤولية الاخلاقية تتطلب وجود عنصر عقلي وقت ارتكاب المخالفة ؟ وبتعبير آخر ، هل ان العقوبة يجب ان تطال ( العقل المذنب ) فقط ؟ والجواب على ذلك توضحه الفكرة الاصولية القائلة بان الجهل بالاحكام في دار الاسلام لا يمكن ان يعذر او يبرر ، وانه لابد للافراد من الفحص في الشبهات الحكمية فلا مكان اذن لاصالة البراءة في المخالفات الجنائية (۴۷) وقد اشار امير المؤمنين ( عليه السلام ) الى هذه المفاهيم قائلا : ( ان الله سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، ولم يدعكم في جهالة وعمى انزل عليكم الكتاب فيه تبيان كل شي وعمر فيكم نبيه ازمانا حتى اكمل لكم وله فيما انزل من كتابه دينه الذي ارتضى لنفسه ، وانهى اليكم على لسانه محابه ومكارهه ، ونواهيه واوامره ، والقى اليكم بالمعذرة ، واتخذ عليكم الحجة ، وقدم اليكم بالوعيد ، وانذركم بين يدي عذاب شديد ) (۴۸) وفي ضؤ ذلك ، فان ( العقل المذنب ) الذي يتحمل المسؤولية الاخلاقية هو الذي يستحق التجريم وانزال العقوبة وما ( الاكراه ) و( الاضطرار ) و( الخطا ) و( الاضطراب العقلي ) الا عناصر تحجب العقل السليم عن ممارسة نشاطه الطبيعي المعهود ، فيتبدل عندئذ تصميم العقاب ولكن الاسلام استبدل فكرة ( العقل المذنب ) بفكرة اعم واشمل وهي فكرة ( النية ) و( القصد ) في اداء العمل ورتب عليها شكل الجزاء الذي يستحقه الفرد تجاهها فالمسؤولية الاخلاقية نتيجة طبيعية من نتائج نية الفرد وقصده في ارتكاب المخالفات الجنائية او الشرعية وهذه المسؤولية شرطا أساس في تاهيل المخالف لاستحقاق العقوبات المنصوصة في الشريعة الاسلامية وبموجب هذه الافكار فان العقوبة الشرعية المتمثلة بالحدود والتعزيرات يجب ان تنفذ بشروطها الشرعية ، فوجوب اقامة الحد يعكس الفكرة القائلة بان المسؤولية الاخلاقية للافراد ما هي الا اداة عقلية من ادوات السيطرة على افعالهم وتصرفاتهم .

ان النظرية الاسلامية الخاصة بالمسؤولية الاخلاقية للافراد تاخذ بقضيتين مهمتين تجعلانها مع مفردات اخرى اهم النظريات الاخلاقية في العقوبات على وجه الارض :

القضية الاولى : هي ان النظرية مع تشديدها على فكرة اخلاقية العقوبة وضرورة وضعها على مسرح التطبيق العملي ، الا انها تشجع بشكل لافت للنظر على فكرة ( درء الحدود بالشبهات ) وجواز العفو عن الجاني اذا رغب المجني عليه في ذلك .

والقضية الثانية : هي ان العقوبة تكفر ذنب الجاني ، وتطهره من تلك المخالفة في الحياة الاخرى .

وبذلك فان النظرية الاسلامية لا تنظر للجاني نظرة طبيعية الا بعد ان تتم معالجة الجناية معالجة حقيقية فاذا تمت المعالجة الشرعية بتنفيذ العقوبة ، او العفو من قبل المجني عليه او من يتولاه ، رجعت النظرة الطبيعية الشرعية تجاه ذلك الفرد الذي قام بتلك المخالفة ومصداق هذه النظرة الطبيعية هو تكفير الذنب المرتكب في الحياة الاخرى ان هذه النظرية الالهية المتكاملة جمعت ما بين اصعب المتناقضات ، وحاولت العدالة بين جميع اطراف القضية المتنازع عليها ، وجعلت المسؤولية الاخلاقية للفرد الاصل في التشريع ، وبذلك فانها حفظت حقوق الافراد والجماعة ضمن نطاق النظام الاجتماعي والدولة الاسلامية .

