شباب

قبس من أدب الأولاد على ضوء المذهب الإمامي

الحمد لله العلاّم ، والصلاة والسلام على خير الأنام محمّد وآله الكرام .

أمّا بعد فمن الواضح أنّ الأقربين أولى بالمعروف ، ثمّ من أفضل المعروف الأدب ، وهو بمعناه العامّ : حسن الهيئة وظرافة العمل ، فالأولى به من هو قريب منك ، وأقرب الناس إليك أولادك ، فإنّ الولد فلذة الكبد ( أولادنا أكبادنا ) ، فهو أولى من غيره بالنسبة إلى كسب الأدب وتعلّمه من قبلهما أوّلا ، وإنّ من وظائف الآباء ومن حقوق الأبناء عليهم هو تعليمهم الدين والآداب والأخلاق الطيّبة والعلوم النافعة ، وذلك منذ الصغر ومن اليوم الأوّل ، فعلى الآباء والاُمّهات تربية أولادهما ذكوراً وإناثاً تربيةً صالحةً ، توجب المباهاة والفخر والاعتزاز ، وتدخل البهجة على القلوب ، والسرور على النفوس ، وإنّ أوّل من ينتفع من ثمر التربية ويستظلّ تحت شجرتها هم الآباء والاُمّهات .

فمن أهمّ ما يجب على الأبوين بالذات هو تربية الأولاد تربية سليمة وصالحة ، وهي التربية الإسلامية النابعة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، فمَن يطالع الإسلام ونظامه التربوي ويقيسه بالأنظمة والبرامج الاُخرى يرى بوضوح عظمة التربية الإسلامية وسلامتها وشموخها وأصالتها .

يقول والدي العلاّمة في كتابه القيّم ( الأثر الخالد في الولد والوالد ) : من أهمّ ما يجب على الأبوين تربية أولادهم تربية صحيحة صالحة ، وهي التربية الإسلامية بلا نزاع ، لأنّا رأينا باُمّ أعيننا أنّ الأجانب جاؤوا بقوانين واُصول للتربية الحديثة ، وبعد مدّة قليلة نراهم ذيّلوا اُصولهم وقوانينهم بذيول يخطئ بعضها البعض ، والحقّ : كلّ ما كان منها موافقاً للاُسس والمبادئ والاُصول الإسلامية كان صالحاً وباقياً لا تشوبه شائبة ، وكلّ ما كانت من توليد أدمغة مفكّري العصر تذيّلت وتنقّحت ثمّ اُهملت .

وهذا ليس لشيء إلاّ لكون الإنسان لا يتمكّن من تصحيح وتنقيح إنسان آخر ، لأنّه هو بالذات يحتاج إلى مربٍّ يربّيه ، فكيف يتمكّن من تربية غيره ، وفاقد الشيء لا يعطيه ، فانحصرت التربية في خالق الإنسان والذين انتخبهم وعيّنهم وعلّمهم ليربّوا هذا البشر التائه في وديان جهالته .

والمنتخبون هم الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين ثمّ أوصياءهم (عليهم السلام) جيلا بعد جيل إلى انتهاء العالم ، بل العوالم أجمع ، ومن بعده أوصياءه المنصوبون من قبل ربّ العالمين على لسان صفيّه وحبيبه المصطفى محمّد (صلى الله عليه وآله) فهم القادة وهم الموصلون أحكام الله تعالى للناس ، ولله تعالى في خلقه شؤون ، فقاموا واستقاموا حتّى أعطوا البشر في العالم كلّه ما يحتاج لدنياه ولآخرته ، وأوكلوه بتربية غيره على نهجهم ، فهذا ما يخصّ الأب والابن ، وإلى آخر القضايا .

ثمّ المرء يبذل كلّ ما في وسعه وطاقته من أجل راحة الأولاد وتأمين حياتهم المادّية من المأكل والملبس وصحّة الجسد ، حتّى أ نّه ما أن يشعر بصداع في رأس طفله إلاّ وتجده يركض إلى المستشفى ويتردّد من عيادة طبيب إلى آخر ، ويستعمل الأدوية ولو كلّفه ذلك بنقود باهضة ، كيف يفكّر بجسد أولاده ولا يفكّر بأرواحهم وتربيتهم الروحية ، فإنّ الروح أولى بالعناية والتربية ، إذ الجسد يفنى بالموت وينعدم ، ويكون تراباً تطأه الأقدام ، ولكن الروح تبقى خالدة متنعّمة أو متعذّبة ، فلا بدّ أوّلا من تربيتها ورعايتها غاية الرعاية ، ومعالجتها من الأمراض الروحية ومن الصفات الذميمة ، كالحسد والتكبّر وحبّ الدنيا والرياء والبخل وغير ذلك .

فيجب ـ عقلا وشرعا ًـ على الآباء والاُمّهات أن يبذلوا كلّ ما في وسعهم من أجل تربية أرواح أولادهم ، وتهذيب أخلاقهم ، وتصفية بواطنهم ، وتنوير قلوبهم ، وتعليمهم الآداب الفردية والاجتماعية ، وذلك منذ نعومة أظفارهم ، فإنّ العلم في الصغر كالنقش على الحجر ، ومن أتعب نفسه أيام شبابه استراح أيام شيبته .

۱ـ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الإمام الحسن (عليه السلام) : إنّما قلب الحدث ـ أي الشاب المراهق ـ كالأرض الخالية ما اُلقي فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ، ويشتغل لبّك .

وهذا يعني أنّه لا بدّ من المبادرة والسرعة في تعليم الأولاد وتأديبهم ; لأنّ القلب سرعان ما يقسو ، وإنّما قساوة القلب يكون بالذنوب ، أي قبل أن يذنب الطفل ويصل إلى سنّ التكليف والرشد على الوالد أن يبادره بالأدب ، وقبل أن يشتغل فكره وتأخذه العواصف يميناً وشمالا على الوالد أن يبادره بالعلم .

فإنّ قلب الحدث الطفل أو الشاب المراهق كالأرض الخالية من الزرع ، وهي خصبة وقابلة لكلّ زرع ، فإن زرعته حنطة فإنّما تحصد الحنطة التي تقوّي الإنسان وتنشّطه ، وإذا زرعت الحنظل فإنّك تحصد الحنظل المرّ ، وهذه من سنن الحياة والطبيعة ، فلا بدّ من الأدب الصالح والعلم النافع في السنين الاُولى من حياة الأولاد .

۲ـ يقول لقمان لولده : يا بني ، إن تأدّبت صغيراً ، انتفعت به كبيراً(۱) .

وهذا النفع لا ينحصر على من تأدّب بل ينتفع به الآخرون أيضاً ، كما لا ينحصر بالدنيا بل حتّى ينتفع منه الإنسان في الآخرة أيضاً .

۳ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام) : لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتّى يدخلهم الجنّة ، حتّى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً ولا خادماً ولا جاراً . ولا يزال العبد العاصي يورث أهل بيته الأدب السيّئ ، حتّى يدخلهم النار جميعاً ، حتّى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً .

