العدل

في العدل والوعد والوعيد

الطاعة : فعل يعرض العبد لعوض مع التعظيم ، ويسمى ذلك العوض المقارن ” ثوابا ” .

والمعصية : فعل يفضي إلى عوض يقارن الاستخفاف ، ويسمى ذلك ” عقابا ” .

والعبد مخلوق على أنه يقدر على اكتساب كلي الطرفين ، وإلى ذلك أشار بقوله تعالى : ( وهديناه النجدين ) [ الآية ( 10 ) من سورة البلد ( 90 ) ] طريق الخير وطريق الشر .

ولو لم يقدر على ذلك ، لما أمره الله تعالى ولا نهاه ، كما أنه لم يأمره بتغيير هيئاته ، وألوانه ، وأشكاله ، التي لا يقدر الإنسان على تغييرها .

وإذا ثبت هذا ، فالعبد معرض بالطاعات والتكاليف العقلية والشرعية ، لعوض مقارن للتعظيم ، وهو ” الثواب ” .

وهذا هو الذي بينا أن العبد مخلوق له ، وهو أنه خلق لا لانتفاع الخالق ، بل لانتفاع الخلق .

وكلما كان النفع أجل وأجمل ، دل على أن فاعله أجود وأكمل .

وأجل المنافع أن تكون دائمة لا تزول .

ولما ثبت – قطعا – أن هذه الدار ليست بدار الخلود ، ثبت أن دار الخلود غير هذه ، وهي دار الآخرة .

فعلم أن هناك بقاءا لا فناء معه ، وعلما لا جهل معه ، ولذة لا نفرة معها ، وعزا لا ذل معه .

ولما لم تصل إلى تفاصيل ما قلناه عقول البشر ، شرحه الشرع بالجنة ، والحور ، والقصور ، والنهار ، والأشجار والأثمار .

وكل من فوت [ على ] نفسه هذه الدرجات ، بقي في دركات الهلاك ، وهي مقابلات ما قلناه ، من الفناء ، والجهل ، والنفرة ، والذل .

وشرح جميع ذلك السمع بالجحيم ، والحميم ، والعقاب ، والعذاب الأليم ، والعقارب ، والحيات ، والنيران ، واللظى ، أعاذنا الله – تعالى – منها .

ولما كان الخلق في باب التكليف على درجتين : مطيع ، وعاص ، كان العدل أن يبني دارين : جنة ونار .

والمطيع : إما أن يكون في الغاية القصوى ، وهو الذي يطيع ولا يعصي ، كالملائكة ، والأنبياء ، والأئمة – على الصحيح من المذهب – .

وإما أن يطيع ويعصي ، كسائر المسلمين ، من المجرمين .

وإما أن يعصي ولا يطيع ، كالشياطين ، والكفرة .

و [ لما ] كانت الطاعة ضربين : علمي ، وعملي ، كان العوض في معرضها :

والعلمي دائم ، كمعرفة الله – تعالى – ومعرفة رسوله ، والأئمة ، ومعرفة الشرائع ، فثوابه دائم .

والعملي منقطع ، كالصلاة والصدقة ، فعوضه منقطع .

والمعصية – أيضا ضربان : اعتقادي ، وعملي :

فالاعتقادي عقابه دائم ، كالشرك بالله ، وتكذيب حجج الله من الأنبياء والأئمة .

والعملي عقابه منقطع ، كلطمة اليتيم ، وترك الصلاة ، والزنا ، والرياء ، وتفاصيل ذلك مما أورده الشرع .

[ المعاد وشؤونه ]

ولما كان لا بد من إيصال الثواب والعقاب إلى مستحقهما ، ولا يصح ذلك إلا بالحشر والنشر ، وجب الحشر للعباد.

ولما كان عدله يقتضي أن لا يؤاخذ أحدا على غفلة ، فلا بد من حساب يعلمهم الله أن ذلك جزاء أعمالهم .

ولما كانت الأعمال تتفاضل ، ولا يمكن معرفة ذلك إلا بتعديل وتسوية ، فلا بد من الميزان .

ولا بد من أن تكون مثبتة في كتاب لتقرأ كل نفس كتابها ، كما قال : ( . . . كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . . . ) [ الآية ( 14 ) من سورة الإسراء ( 17 ) ] فالكتاب حق .

وإذا ثبت بالسمع أن القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران ، فلا بد من أن يشعر ذلك حتى لا يكون عبثا .

وإذا كان النبي صادقا مصدقا ، وأخبر بشفاعته للأمة ، وجب تصديقه ، لأنا صدقناه على الجملة ، فمتى لم نصدقه في هذه القضية بطل ما أثبتناه – أولا – من تصديقه عليه وآله الصلاة والسلام .

ولما كان الناس فريقين : فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، فلا بد من طريق لكل فريق ، وذلك هو الصراط ، الذي وصف بأنه أدق من الشعر .

[ و ] في هذه الدار له نظير ، وهو الطريقة الوسطى التي هي واسطة بين الإفراط والتفريط .

فمتى عبر السالك هذا الصراط – الذي هو بين التفريط والإفراط – عبر ذلك الصراط ، كالبرق الخاطف .

ومتى كان هيهنا في الطريق عاثرا يكون هناك كذلك.

كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يموت المرء على ما عاش عليه ، ويحشر على ما مات عليه .

ثبتنا الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأقامنا على الصراط المستقيم ، إنه رؤوف رحيم .

المصدر: عجالة المعرفة/ الشيخ منتجب الدين الراوندي