المسؤولية الأخلاقية والقانونية للأفراد

وينبع اهتمامنا بطرح فكرة ( المسؤولية الاخلاقية ) او ( القانونية ) على بساط البحث ، من زاوية ان هذه المسؤولية الشخصية مرتبطة بشكل مباشر بفكرة ( العقوبة ) الشرعية او القانونية وبطبيعة الحال فان ( المسؤولية ) في المصطلحات الدينية ترتبط ايضا بمنطوق الجزاء الالهي ( الثواب والعقاب ) ، والعقوبة الشرعية الدنيوية ، والمسؤولية القانونية في الدولة الشرعية .

ومن المسلم به فقهيا وفلسفيا ان المسؤولية الشخصية هي الشرط الاساسي في العدالة القضائية لان الفرد لا يمكن ان يثاب او يكرم او يعاقب او يلام ما لم يكن متحملا المسؤولية التامة عن عمله الذي قام به .

ولاشك ان التعارض الفكري بين مسالتي المسؤولية الفردية والحرية الشخصية هو الذي ادى الى مناقشة فكرة ( المسؤولية الاخلاقية ) في الرسالة الدينية فالافراد مسؤولون ( اخلاقيا ) عن كل اعمالهم وافعالهم الاجتماعية والشخصية ، ولكنهم مسؤولون ( قضائيا ) عن افعالهم الاجتماعية بالخصوص الا ان سؤالا يمكن ان يبرز هنا وهو اننا تحت اي شرط من الشروط مسؤولون عن اعمالنا اخلاقيا ؟ وهل ان المقياس الاخلاقي هو الثواب والعقاب ام الوصول الى الكمال الاخلاقي المطلق ، كما ورد عن امير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك وانما وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك ) (۴۹) ؟ لاشك ان اسمى درجات المسؤولية الاخلاقية في الاسلام هي المسؤولية التي ترى ان العمل يجب ان ينفذ باعتبار معانيه الاخلاقية السامية لا باعتبار الفوائد والثمرات الموضوعية التي يجنيها الفرد من وراء اداه ذلك العمل .

وبطبيعة الحال ، فان المسؤولية الفردية لا يتحقق تكاملها ما لم ترتبط بمفاهيم ( الارادة ) و( الاختيار) او بمعنى ادق ، المدى الذي نستطيع فيه ان نطبق مصطلحات ( الحرية ) ، و( التحلل من الالزام ) ، و( عدم الاكراه ) ، و( الارادة ) على فكرة المسؤولية الاخلاقية فهل نستطيع ان نحمل فردا ما مسؤولية اخلاقية اذا كانت الظروف الخارجية التي واجهها خارجة عن ارادته وسيطرته الذاتية ؟ وهل نستطيع ان نسلب المسؤولية الاخلاقية من فرد آخر بدعوى الاكراه ؟ لاشك ان تحقيق العدالة القانونية او الشرعية يتطلب ميزانا متساويا لطرفي ( الارادة ) و( الاكراه ) ، يعكسها بصدق ما رواه مفضل بن عمرو عن الامام الصادق ( عليه السلام ) : ( لا جبر ولا تفويض ، ولكن امر بين امرين ) (۵۰) ، وهو من موارد الاطلاق في المسؤولية الشرعية والاخلاقية وما روي من ان الفضل بن سهل سال الامام الرضا ( عليه السلام ) بين يدي المأمون ، فقال : ( يا ابا الحسن الله اعدل من ان يجبر خلقه ثم يعذبهم ، قال : فمطلقون ؟ قال : الله احكم من ان يهمل عبده ويكله الى نفسه ) (۵۱) وما رواه واصل بن عطاء قائلا : ( احسن ما سمعت في القضاء والقدر قول امير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) : ايدلك على الطريق وياخذ عليك المضيق ؟ ) (۵۲) ولاشك ان قوة اختيار الشخصية تتناسب مع قوة الارادة ، الا ان العلم الالهي بقوة الاختيار والارادة الانسانية لا يتدخل في رسم شكل العقوبة لانه لا يغير من قوة الارادة والاختيار شيئا بيد ان الظروف الخارجية التي تكره الفرد على فعل ما كانت قد عالجتها الشريعة بشكل محكم ، فاخرجت ( المكره ) و( المضطر) و( المضطرب عقليا ) من اطار مسؤولياته الاخلاقية والقانونية ، وجعلت المسؤولية الاخلاقية او القانونية مرتبطة بالحرية الشخصية والقدرة العقلية على فهم وتحليل الواقع الخارجي .