وهذا يعني أنّ فاقد الشيء لا يعطيه ، فمن كان فاقد الإيمان والآداب وكان من العصاة ، فكيف يمكن أن يعطي لغيره الإيمان والأدب ؟ وكيف يورث أهل بيته الأدب الصالح والعلم النافع ؟ ! بل سيورثهم الأدب السيّئ ، ونتيجة ذلك وما يحصده هو دخول النار ، وبعبارة اُخرى : الشقاوة ، لأنّ الذين شقوا ففي النار هم فيها خالدون ، كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد : ( فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ )(۲) .

أمّا المؤمن بالله ورسله واليوم الآخر فإنّه لا يزالـ وهذا يعني الاستمرار في العملـ يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح فيجمع شملهم حتّى يدخل الجميع الجنّة ، أي يسعدون في حياتهم وبعد مماتهم ، فإنّ الله سبحانه يقول : ( وَأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ )(۳) . فالأدب يوجب السعادة في الدنيا والآخرة .

۴ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام) : لمّا نزلت هذه الآية الشريفة : ( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنفُسَكُمْ وَأهْلِيكُمْ نَاراً )(۴) قال الناس : كيف نقي أنفسنا وأهلنا ؟ قال : اعملوا الخير وذكّروا به أهليكم وأدّبوهم على طاعة الله(۵) . فالإنسان عليه أن يبدأ بنفسه أوّلا فيعمل الخير ، ومن ثمّ يذكّر أهل بيته بالخيرات والإحسان ، ويؤدّبهم على طاعة الله ورسوله وعترته (عليهم السلام) . واُولى الطاعات الصلاة ، فإنّها عمود الدين ، إن قبلت قُبل ما سواها ، وإن رُدّت رُدّ ما سواها ، وهي قربان كلّ تقيّ ، ومعراج المؤمن ، والفارق بينه وبين الكافر .

۵ـ يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : علّموا أولادكم الصلاة إذا بلغوا سبعاً ، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً ، وفرّقوا بينهم في المضاجع .

۶ـ يقول أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : أدّب صغار أهل بيتك بلسانك على الصلاة والطهور ، فإذا بلغوا عشر سنين فاضرب ولا تجاوز ثلاثاً .

۷ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام) : يؤدّب الصبيّ على الصوم ما بين خمسة عشر سنة إلى ستّ عشر سنة . هذا في الاُمور العبادية ، وأمّا التي فيها بذل المال:

۸ـ فإنّ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول : مُر الصبيّ فليتصدّق بيده بالكسرة والقبضة والشيء ، وإن قلّ ، فإنّ كلّ شيء يراد به الله وإن قلّ بعد أن تصدق النيّة فيه عظيم(۶) . والعمدة في التربية والتعليم أن تؤدّب صغار أولادك على توحيد الله ونفي الشرك ، ولو بكلمة التوحيد .

۹ـ فعن الصادقين (عليهما السلام) قالا : إذا بلغ الغلام ثلاث سنين أي بعد إكمال السنتين فقل له سبع مرّات : قل : لا إله إلاّ الله ، ثمّ يترك حتّى يتمّ له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوماً فيقال له : قل ( محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ) سبع مرّات ، ويترك حتّى يتمّ له أربع سنين ، ثمّ يقال له سبع مرّات : قل ( صلّى الله على محمّد وآل محمّد ) ، ثمّ يترك حتّى يتمّ له خمس سنين ، ثمّ يقال له : أيّهما يمينك وأ يّهما شمالك ، فإذا تمّ له ستّ سنين يقال له : صلِّ ، وعُلّم الركوع والسجود حتّى يتمّ له سبع سنين ، فإذا تمّ له سبع سنين قيل له : اغسل وجهك وكفّيك ، فإذا غسلهما قيل له : صلِّ ، ثمّ يترك حتّى يتمّ له تسع ، فإذا تمّت له عُلِّم الوضوء وضُرب عليه ، وعُلِّم الصلاة وضُرب عليها ، فإذا تعلّم الوضوء والصلاة غفر الله تعالى لوالديه(۷) .

۱۰ـ وقال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : علّموا صبيانكم الصلاة ، وخذوهم بها إذا بلغوا الحلم … بل يستحبّ الأذان فى اُذن اليمنى للمولود الجديد ، كما يُستحبّ الإقامة في اليسرى ، وهذا يعني أ نّه من اليوم الأوّل إنّما يطرق سمعه كلمات التوحيد والشهادتين والصلاة والفلاح وخير العمل .

۱۱ـ عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : من وُلد له مولود فليؤذّن في اُذنه اليمنى ويقيم في اليسرى ، فإنّ ذلك عصمة من الشيطان ، وأنّه (صلى الله عليه وآله)أمر أن يفعل ذلك بالحسن والحسين (عليهما السلام) ، وأن يقرأ مع الأذان في اُذنهما فاتحة الكتاب ، وآية الكرسي ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص ، والمعوّذتان(۸) .

۱۲ـ وقال (صلى الله عليه وآله) : يا عليّ ، إذا وُلد لك غلام أو جارية ، فأذّن في اُذنه اليمنى ، وأقم في اليسرى ، فإنّه لا يسرّه الشيطان أبداً(۹) . ولا ينحصر التأديب وآثاره المادية والمعنوية الدنيوية والاُخروية بالأولاد الذكور ، بل وكذلك البنات .

۱۳ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : من كانت له ابنة فأدّبها وأحسن أدبها ، وعلّمها فأحسن تعليمها ، فأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له منعةً وستراً من النار(۱۰) .

وعلى الآباء والاُمّهات أن يتحمّلوا ويصبروا على شيطنة وأذى أطفالهم قبل بلوغهم ستّ سنوات كما ورد في الخبر الشريف :

۱۴ـ عن الحسن الطبرسي في مكارم الأخلاق نقلا عن كتاب المحاسن عنه (عليه السلام) قال : احمل صبيّك حتّى يأتي عليه ستّ سنين ، ثمّ أدّبه في الكتاب ستّ سنين ، ثمّ ضمّه إليك سبع سنين فأدّبه بأدبك ، فإن قبل وصلح ، وإلاّ فخلّ عنه .

۱۵ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام) : دع ابنك يلعب سبع سنين ، ويؤدّب سبع ، وألزمه نفسك سبع سنين ، فإن أفلح ، وإلاّ فإنّه لا خير فيه .

۱۶ـ وفي حديث آخر ، قال (عليه السلام) : أمهل صبيّك يلعب حتّى يأتي له ستّ سنين ، ثمّ ضمّه إليك سبع سنين ، فأدّبه بأدبك فإن قبل وأفلح وصلح ، إلاّ فخلِّ عنه فإنّه لا خير فيه .

۱۷ـ وعنه (عليه السلام) أ نّه قال : الغلام يلعب سنين ، ويتعلّم سبع سنين ، أو يتعلّم الحلال والحرام سبع سنين .

