في-الإمامة

في الإمامة

اعلم أن الوصول إلى الكمال والتمام لا يحصل إلا بالنظام ، وذلك لا يتم إلا بوجود الإمام .

فوجوده مقرب إلى الطريق المفضي إلى الكمال .

ويأمر بالعدل ، وينهى عن الفحشاء والمنكر ، فلا بد من وجوده ، ما دام التكليف باقيا .

ويجب أن يؤمن عليه مثل ما يؤمن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، من التغيير والتبديل ، فيكون ” معصوما ” .

ويجب أن يكون أعلم أهل زمانه ، فيما يتعلق بالمصالح الدينية والدنيوية .

ونعلم أنا لا نعرف من هذه صفته إلا بإعلام من قبل الله ، وهو : إما أن يعلمنا على لسان نبيه ، وهذا هو ” النص ” .

وإما بالعلم المعجز عقيب دعواه ، عند فقد حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

وإذا ثبت هذا ، فالإمام – على هذه الصفات ، بعد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، بلا واسطة – أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام .

لأن الناس ضربان :

أحدهما لا يوجب الإمامة ، وهذا يكذبه فعله ، واحتياجه إلى الإمام .

والآخر يوجبها .

والقائل بوجوبها على ضربين :

منهم من قال بوجوبها شرعا ، وهو باطل ، لأنه لو لم يرد الشرع لعلمنا أن الخلق لا بد لهم من ناظم يكون أعلم منهم بنظمهم على طريق مستقيم .

ومن قال بوجوبها عقلا : يعتبر الصفات التي ذكرناها ، وكل من أثبت الصفات لم يثبتها إلا لأمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام .

فالقول بوجوب العصمة ، مع إثباتها لغيره ، خروج عن الإجماع .

ولأن الأخبار المتواترة – من طريق الخاصة والعامة – دلت على تنصيص النبي عليه وآله السلام ، عليه وعلى أولاده .

والأخبار المتواترة تفضي إلى العلم ، إذا لم تكن عن تواطؤ ، ولا ما يجري مجرى التواطؤ ، من المراسلة ، وهذا لا يمكن في رواة أخبار النص مع تباعد الديار ، وعدم معرفة أهل كل بلد لأهل بلد آخر ، فعلم أنه لا جامع لهم على نقل هذه الأخبار إلا صدقها.

وبعده لأولاده ، إلى الثاني عشر عجل الله فرجه ، والدليل على إمامته نص النبي عليه ، ونص آبائه ، وقولهم حجة .

ودليل وجوده – على الجملة – هو ما دل على أن الزمان – مع بقاء التكليف – لا يجوز أن يخلو من إمام معصوم هو أعلم أهل زمانه .

سبب غيبة الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه

بقي علينا أن نبين سبب غيبته عليه الصلاة والسلام ، وهو السبب المحوج للأنبياء إلى الغيبة :

مثل هرب موسى عليه السلام ، الذي دل عليه القرآن ، حيث قال : ( . . . ففررت منكم لما خفتكم . . . . ) [ الآية ( 21 ) من سورة الشعراء ( 26 ) ] .

وهرب يونس عليه السلام .

ودخول إبراهيم عليه السلام النار .

ودخول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الغار .

فإذا لم يوجب هرب الأنبياء خللا في نبوتهم ، فبأن لا يوجب هرب الإمام – مع أن الأعداء الآن أكثر – أولى .

وأما طول حياته ، فمما لا يتعجب منه .

لأن هذا الإنكار : إما أن يكون ممن يثبت قدرة الله ، أو ممن لا يثبتها :

فمن أثبتها : إن شك في أن الله – تعالى – قادر على إبقائه أحدا ، مع أنه قادر على جميع المقدورات ، فهو كمن شك في أن الله – تعالى – عالم بجميع الجزئيات ، مع أنه عالم بجميع المعلومات .

وأن كان لا يثبته قادرا على ذلك : فالكلام معه لا يكون في الإمامة ، والغيبة ، ولكنه

في كونه – تعالى – قادرا ، ومن ثم إلى هنا بون بعيد .

فعلمنا أن ذلك غير منكر .

وإذا كان سبب الغيبة الخوف ، والله عالم بجميع المعلومات ، فمهما علم أن تلك العلة المحوجة زالت ، أظهره .

فإن قلت : فالله قادر على إزالة الخوف ، فإذا لم يزله فهو محوجه إلى الغيبة ؟ !

قلنا : إزالة علة المكلف في التكليف واجبة ، ولكن حمله على فعل التكليف بالقهر غير جائز فضلا عن أن يكون واجبا ، لأنه لو حمله على ذلك بالجبر ، لزال التكليف ، وبطل الثواب والعقاب .

المصدر: عجالة المعرفة/ الشيخ منتجب الدين الراوندي