ويطرح في هذا المقام سؤال جديد وهو : هل ان ( القدرة على الفعل ) تنطبق على المسؤولية الاخلاقية تماما كما تنطبق ( الحرية على اداء الفعل ) ؟ لاشك ان حرية الارادة تختلف جوهريا عن القدرة على استعمال تلك الحرية فالعاجز لا يكون مسؤولا عن عجزه على اداء العمل الاخلاقي او الشرعي ولكن حرية ( القرار ) ليست كحرية ( الفعل ) وبمعنى تصديقي لو ان معاوية بن ابي سفيان اراد ان يذعن لامامة امير المؤمنين ( عليه السلام ) وينصاع لولايته لفعل ذلك ، الا انه لم يقرر ذلك العمل ولما كانت حريته الذاتية في القرار كاملة ، اصبح نفسه مسؤولا على الصعيد الاخلاقي عن عمله اللاحق لقراره الظالم الذي اتخذه لنفسه .

ولاشك فانه لابد لنا من التمييز بين المسؤولية الاخلاقية الناتجة عن الافعال التي تحصل عن طريق الاكراه او الاضطرار والافعال التي تحصل عن طريق القصد والتصميم ولكن هل ان تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية هو طريقة من طرق تهذيبهم مستقبلا ؟ والجواب على ذلك يكمن في ان المسؤولية الاخلاقية تنشق الى شقين ، الاول : ما يتعلق بالمسؤولية الاخلاقية النهائية ، وهو الامتثال امام المولى عز وجل يوم القيامة لاستلام الجزاء والثاني : ما يتعلق بالمسؤولية الاخلاقية الاجتماعية ، التي تعتبر الفرد كائنا متكاملا مع النظام الاجتماعي فاذا كانت فكرة تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية طريقة من طرق تهذيبهم مستقبلا ، فانه لابد ان ينطبق عليها مفرد الشطر الثاني ذلك ان تحميل الافراد مسؤولياتهم الاخلاقية انما ينبع من قابليتنا على الحكم على هؤلاء الافراد اخلاقيا فاذا كان حكمنا بالمسؤولية الاخلاقية لا يؤثر على سلوك الافراد بطرق معتبرة ، فان الهدف الفاضل من الاشارة الى مسؤولية الفرد الاخلاقية سوف ينتفي ولذلك فان عدم القصد والاكراه والاضطرار في احكام الشريعة الاسلامية تحلل الفرد من مسؤوليته الاخلاقية مؤقتا ، ومن ثم فان التاثير الايجابي للحكم على تلك المسؤولية لا بد وان يكون مرتبطا بالتصميم العقلي السليم على اداء الفعل وبطبيعة الحال ، فان المسؤولية الاخلاقية للافراد هي من حق الجماعة اكثر مما هي من حق الفرد ، لان الثمار الناتجة عن تطبيق شروطا لمسؤولية الاخلاقية تكون اكثر نفعا واعظم فائدة للمجتمع وللنظام الاجتماعي بمؤسساته المتضافرة مما كان للفرد بصفته الشخصية .