۱۸ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أ نّه قال : يُرَفّ ـ أي يحسن إليه ـ الصبيّ سبعاً ، ويؤدَّب سبعاً ، ويستخدم سبعاً ، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة ، وعقله في خمس وثلاثين ، وما كان بعد ذلك فبالتجارب .

۱۹ـ عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أ نّه قال : يستحبّ غرامة الصبيّ في صغره ليكون حليماً في كبره .

۲۰ـ عن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام أ نّه قال : أدّب اليتيم ممّا تؤدّب به ولدك ، واضربه ممّا تضرب به ولدك .

وفي هذا الخبر الشريف حكمة بالغة ، فإنّ اليتيم وإن كان يفتقر إلى حنان الأب ، واللطيم إلى حنان الاُمّ ، إلاّ أنّ هذا لا يعني أن يهمل تربيته وتأديبه من قبل وليّ أمره ، أو معلّمه ، أو من يتولّى تربيته وتعليمه من أقاربه .

۲۱ـ روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أ نّه قال : ثمانية أشياء من كُنَّ فيه أدخله الله الجنّة ونشر عليه الرحمة ، منها : وحسن تربية ولده .

۲۲ـ وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أ نّه قال : ما نحل والدٌ ولداً نحلا أفضل من أدب حسن .

۲۳ـ وعن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال : لأن يؤدّب الرجل ولده خيرٌ له من أن يتصدّق كلّ يوم بنصف صاع .

۲۴ـ وقال (صلى الله عليه وآله) : رحم الله عبداً أعان ولده على برّه بالإحسان إليه والتآلف له وتعليمه وتأديبه .

۲۵ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : الولد سيّد سبع سنينـ يعني حكمه حكم السيّد يفعل ما يريدـ وعبد سبع سنين ـ أي عليه أن يطيع مولاه ومؤدّبه وهو الوالد المعلّم الأوّل وكذلك الاُمّ المدرسة الاُولى ـ ووزير سبع سنين ـ أي يرافق والده ويعينه ويؤازره كما أنّ الوالد يستشيره كما يستشار الوزير ـ فإن رُضيت ـ بعد ۲۱ سنة من عمره ـ خلائقه لإحدى وعشرين سنة ، وإلاّ فاضرب على جنبيه ـ أي اتركه فقد أدّيت مسؤوليّتك وحقوق الولد وعملت بوظيفتك ـ فقد أعذرت إلى الله ـ أي كان لك عذراً عند الله سبحانه ـ .

وهذا الحديث الشريف يعدّ من جوامع الكلم ، كما ثبت في علم النفس الحديث صدقه ، فإنّ علماء النفس قرّروا في تربية الأولاد باعتبار سنّهم وأعمارهم أدواراً ولكلّ دور خصائصه كما ورد في الحديث الشريف . ثمّ لا بدّ من تأديب الأولاد على الحبّ والمودّة :

۲۶ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أدّبوا أولادكم على حبّي وحبّ أهل بيتي والقرآن .

۲۷ـ وعنه (صلى الله عليه وآله) : أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال : حبّ نبيّكم ، وحبّ أهل بيته ، وقراءة القرآن ، فإنّ حملة القرآن في ظلّ الله يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه مع أنبيائه وأصفيائه(۱۱) .

ثمّ من الأدب في تأديب الأولاد أن تعاملهم بلطف وحنان ومحبّة وتشويق لا بالغلظة والقسوة والغضب ، بل كما قال الإمام الكاظم (عليه السلام) :

۲۸ـ قال بعضهم : شكوت إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) ابناً لي ، فقال : لا تضربه واهجره ولا تطل . وفي رواياتنا إنّما الهجران والمتاركة من أجل التربية لا تزيد عن ثلاثة أيام ، حتّى لو أردت هجران صديقك أو زوجتك أو أخيك إذا كان الهجران من عوامل التربية ، وذلك لكي يتنبّه على الخطأ الذي صدر منه مثلا ، فلا يحقّ لك أن تزيد الهجرة عن ثلاث أيام ، فإنّها تكون حينئذ لميل نفسك ورغبتك ، لا لله سبحانه ، ولا يتوخّى فيما زاد على الثلاث التربية الصالحة ، بل ينعكس الأمر ، ويزيد في الطين بلّة ، كما نشاهد ذلك بالوجدان .

فمن أراد أن يؤدّب ولده بالهجرة فلا يطيلها ، كما لا يضربه إلاّ للصلاة وذلك لا يزيد عن الثلاث أيضاً كما ورد في الخبر ، فتدبّر فإنّ كثيراً من الآباء والاُمّهات إنّما يضربون أولادهم تشفّياً ولإخماد نار غضبهم وحسّ انتقامهم ، فيوجعون في الضرب ويؤلمون في العتاب والتنبيه حتّى الطفل ، محتجّين بأنّهم يبغون بذلك تربيته ، إنّما ذلك كذب وافتراء ، وما يخدعون إلاّ أنفسهم .

۲۹ـ وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الأدب عند الغضب ، وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : لا أدب مع غضب .

۳۰ـ وقال (عليه السلام) : أحسن لمماليكك الأدب ، واقلل الغضب ، ولا تكثر العطب ـ أي العتاب ـ في غير ذنب ، فإذا استحقّ أحد منك ذنباً ، فإنّ العفو مع العدل أشدّ من الضرب لمن كان له عقل .

۳۱ـ وقال (عليه السلام) : لا تكثرنّ العتاب فإنّه يورث الضغينة ، ويدعو إلى البغضاء(۱۲) . وهذا يدلّ على أنّ عملية التشويق أفضل من التقريع والعتاب .

۳۲ـ قال (عليه السلام) : استصلاح الأخيار بإكرامهم ، والأشرار بتأديبهم .

۳۳ـ وقال (صلى الله عليه وآله) : أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم يغفر لكم … (۱۳) . ومن الإكرام أن تفي بما وعدته ما دام لم يكن فيه خلاف الشرع المقدّس :

۳۴ـ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أحبّوا الصبيان وارحموهم ، وإذا وعدتوهم شيئاً ففوا لهم ، فإنّهم لا يرون إلاّ أنّكم ترزقونهم(۱۴) .

۳۵ـ عن الصيداوي قال : قال لي أبو الحسن موسى (عليه السلام) : إذا وعدتم الصبيان ففوا لهم ، فإنّهم يرون أنّكم الذين ترزقونهم ، إنّ الله عزّ وجلّ ليس يغضب لشيء كغضبه للنساء والصبيان . ومن الإكرام : المساواة ورعاية العدالة بين الأولاد .

عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : إنّ رسول الله أبصر رجلا له ولدين قبّل أحدهما وترك الآخر ، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : فهلاّ واسيت بينهما(۱۵) .

وخلاصة الكلام : لا بدّ من إكرام الأولاد بكلّ مصاديق الكرم والكرامة والإكرام ، إلاّ أ نّه في مقام التربية والتأديب ربما يستلزم الأمر التنبيه والإيلام . فيلزم أن يعطى كلّ واحد ما يستحقّه وما ينفعه في مقام التأديب ، فإنّ تأديب الأخيار بالإكرام ، والأشرار بالإيلام .

