في إثبات العلم بالصانع

في إثبات العلم بالصانع

والدليل على ذلك أن الأجسام محدثة ، وكل محدث فله محدث .

وقبل تقرير هذه الحجة ، لا بد من بيان المراد بالألفاظ التي اشتملت عليها ، وما يتعلق بها تقريبا .

فالجسم هو الطويل العريض العميق .

والجوهر هو الحجم الذي لا ينقسم . (1)

والمحدث هو الذي لوجوده أول .

والقديم عكسه .

والعرض ما وجد في الجوهر من غير تجاوز . ( 2 )

والحركة هي زوال الجوهر من محاذاة إلى أخرى . ( 3 )

والسكون حصول الجوهر في محاذاة أزيد من وقت واحد .

والاجتماع تماس جوهرين .

والافتراق عكسه .

والكون هو حصول الجوهر في المحاذاة . ( 4 )

إذا عرفت هذا فنقول : الدلالة على المقدمة الأولى هي ( 5 ) أن الأجسام لم تسبق الحوادث المتناهية ، وكل ما كان كذلك فهو محدث .

أما أنها لم تسبق الحوادث ، فلأنا نعني بها الكون المطلق ، وقد بينا أنه عبارة عن الحصول في المحاذاة ، وينقسم إلى الحركة والسكون بالمزايلة واللبث ، وبالضرورة أن الجسم بعد وجوده يستحيل أن يخرج عن المحاذاة ، ثم هو إما لابث ، وهو الساكن ، أو منتقل وهو المتحرك .

وبيان أن هذه الأمور زائدة على الجسم أنها تزول مع بقاء الجسم ، ويقدر عليها من لا يقدر عليه .

وأما بيان حدوثها فلأنها يجوز عليها العدم ، والقديم لا يجوز عليه العدم . أما جواز عدمها فلأن الأجسام متساوية في الجسمية ، فلو وجب لبعضها أن تكون متحركة أو ساكنة ، لوجب في الكل كذلك ، لكنه باطل ، إذ كل جسم يصح اختلاف ( 6 ) الحركة والسكون عليه . وأما أن القديم لا يجوز عليه العدم ، فلأن القديم إن كان واجب الوجود استحال عدمه ، وإن كان جائز الوجود كان المؤثر فيه واجب الوجود ، إما بمرتبة أو مراتب ، لاستحالة التسلسل والدور ، ويلزم من بقائه بقاء معلوله ، لاستحالة أن يكون أثرا لمختار . ( 7 )

وأما بيان أن هذه الحوادث متناهية ، فلأن صدق الحدوث على آحادها يستلزم صدقه على نوعها ، إذ النوع لا يتحقق موجودا في الخارج منفكا عن شخص . ولأن كل واحد منها مع فرض حدوثه مسبوق بعدم لا أول له ، فمع فرض أن لا بداية تكون الأعدام مفروضة ، فإن لم يحصل من آحادها شئ عند ذلك الفرض فهي متناهية ، وإن حصل لزم السابق والمسبوق ( 8 ) وهو محال .

وأما أن ما لم يسبق الحوادث المتناهية فهو حادث فضرورية .

وإذا ثبت حدوثها ثبت أن لها محدثا أحدثها لأنها حدثت مع جواز أن لا تحدث ، فلو حدث من غير محدث لحدث الجائز من غير مؤثر وهو محال .

وإنما قلنا : إنها حدثت مع الجواز ، فإنه لو وجب حدوثها لم تكن بأن تحدث في ذلك الوقت بأولى من غيره ، فكان يلزم قدمها ، أو الترجيح من غير مرجح .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) يراد بالجوهر أحد أمور أربعة ، الأول : المتحيز الذي لا يقبل القسمة ، هذا على قول من يثبت الجوهر الفرد المسمى بالجزء الذي لا يتجزأ . . . راجع الكليات لأبي البقاء ص 131 .

( 2 ) قال علم الهدى – ره – في رسالة الحدود والحقائق ص 20 : العرض : ما يوجد في الجواهر من غير تجاوز احترازا عن وجود المظروف في الظرف .

( 3 ) قال السيد الشريف في التعريفات ص 74 : الحركة : الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج . قيد بالتدريج ليخرج الكون عن الحركة . وقيل : هي شغل حيز بعد أن كان في حيز آخر . وقيل : الحركة كونان في آنين في مكانين ، كما أن السكون كونان في آنين في مكان واحد .

( 4 ) المحاذاة : الجهة التي يصح أن يشغلها الجوهر . كذا في الحدود والحقائق لعلم الهدى ص 25 .

( 5 ) في الأصل : وهي . والظاهر زيادة الواو .

( 6 ) أي يخلف كل واحد منهما الآخر من باب اختلاف الليل والنهار .

( 7 ) بناء على أن قدم العالم وكونه تعالى مختارا لا يجتمعان .

( 8 ) كذا في الأصل ، ويحتمل سقوط كلمة قبل كلمة : السابق .

المصدر: عجالة المعرفة/ الشيخ منتجب الدين الراوندي