وحرية الاختيار وارتباطها بالمسؤولية الاخلاقية والقانونية للافراد ما زالت تثير الكثير من الجدل حول طبيعة تلك الحرية وحدودها الا ان اهم الاسئلة المثارة حولها هو: هل ان تلك الحرية مقيدة ب( الجبر الذاتي ) ام ب( الجبر الموضوعي ) الخارجي ؟ فاجابت المدرسة الفلسفية الاوروبية بزعامة (اف اج برادلي ) (۵۳) بان النفس الانسانية تجبر الفرد على اداء عمل معين ، ولذلك فان الشخص مسؤول عن عمله اخلاقيا وزعمت بان تحقق هذا ( الجبر الذاتي ) لا يعني باننا نستطيع ان نتنبأ بالاعمال التي سوف نقوم بها ، لان الاعمال لا تتحقق ما لم تتواجد الشروط الموضوعية الخاصة بها وهي شروط تتجاوز الابعاد المادية ، بل انها تشمل قضايا روحية واسبابا عقلية بحتة .

لكن ( برادلي ) ومدرسته الفلسفية لم ينهضا بتصور شامل عن ماهية الجبر الذاتي والجبر الموضوعي فالفرق ما بين ( الجبر الذاتي ) و( الجبر الموضوعي ) الخارجي يعكس الفرق ما بين الاختيار والاكراه وحرية ( الجبر الذاتي ) لا يمكن ان يقيدها الاكراه ، لان الاكراه لا ياتي الا من الخارج الموضوعي وحتى لو افترضنا وجود ( الجبر الذاتي ) الذي يكره الفرد على اتخاذ القرار ، فان ذلك الجبر لابد وان يكون نفسه تحت تاثير خارجي موضوعي ، وهذا محال لانه يستلزم ( الدور) الذي آمن جميع الفلاسفة باستحالته .

ومن المعلوم اننا اذا آمنا بالجبر الذاتي فاننا سنسلم بان الجبر قد حصل قبل اتخاذ القرار الشخصي باداء العمل ، وهو مردود ايضا لان الاكراه لا يحصل الا بتاثير خارج وقت القرار ، كما تبين لنا ذلك قبل لحظات وبالنتيجة فان القرار ينبع من شروط الخارج الموضوعي وليس العكس وبذلك ينتفي ( الجبر الذاتي ) وتتحطم نظرية ( اف اج برادلي ) الفلسفية بصدد حرية الاختيار .

وهذه النتيجة تقودنا الى مناقشة مثمرة لفكرة ( حرية الارادة ) التي جاءت بها النظرية الاسلامية طبقا لمذهب اهل بيت النبوة ( عليهم السلام ) فمع ان الاعمال والافعال لا تحصل عن طريق ( الصدفة ) الا في الحالات الاستثنائية ، الا ان المسؤولية الاخلاقية ترتبط دائما بحرية الارادة التي يمتلكها الفرد ضمن بنائه التكويني الذي صممه له الخالق عز وجل ولذلك فان النظرية الاجتماعية والدينية تفسح المجال لتحميل الافراد مسؤولية اعمال بعضهم تجاه بعضهم الاخر وهذا لا يعني ان ( الجبر الذاتي ) او( الجبر الموضوعي ) يتدخلان في تحديد المسؤولية الاخلاقية على نطاق الجماعة والنظام الذي يحكمها بل ان ( حرية الارادة ) هي التي تصمم شكل الافعال التي يقوم بها الفرد ، ومن ثم طبيعة المسؤولية التي يتحملها .

ولاشك ان هذا التصور يعطي تبريرا اخلاقيا للعقوبة ، باعتبار ان الجاني او المجرم يستحق ذلك الاذى المنزل به على الصعيد الاخلاقي فالعقوبة لا تهدف الى تجريد الجاني من انسانيته بقدر ما تعكس مبدا اساسيا يعلن بان شروط العدالة الجنائية او الحقوقية قد تحققت والنتيجة ، ان عناصر ( حرية الارادة ) ، و( المسؤولية الاخلاقية ) ، و( الجزاء ) الذي ينتظر الانسان ، يجب ان تؤخذ كلها على ضؤ عقيدة ذلك الفرد الاخلاقية والدينية ، لا ان ينظر اليها باستقلال عن مبادئه وقيمه الاخرى .