۳۶ـ في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر يقول : لا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإنّ في ذلك تزهيد لأهل الإحسان في الإحسان وتدريب لأهل الإساءة ، فالزم كلا منهم ما ألزم نفسه أدباً منك . وهذا معنى عامّ في عالم التربية والتعليم والتأديب ، فالأب لا بدّ أن يعرف روحيّات أولاده ، ويداوي كلّ واحد بما ينفعه من الدواء ، فبعض الأولاد حباهم الله سبحانه بأذهان حرّة فتكفيهم الإشارة .

۳۷ـ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : إنّ العاقل يتّعظ بالأدب ، والبهائم لا تتّعظ إلاّ بالضرب .

۳۸ـ وقال (عليه السلام) : لا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إلاّ إذا بالغت في إيلامه ، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب ، والبهائم لا تتّعظ إلاّ بالضرب .

۳۹ـ وقال (عليه السلام) : إذا لوّحت للعاقل فقد أوجعته عتاباً ، عقوبة العقلاء التلويحـ أي الإشارةـ وعقوبة الجهّال التصريح ، التعريض للعاقل أشدّ من عتابه ، ازجر المسيء بثواب المحسن . فإذا أحسن واحد من أولادك فأكرمه ، فإنّ إكرامك إيّاه يكون زجراً وردعاً للمسيء منهم .

۴۰ـ قال (عليه السلام) : أصلح المسيء بحسن فعالك ، ودلّ على الخير بجميل مقالك .

۴۱ـ وقال (عليه السلام) : عاتب أخاك بالإحسان إليه ، واردد شرّه بالإنعام عليه(۱۶) .

فهذه اُصول تنفع كلّ من يتّخذها وسيلة في مقام التأديب ، سواء الولد أو التلميذ أو العامل أو الجندي أو الموظّف أو أيّ شخص كان . ثمّ من لم يؤدّبه الأبوان أدّبه الزمان ، فإنّه يرى من المصائب والعبر والمشاكل في حياته توجب عبرته وتأدّبه ، كما أنّ الله يؤدّب عباده .

۴۲ـ قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) : إنّ البلاء للظالم أدب ، وللمؤمن امتحان ، وللأنبياء درجة ، وللأولياء كرامة .

۴۳ـ والإمام الحسن (عليه السلام) في مناجاته يقول : اللهمّ لا تستدرجني بالإحسان ، ولا تؤدّبني بالبلاء .

۴۴ـ والإمام العسكري (عليه السلام) يقول : ربما كان الغِير نوع من أدب الله .

۴۵ـ وزين العابدين في مناجاته يدعو ربّه : إلهي لا تؤدّبني بعقوبتك ، ولا تمكر بي في حيلتك(۱۷) . فالأدب شيء جميل ، وإنّ الله جميل ويحبّ الجمال ، فلا ريب أ نّه يحبّ الأدب ويدعو إليه ، فهو المؤدّب الأوّل ، قد بعث الأنبياء وأرسل الرسل وأنزل الكتب ليؤدّبوا الناس بالآداب الإلهيّة ، ويعدونهم إلى الصراط المستقيم ، وليقيموا بالقسط والعدالة الاجتماعية . فأولى الناس بالله ورسله أوّلا هو أنا وأنت لقوله تعالى : ( قُوا أنفُسَكُمْ ) .

ثمّ الأهل والأولاد : ( وَأهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ )(۱۸) . فتعالوا لنؤدّب أنفسنا وأهلينا وأولادنا بآداب الله ـ كما في القرآن الكريم ـ وآداب الرسول الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) ـ كما في سننه الشريفة ـ وبآداب الأئمة الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام) ـ كما في أحاديثهم الشريفة وسيرتهم المقدّسة ـ ثم نقتدي بهدي وآداب وعلم العلماء الصلحاء فإنّهم ورثة الأنبياء ، فنتبع الأمثل فالأمثل ، ومن صدّق قوله فعله ، الذي يخشون الله ويخافونه : ( إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ )(۱۹) .

في رحاب دعاء الإمام السجّاد (عليه السلام) لولده

تعالوا أيّها المؤمنون لنستلهم الأدب والتأديب من مدرسة الإمام السجّاد (عليه السلام) على مجلس ومائدة ( الصحيفة السجّادية ) ، ونروي الظمأ من منهل مولانا الإمام زين العابدين وسيّد الساجدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام) ، فما أروع ما يقوله وهو يدعو لولده : « اللهمّ ومُنَّ عليَّ ببقاء ولدي ، وبإصلاحهم لي ، وبإمتاعي بهم »

وهذا يعني تأثير الدعاء في تربية الأولاد وتأديبهم . ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ )(۲۰) .

فإنّ الدعاء مخّ العبادة ومفتاح كلّ صلاح ، وإنّه القرآن الصاعد من العبد إلى ربّه ، كما أنّ كتاب الله هو القرآن النازل من الله إلى عباده ، وإنّه إمّا قرآن صامت لو أنزلناه على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله ، وإمّا قرآن ناطق وهو المعصوم (عليه السلام) ، أي النبيّ أو وصيّه وخليفته بالحقّ ، فهو شريك القرآن الكريم في هداية الناس وسعادتهم .

فالدعاء هو القرآن الصاعد ، وإنّ الله يستجيه لو صعد إلى عرشه في السماء السابع لعلوّ مقامه ، فهو العليّ الأعلى ، فإنّه في كلّ مكان ، وداخل في الأشياء لا كدخول شيء في شيء ، كما أنّه خارج عن الأشياء لا كخروج شيء عن الشيء ، فهو الحيّ القيّوم جلّ جلاله ، فإنّه يستجيب الدعاء إذ وعدنا بذلك ، ولا يخلف وعده ، إلاّ أ نّه لا بدّ من صعود الدعاء ، وإليه يصعد الكلم الطيّب والعمل الصالح يرفعه ، وإنّما يكون الصعود بالإخلاص وبحسن السريرة وبرّ الوالدين ، فالذي يستجيبه الله هو الدعاء الصاعد ما دام لم يُحبس .

فقد ورد في دعاء ( كميل ) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : « واغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء » . فمن الذنوب ما تحبس الدعاء ، فكيف يستجاب ؟ وقد ورد في الروايات أنّ من الذنوب الحابسة : خبث السريرة ، وعقوق الوالدين .

والإمام السجّاد زين العباد (عليه السلام) يدعو الله في صلاح وإصلاح أولاده ، وهذا يعني بوضوح أنّ الإنسان بوحده لا يستطيع أن يقوم بتأديب وتربية أولاده ، بل لا بدّ من يد غيبيّة تعينه على ذلك .

فيسأل الإمام المعصوم ربّه عزّ وجلّ :

أوّلا : أن يبقي ولده ويمدّ في أعمارهم ، فيتمنّى الوالد طول الحياة لولده ، لأ نّه امتداد لوجوده وعمره وذكره ، فإنّ من غرائزه حبّ البقاء ، فتلبيةً لهذه الغريزة يحبّ بقاء الولد .

وثانياً : « وبأصلاحهم لي » فاجعلهم من أهل الإيمان والصلاح والإصلاح ، حتّى يعبدونك شاكرين ، ويسمعوا منّي غير عاصين ، فاُسعد بهم وبصلاحهم ، فإنّ من سعادة المرء الولد الصالح يستغفر لأبيه .

وثالثاً : « وبإمتاعي بهم » فأتمتّع وأتقوّى بهم في حياتي ، ولا سيّما في شيخوختي ، ويخدموني في ضعفي ومرضي وسقمي وعجزي .

ثمّ يسأل (عليه السلام) مرّة اُخرى ليدلّ على أهمّية هذا الدعاء والطلب : « إلهي اُمدد لي في أعمارهم وزِد لي في آجالهم » فلا تقبضهم قبل الأجل المحتّم ، فاحفظهم من آجالهم المعلّقة ، وأوصل قطار عمرهم بسلام ، لا سيّما في محطّات الموت ، وهي الآجال المعلّقة ، والدعاء يردّ القضاء المبرم ، فأسأل الله أن يردّ ما قضاه على أولادي من أن يدركهم الموت في آجالهم المعلّقة ، بل يصلوا بسلام وعافية إلى آخر محطّة من حياتهم ، وإلى الأجل المسمّى والأخير .

ورابعاً : « وربِّ لي صغيرهم » فإنّ الصغير يحتاج إلى التربية في جسده وروحه وعقله ، فأنت يا ربّ تكفّل تربيتهم في صغرهم ، فإنّ التربية والتعليم في الصغر كالنقش في الحجر ، يبقى آثاره إلى الكبر وحتّى الموت ، فاُسعد بهم ، فمدّني ـ يا الله ـ بالعون في فضلك على تربيتهم تربية صالحة نافعة في الدنيا والآخرة .

وخامساً : « وقَوِّ لي ضعيفهم » فإنّ بعض أولادي ضعفاء في العقيدة وفي الروحيّات والمعنويّات وفي الجسد ، فأسألك يا ربّ أن تقوّيهم وترفع ضعفهم ، بل تبدّلها بالقوّة والنشاط والسلامة والعافية ، فيكونوا بالكامل أصحّاء أقوياء ، وأبرار أتقياء ، فلا يحقّ للوالد أن يهمل شأن أولاده بالمرّة ، ويترك تدبيرهم لله ، بل معناه أن يأخذ للأمر استعداده واُهبته من أجلهم ، ويكافح بلا ملل ولا تعب ، ويسعى بين الصفا والمروة في تربيتهما ، كما سعت هاجر بين الصفا والمروة من أجل ولدها إسماعيل (عليه السلام) . ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ )(۲۱) .

فلا بدّ من العمل ، ولا يصحّ الاتّكال على الله بمجرّده ، بل كما ورد : « منك الحركة ومن الله البركة » ، وعن الرسول (صلى الله عليه وآله) : « أعقلها وتوكّل »، وإنّ الله أمرنا بالتوكّل عليه في العمل لا في البطالة والكسل ، فتربية الأولاد ـ بل وكلّ تربية ـ إنّما هي من صنع الإنسان ، ولها اُسس وقواعد ونظام خاصّ تماماً كأيّ صناعة وفنّ وعلم آخر ، والعبد إنّما يسأل ربّه أن يمهّد له مقدّمات العمل ، والسبيل إلى التنفيذ والقيام بما فرضه عليه من تربية الأولاد والعناية بهم والكدح من أجلهم .

وسادساً : « وأصحّ لي أبدانهم وأديانهم وأخلاقهم » فإنّ من أعظم النعم الإلهيّة الصحّة ، وإنّها مجهولة القدر ، فأسأل الله ربّي أن يصحّ أبدان أولادي كما يصحّح عقائدهم وأديانهم وما يدينونه من الإيمان بالمبدأ والمعاد وما بينهما ، كما يصحّح أخلاقهم ، فيزيل عنهم الصفات الرذيلة ويحلّيهم بالأخلاق الفاضلة والسجايا الحميدة ، ويجلّيهم في مكارم أخلاقهم وفضائلها .

وسابعاً : « وعافهم في أنفسهم وفي جوارحهم وفي كلّ ما عُنيت به من أمرهم » ومن أعظم النعم وآلاء الله العافية ، عافية الدين والدنيا والآخرة ، فأسأل الله لأولادي العافية في أنفسهم ثمّ في جوارحهم وجوانحهم ـ وهي الأعضاء الباطنية أو ما وراء الأعضاء الجوارحيّة ـ بل أسأل الله العافية في كلّ ما عنيت به من أمر أولادي ، فهناك واجبات وحقوق بالنسبة إليهم وإنّ الله قصدني وعناني بهذه الحقوق ، فأسأله أن يعافيني في كلّ ما عنيت بكلّ ما عنيت من أمر أولادي .

وثامناً : « وأدرر لي وعلى يدَيَّ أرزاقهم » الرازق ذو القوّة المتين هو الله جلّ جلاله ، إلاّ أ نّه في إيصال الرزق جعل وسائطاً وأسباباً ووسائل ، ومن خدمة الله في إيصال الرزق هو الوالد ، فيسأل الأب من ربّه أن يكون رزق أولاده على يده دارّاً وكثيراً ، حلالا وطيّباً ووسيعاً ، فيدرّ الرزق كما يدرّ اللبن من ثدي الاُمّ بحلاوة وهناء وعافية ، فأدرر على يديَّ أرزاق أولادي ما داموا صغاراً وأطفالا ، وحتّى إذا بلغوا أشدّهم وسعوا في الأرض وأكلوا من كدّ يمينهم وعرق جبينهم .

وينبغي للإنسان أن لا يترك عياله واُسرته ، بل يجب عليه نفقتهم وإعالتهم من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والرفاه المتناسب مع شأنهم وحالهم ، ويحترز من أن يتركهم أيتاماً بلا مال ولا كفيل ولا وصي . « إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفّفون الناس » .

ومن الجهل بالله وبدينه وسننه أن يترك العلاج للشفاء والسعي للرزق بزعم أنّ الله قد تكفّل ذلك بمجرّد أن يتوكّل عليه ، فإنّه سبحانه هو الذي يشفي المريض ويرزق العباد ، وهذا ما لا ريب فيه ، إلاّ أ نّه أيضاً أمرنا بالعمل والسعي والعلاج ، وليس للإنسان إلاّ ما سعى ، فأسأل الله أن يجعل رزق أولادي على يدي دارّاً كما يدرّ اللبن ، وينزل بهناء وعافية بنشاط دؤوب وعمل متواصل .