ـــــــــ

۱ـ ( عمانوئيل كانت ) فلسفة ( كانت ) في القانون ادنبرة : ۱۸۸۷م .

۲ـ ( اي سي اوينك ) اخلاقية العقوبة لندن : ۱۹۲۹م .

۳ـ ( جي دبليو هيغل ) فلسفة هيغل في الحقوق اكسفورد : ۱۹۴۲م .

۴ـ ( جيرمي بنثام ) مقدمة في مبادئ الاخلاق والتشريع لندن : ۱۷۸۹م .

۵ـ البقرة : ۱۷۹٫

۶ـ المائدة : ۴۵ .

۷ـ النور: ۲ .

۸ـ البقرة : ۱۹۴ .

۹ـ البقرة : ۱۹۰ .

۱۰ـ الشورى : ۳۹ .

۱۱ـ ( باربرا ووتون ) علم الاجتماع والمرض الاجتماعي لندن : ۱۹۵۹م وايضا : ( اج ال هارت ) العقوبة والغاء المسؤولية لندن : ۱۹۶۲م .

۱۲ـ فصلت : ۴۳ .

۱۳ـ الاعراف : ۱۶۷ .

۱۴ـ المائدة : ۹۸ .

۱۵ـ ذيادة : منعا لهم عن المعاصي الجالبة للنقم .

۱۶ـ حياشة : سوقا الى جنته .

۱۷ـ نهج البلاغة ، حكم ۳۶۸ .

۱۸ـ البقرة : ۱۷۹ .

۱۹ـ البقرة : ۱۷۸ .

۲۰ـ البقرة : ۱۹۴ .

۲۱ـ المائدة : ۴۵ .

۲۲ـ الاسراء : ۳۳ .

۲۳ـ نهج البلاغة ، حكم ۲۵۲ .

۲۴ـ وسائل الشيعة ۱۸ : ۳۱۲ .

۲۵ـ فاطر: ۱۸ .

۲۶ـ بحار الانوار ۷۱ : ۲۳۹ .

۲۷ـ البقرة : ۱۷۸ .

۲۸ـ المائدة : ۴۵ .

۲۹ـ كنز العمال ح ۳۹۸۵۱ .

۳۰ـ كنز العمال ح ۳۹۸۵۴ .

۳۱ـ كنز العمال ح ۱۲۹۷۱ .

۳۲ـ وسائل الشيعة ۱۸: ۳۳۶ .

۳۳ـ البقرة : ۲۳۰ .

۳۴ـ الانعام : ۳۸ .

۳۵ـ بحار الانوار ۲: ۱۷۰ .

۳۶ـ مستدرك الوسائل ۳: ۲۱۶ .

۳۷ـ كنز العمال ح ۱۲۹۶۴ .

۳۸ـ كنز العمال ح ۱۲۹۶۹ .

۳۹ـ تحف العقول : ۱۵۲ .

۴۰ـ الاعراف : ۶٫

۴۱ـ الصافات : ۲۴ .

۴۲ـ الحجر: ۹۳ .

۴۳ـ صحيح البخاري ۳ : ۱۴۵۹ .

۴۴ـ شرح نهج البلاغة ۱۱: ۹۱ .

۴۵ـ المصدر السابق ۹: ۲۸۸ .

۴۶ـ الكافي ۲: ۱۷۰ .

۴۷ـ الظاهر اشتراط العلم بالجريمة حكما وموضوعا في استحقاق العقوبة في الدنيا ، نعم قد يقال ان العقاب الاخروي يشمل الجاهل المقصردون القاصر (التحرير) .

۴۸ـ نهج البلاغة خطبة ۴۸ .

۴۹ـ شرح نهج البلاغة ۱۰: ۱۵۷ .

۵۰ـ بحار الانوار ۵: ۱۷ .

۵۱ـ المصدر السابق ۵: ۵۹ .

۵۲ـ المصدر السابق ۵: ۵۸ .

۵۳ـ ( ريتشارد برنادت ) .