وتاسعاً : « واجعلهم أبراراً أتقياء بصراء سامعين مطيعين لك » « ولأوليائك محبّبين مناصحين ولجميع أعدائك معاندين ومبغضين . آمين » فإنّ المقصود من الأدب والتربية أن يكون الولد من الأبرار الأخيار ومن الأتقياء ، ذي بصيرة نافذة ، إذا مسّه طائف من الشيطان تذكّر فإذا به يبصر ويتّقي الله في الخلوات والجلوات ، وليس على سمعه وبصره غشاوة الغفلة والذنوب ، بل يسمع الحقّ وكلماته ، ويطيع أوامر الله ونواهيه ، ثمّ يأخذ بما جاء من أولياء الله ، فإنّهم اُولي الأمر ولا بدّ من إطاعتهم وحبّهم وقبول نصيحتهم .

كما لا بدّ من الولاء والبراء ، فإنّ التولّي والتبرّي من فروع الدين ، وهل الدين إلاّ الحبّ والبغض ، فأسأل الله سبحانه أن يكون أولادي من أهل الولاية لله ولرسوله وأهل بيته أولياء الله (عليهم السلام) ، كما يكونوا أعداء لأعداء الله ويبغضونهم ويتبرّون منهم قولا وعملا ، باللعن عليهم وخصمهم ومحاربتهم ، وهذا يعني تعليم وتربية الأولاد على الولاء والبراءة ، فإنّهما جناحان يطير بهما الإنسان حتّى يحلّق في سماء المكارم ، فلا بدّ من الرفض والإثبات كما في كلمة التوحيد « لا إله إلاّ الله » ، فالموحّد من يوالي ربّه وما أمر الله بموالاته ، ويعادي أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أوليائه .

وعاشراً : « اللهمّ اشدد بهم عضدي ، وأقم بهم أودي » « وكثّر بهم عددي ، وزيّن بهم محضري ، وأحيي بهم ذكري » « واكفني بهم في غيبتي ، وأعنّي بهم على حاجتي » هذه من أهداف رغبة الإنسان في اتّخاذ الأولاد وطلبهم وحبّهم ، وهي نتائج الدعاء الأوّل ، فإنّ الولد الصالح تتمثّل أهداف الأب فيه ، وهذا يعني أنّ الولد عليه أن يراعي هذه الاُمور أيضاً بأن يشدّ عضد أبيه ، والعضد هو الساعد ، وهو من المرفق إلى الكتف ، والمراد به هنا القوّة والمساعدة فهو من الكناية والمجاز .

قال سبحانه : ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ )(۲۲) ; أي يساعدك ويعينك في الحياة وفي مسؤوليّاتك ، فأسأل الله أن يشدّ بأولادي عضدي ، أي يساعدونني على مشاكل الحياة وصعوباتها وتحمّل مرارتها ومشقّاتها ، ويقيم بهم أوديـ والأود الثقل والحمل ، قال عزّ من قائل : ( وَلا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا )(۲۳) أي يثقله حفظهما ـ فعلى الولد أن يكون حاملا أثقال الوالد ، أي ما يثقل على أبيه من عمل أو حركة أو أيّ شيء آخر .

ثمّ المطلوب من الولد الصالح والفاهم أن يكثر عون الوالد ، فيكون جنباً إلى جنبه ، والوالد يطلب من ربّه أن يكثر بأولاده عدده ، كما يزيّن بهم محضره ، أي يكون الأولاد زينة الآباء والاُمّهات ، فيفتخرون بهم ويحسّون باعتزازهم ، بل الوالد يحبّ أن يذكر بعد موته بأفعال ولده الصالحة والطيّبة ، فإنّ الولد الصالح عندما يفعل خيراً وإحساناً وبرّاً في المجتمع يتذكّر الناس أبيه فيترحّمون عليه ، فيكون الولد بعمله الصالح وعلمه النافع وفنّه الجميل سبباً لأن يتذكّر الناس والده ، فيبقى الوالد حيّاً في المجتمع وإن كان جسده تحت التراب ، فهو حيّ بذكره بين الناس من خلال ولده ، وهذا من سعادة الإنسان ، كما أنّ من سعادته أن يشبهه ولده ، فبالشبه أيضاً الناس يتذكّرون الوالد فيترحّمون عليه ويترضّون عنه بقولهم : ( رحم الله والده ورضي الله عنه ) وما شابه ذلك .

ثمّ إذا غاب المرء فإنّه يحتاج إلى من يكفيه في غيبته في تمشية اُموره وقضاء حوائجه ، فمن أولى بذلك من أولادي ، فإنّهم قطعة كبدي وأقرب الناس إليّ ، فيطلب الوالد من ربّه أن يكفي بأولاده في غيبته ، كما على الأولاد أن يدركوا ذلك ويعرفوا أنّ من وظائفهم كفاية الوالد في غيبته .

وعلى الوالد أن يعلّم ويربّي ولده أ نّه كيف يكفيه في غيابه وسفره ويقوم مقامه في عمله وتجارته أو إدارته للبيت وما شابه ذلك . ثمّ الوالد يحبّ ولده على كلّ حال ، فإنّ محبّته له ذاتيّة ، إذ الولد قطعة من وجوده وفرع من أصله ، بل هو نفسه ولا عكس .

قال أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) لولده الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) : « وجدتك بعضي ، بل وجدتك كلّي ، حتّى لو أنّ شيئاً أصابك أصابني » . ولكنّ الولد كثيراً ما يحبّ الوالد لمصلحته ، وسرعان ما ينساه ، ويغفله ويهجره ويجعله في ( دار العجزة ) ليتخلّص منه ، إذ يراه مزاحماً له أو لزوجته ، فالوالد يطلب من الله أن يحبّه أولاده .

الحادي عشر : « واجعلهم لي محبّين ، وعليّ حديبين مقبلين مستقيمين » « لي مطيعين غير عاصين ولا عاقّين ولا مخالفين ولا خاطئين » فالمفروض من الأولاد أن يحبّوا آباءهم واُمّهاتهم ويشفقوا عليهم ( حدبين ) ـ أي مشفقين ـ ويقبلوا عليهم وعلى الصراط مستقيمين بلا اعوجاج ولا انحراف عنهم ، مطيعين لحوائجهم ورغباتهم وأوامرهم من دون معصيتهم ما داموا لم يطلبوا معصية الله ولم يأمروا بالشرك بالله ، أمّا ما دون الشرك وما دون الذنوب ، فعلى الأولاد إطاعة الآباء والاُمّهات مطلقاً ، وأن يقولوا لهما قولا كريماً ، وينظروا إليهم بنظرة رحيمة .

والولد إمّا نعيم ليس كمثله إلاّ الجنّة ، بل هو من الجنّة ، وإمّا جحيم دونه عذاب الحريق ونار جهنّم ، والويل والثبور لمن ابتلاه الله بولد عاقّ وامرأة سوء ، فإنّ من سعادة المرء الزوجة الصالحة والولد الصالح ، ومن شقاء المرء الزوجة السوء والولد العاقّ .

والوالد يدعو الله ويناشده في أنّ يمدّه ويسعده بأولاد يحبّهم ويحبّونه ، مطيعين له غير عاصين ولا عاقّين ولا مخالفين ولا خاطئين ، بل زينٌ له في محضره وحضوره وكفايةٌ له في غيابه وغيبته .

وفي الخبر الشريف : إنّ الله سبحانه رفع العذاب عن رجل أدرك له ولد صالح ، فأصلح طريقاً وآوى يتيماً . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : سبعة أشياء يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته :منها : وخلّف ولداً صالحاً يستغفر له بعد وفاته.

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) : ثمانية أشياء من كُنّ فيه أدخله الله تعالى الجنّة ونشر عليه الرحمة ، منها : وأحسن تربية ولده . وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : رحم الله ولداً أعان ولده على برّه . وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : ليس يتبع الرجل بعد موته إلى يوم القيامة من الأجر إلاّ ثلاث خصال ، منها : ولد صالح يستغفر له . وفي هذا الباب روايات كثيرة لم نطرق بابها طلباً للاختصار(۲۴) .

الثاني عشر : « وأعنّي على تربيتهم وتأديبهم وبرّهم » وهذا هو بيت القصيد ، فإنّ المطلوب من الوالد أن يحسن تربية أولاده وتأديبهم وبرّهم بأن يكون من الأبرار الأخيار الأتقياء الصلحاء ، إلاّ أ نّه ربما يعجز المرء عن ذلك ، بل لا بدّ من أن يشفع عمله بإمداد غيبي ، وينزل الرحمة الإلهيّة والعون الربّاني بالدعاء ، فيسأل الله أن يعينه على تربية الأولاد ، وإذا كان الإمام السجّاد (عليه السلام) يطلب من ربّه العون والمساعدة وأن يعينه على تربية أولاده ، فماذا نقول نحن ؟

وكيف لا ندعو ونطلب بإلحاح من الله سبحانه أن يعيننا على تربية أولادنا ـ ذكوراً وإناثا ًـ وتأديبهم وبرّهم ، والدعاء هو مفتاح كلّ صلاح وباب كلّ فلاح ، وإنّه سلاح الأنبياء والأولياء .

الثالث عشر : « وأعذني وذرّيتي من الشيطان الرجيم » فإنّ الشرور كلّها بوسوسة من الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء ، ولا بدّ للإنسان أن يستعيذ بربّه من شرّ الشيطان الرجيم الذي رجمه الله وأخرجه من جنّته بعد أن فسق عن أمر ربّه وخالفه واستكبر عن السجود لآدم (عليه السلام) . فالعبد الصالح يطلب من ربّه ويستعيذ به كما يعيذ ذرّيته ومن خرج من صلبه إلى يوم القيامة جيلا بعد جيل من الشيطان الرجيم ومن حزبه وأعوانه من الجنّ والإنس ومن وساوسه وإلقاءاته ووحيه . ( وَإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أوْلِيَائِهِمْ )(۲۵) .

ثمّ الإمام السجّاد (عليه السلام) يصف الشيطان وما يفعله في الإنسان إلاّ أ نّه في البداية يذكر خلقة الإنسان والهدف من الحياة قائلا : ( فإنّك خلقتنا وأمرتنا ونهيتنا ، فالغرض من خلقتنا سعادتنا والكمال والتكامل بإطاعة ما أمرتنا والانتهاء عمّا نهيتنا عنه ، ثمّ رغّبتنا في ثواب ما أمرتنا بما جاء في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة من نعيم الجنان وما فيها من الحور العين وما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين وما لم يخطر على قلب بشر كما خوّفتنا عن مخالفة أمرك ورهّبتنا عقابه فسبحانه خلق الإنسان ومنحه العقل والقدرة والحرّية ، وبهذه العناصر الثلاثة مجتمعة يستحقّ الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، ثمّ جعلت لنا عدوّاً ـ وهو الشيطان فإنّه عدوّ لكم ـ يكيدنا ، سلّطته منّا على ما لم تسلّطنا عليه منه ـ فإنّه يرانا ولا نراه ـ أسكنته صدورنا ـ الذي يوسوس في صدور الناس ـ وأجريته مجاري دماءنا وكأ نّما يسري في عروقنا مع دمائنا كما فعل بأبينا آدم (عليه السلام) عندما خلقته من ماء وتراب ـ لا يغفل الشيطان إن غفلنا ولا ينسى إن نسينا ، فهو دائماً لنا بالمرصاد .

ويكفي أن نغفل عن لحظة واحدة وإذا به يلقي شبائكه ومصائده ليصيدنا ويسرق قلوبنا التي كانت عرشك وحرمك فيوسوس إلينا ، يؤمّننا عقابك ـ أي يضمّني الأمن والأمان من غضبك وعذابك ـ ويخوّفنا بغيرك ، حتّى يتمهّد له الطريق أن يستحوذنا ويتسلّط علينا فيغوينا حتّ ينختار معصيتك على طاعتك ، والعياذ بالله ، إن هممنا بفاحشة شجّعنا عليها ، وإن هممنا بعمل صالح ثبّطنا عنه ، ولمثل هذا يقال : النيّة الاُولى من العبد إنّما هي من الله ، والثانية من الشيطان ، فإنّك عندما تسمع من يطلب المساعدة فتهمّ أن تساعده بإعطائك إيّاه مائة دينار ـ مثلا ـ فإذا لم تعطيه في اللحظة والنيّة الاُولى ، فإنّ المائة بعد برهة قصيرة ـ كنصف ساعة مثلا ـ تصير خمسين ديناراً ، ثمّ الخمسين تصير عشرة دنانير ، ثمّ ديناراً ، ثمّ بعد هذا تقول : لماذا أصرف المال على هذا الفقير ، وحتّى يصل الأمر أن تتّهمه وتسيء الظنّ به ، بأنّه ربما يكذب في مقولته .

وهذا من وساوس الشيطان ، فإنّه منعك من مائة دينار وأوصلك إلى المعصية والفحشاء وإساءة الظنّ ) . ثمّ يتعرّض لنا بالشهوات وينصب لنا بالشبهاتـ فإنّ الشبهة طعام إبليس وإنّ شرابه الشكّـ فينصب شبائكه بإلقاء الشبهات بأن يلبس الحقّ بالباطل والباطل بالحقّ في العقائد والأخلاق ، ويعدنا بشيء إلاّ أن يكذب في وعده ـ إن وعدنا كذبنا وإن منّانا أخلفنا ـ ( وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلاَّ غُرُوراً )(۲۶) ، فيا ربّ العالمين نحن عبادك الضعفاء ، وإلاّ تصرف عنّا كيده ومكره وحيله وحزبه وأعوانه وشروره فإنّه يضلّنا وإلاّ تَقِنا خباله وفساده وحبائله وشبائكه فإنّه يستزلّنا ويوقعنا بالزلل والخطايا ، فنصاب بزلّة الأقدام وننحرف عن الصراط المستقيم .

اللهمّ فاقهر ـ يا قهّار ـ سلطانه عنّا بسلطانك ، فإنّه أقسم بعزّتك أن يتسلّط علينا ، إلاّ أنّك أخبرته أنّه لا سلطان له على عبادك المقرّبين فنسألك أن نكون من اُولئك الذين لا سلطان للشيطان عليهم ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ )(۲۷) ، ( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي )(۲۸) ، اللهمّ فاقهر سلطانه عنّا بسلطانك حتّى تحبسه عنّا بكثرة الدعاء لك ، فإنّ الدعاء وكثرته قيود وسلاسل بيد الشيطان ورجله ، فنصبح من كيده من المعصومين بك ، فنعصم بعصمة الله ، ومن عُصم بعصمته كان من المفلحين الناجين المنجحين الطائعين الحامدين المستغفرين . فدعوناك بإلحاح وتوسّلنا بك بإكثار ووعدتنا الإجابة ، فاسجب دعاءنا وقرّبنا إليك .

اللهمّ اعطني كلّ سؤلي ومطلوبي وهو قضاء حوائجي جميعاً في الدنيا والآخرة ، قد أنزلتها بك دون سواك وأنت خير منزل به ، فهي في ساحة جودك وكرمك ، واقضِ لي حوائجي ولا تمنعني الإجابة وقد ضمنتها لي ، ولا تحجب دعائي عنك وقد أمرتني به ، وامنن عليَّ بكلّ ما يصلحني في دنياي واُخراي ما ذكرت منه كالأولاد الصالحين والإعانة على تربيتهم وتأديبهم ، وما نسيت أو أظهرت أو أخفيت أو أعلنت أو أسررت ، وهذا غاية همّة المؤمن وهمّه ، فهو الصلاح والإصلاح وعمل الخير في الدنيا والنجاة والخلاص في الآخرة .

واجعلني في جميع ذلك من المصلحين بسؤالي إيّاك المنجحين الناجحين بالطلب إليك ، فأسترشدك بدعائي بكلّ ما فيه صلاحي في الدنيا وفوزي في الآخرة ، غير الممنوعين بالتوكّل عليك ، فلا تمنعني من أن أتوكّل عليك فمن لي غيرك فأنت إلهي وربّي تسمع شكواي وتعلم ما في نفسي وتخبر حاجتي ، وتقدر على كلّ شيء ، فاجعلني من غير الممنوعين بالتوكّل عليك ، المعوّدين بالتعوّذ بك ، أي دائماً أعود ثمّ أعود لأتعوّذ بك من الشيطان ووساوسه وأعوانه من الجنّ والإنس ، وقد عوّدت الذين يتعوّذون بك ويلوذون أن لا تردّهم خائبين ، الرابحين في التجارة عليك ، ومن أربح تجارةً ممّن يتاجر مع الله سبحانه ، فمن عمل صالحاً خالصاً لوجه الله زاده الله من فضله ، المجارين بعزّك ، أي المحفوظين بعناية الله وحراسته بعينه التي لا تنام ، الموسّع عليهم الرزق الحلال من فضلك الواسع بجودك وكرمك ، المعزّين من الذلّ بك ، فمن أراد عزّاً بلا عشيرة وهيبةً بلا سلطان ، فليخرج من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته ، وكم من اُناس طلبوا العزّ بالنسب والمال والجاه والخداع والرياء فاتّضعوا وذلّوا ؟ ! !

والمجارين من الظلم بعدلك ، أي تجوّرنا وتحفّظنا من ظلم الظالمين بعدلك ، فأجرني بعدلك وقدرتك من كلّ ظالم وباغ وحسود وماكر ، والمعافين من البلاء برحمتك ، والمغنين من الفقر بغناك ، والمعصومين من الذنوب والزلل والخطأ بتقواك ، إنّ الله يزكّي الأنفس ، والموفّقين للخير والرشد والصواب بطاعتك ، فمن أطاع الله وفّقه الله للخير والرشد والصواب في أقواله وأفعاله الفرديّة والاجتماعيّة ، الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها ، والمؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال : توفيق من الله وقبول ممّن ينصحه وواعظ من نفسه فبوعظ داخلي وخارجي يترك الذنب ويحال بينه وبين المعاصي بقدرة الله ، والمُحال بينهم وبين الذنوب بقدرتك ، التاركين لكلّ معصيتك ، الساكنين في جوارك ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، أحياء عند ربّهم يرزقون ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .

ثمّ الإمام (عليه السلام) لا يسأل لنفسه وحسب بل يسأل لكلّ المسلمين والمؤمنين والمؤمنات ، وهذا يعني كما تحبّ لنفسك حبّ لأخيك ، فقال (عليه السلام) : « اللهمّ اعطنا جميع ذلك فتوفيقك ورحمتك وأعذنا من عذاب السعير ، واعطِ جميع المسلمين والمؤمنين والمؤمنات مثل الذي سألتك لنفسي ولوُلدي في عاجل الدنيا وآجل الآخرة » . فقوله (عليه السلام): « أعطنا جميع ذلك » إشارة إلى كلّ ما تقدّم من صحّة الأبدان والأديان ، إلى وفرة الأرزاق والسكنى في جوار الرحمن . فسأل لنفسه ولذويه وأهل التوحيد ، والمسلمون والمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى .

ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واحشرنا مع الأبرار ، يا عزيز ويا غفّار . وما توفيقنا إلاّ بالله ، عليه توكّلنا وإليه المآب . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .

ـــــــــــ

(۱) البحار ۱۳ : ۴۱۱ .

(۲) هود : ۱۰۶ .

(۳) هود : ۱۰۸ .

(۴) التحريم : ۶ .

(۵) مستدرك الوسائل ۲ : ۳۶۲ .

(۶) الروايات من ميزان الحكمة ۱ : ۷۴ ـ ۷۵ .

(۷) البحار ۱۰۴ : ۹۵ . مرآة الكمال .

(۸) المستدرك ۲ : ۶۱۹ ، الباب ۲۶ ، الحديث ۱ .

(۹) تحف العقول : ۱۱ .

(۱۰) ميزان الحكمة ۱ : ۷۴ .

(۱۱) البخاري ۴ : ۱۸۱۹ / ۴۵۴۱ ، والترمذي ۵ : ۳۷۷ ، وابن حنبل ۱ : ۶۱۴ ، وإحقاق الحقّ ۳ : ۳ .

(۱۲) الروايات من ميزان الحكمة ۱ : ۷۶ .

(۱۳) المستدرك ۲ : ۶۲۶ ، الباب ۶۳ . ومرآة الكمال : ۲۹ .

(۱۴) مرآة الكمال : ۲۷ .

(۱۵) الجعفريّات : ۱۸۹ ، باب في المعروف .

(۱۶) المصدر : ۷۹ .

(۱۷) المصدر : ۷۹ .

(۱۸) التحريم : ۶ .

(۱۹) فاطر : ۲۸ .

(۲۰) الفرقان : ۷۷ .

(۲۱) التوبة : ۱۰۵ .

(۲۲) القصص : ۳۵ .

(۲۳) البقرة : ۲۵۵ .

(۲۴) الأثر الخالد في الولد والوالد ( الطبعة الاُولى ۱۴۱۱ ) : ۶۶ .

(۲۵) الأنعام : ۱۲۱ .

(۲۶) النساء : ۱۲۰ .

(۲۷) سبأ : ۱۳ .

(۲۸) الفجر : ۲۹ .