قدم صدق

“وثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين” من زيارة عاشوراء

* إن عبارة “قدم صدق” في زيارة عاشوراء هي كنظيراتها التي وردت في القرآن الكريم واﻷدعية والزيارات، ومنها قوله تعالى : “وجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاًً”. ومعنى القدم هنا هو اﻹقدام، فاﻹنسان عندما يقدم على أي عمل يقوم عادة بتحريك قدميه ورفعهما أولاً. وهذه الفقرة من زيارة عاشوراء تشير إلى أن بعض اﻷقدام هي أقدام كذب، وإن ادّعى أصحابها بأنها في سبيل اﻹمام الحسين (ع). لقد خرج مع اﻹمام الحسين (ع) إلى كربلاء اﻷلوف، ولكن لم يبقَ معه إلى يوم العاشر من المحرم ليضحّي بنفسه في سبيل نصرة الإمام إلاّ قليل كزهير بن القين (رضوان الله تعالى عليه). وقد كان عمل زهير هذا مصداقاً لـ(قدم صدق)، وكان عمل الذين تركوا اﻹمام الحسين (ع) مصداقاً لـ(قدم كذب)، ﻷنه لو كانت أقدامهم أقدام صدق لبقوا مع اﻹمام الحسين (ع) ونصروه، لينالوا بذلك السعادة اﻷبدية. لقد قام بعض الأشخاص على مرّ التاريخ وفي سبيل اﻹمام الحسين (ع) بأعمال كانت بالظاهر حسنة، ورغّبوا اﻵخرين، وشجّعوهم على إحياء الشعائر الحسينية ونشرها وتوسيعها، بل بعضهم شارك في مراسم العزاء، لكنهم بعد فترة غيّروا طريقتهم، وبدؤوا يعترضون على الشعائر الحسينية ويحاربونها ويعرقلونها، ومنهم رضا بهلوي (والد الشاه المقبور). فهذا الرجل في بداية سيطرته على الحكم كان يشجّع على إقامة الشعائر، وكان يحضر في مراسم العزاء، وأنا شخصياً رأيت صورة عن مشاركته في مراسم العزاء الحسيني في إحدى الصحف اﻹيرانية ذلك الحين. لكنه بعد أن استتبّ حكمه شرع في محاربة الشعائر الحسينية ومنعها والصدّ عنها. ونقل كبار السنّ عن أوضاع ذلك الزمان أن شرطة البهلوي فرضت غرامة مالية كبيرة على كل من يقيم مجلس العزاء وعلى الخطيب، وفرضت غرامة مالية أيضاً وبنسبة أقلّ على المشاركين في مجالس العزاء، وكانوا يبطلون إذن عمل كثير من الكسبة (بسبب مشاركتهم في تلك المجالس). وانتهج أوباش الحزب العفلقي في العراق النهج نفسه وزادوا على البهلوي بأنهم قمعوا واضطهدوا كل المعزّين الحسينيين، بل منعوا من الذهاب إلى زيارة الإمام الحسين (ع) مشياً على الأقدام، وقتلوا الكثير منهم وهم في طريقهم إلى كربلاء المقدسة.

* من المناسب أن نقيّم أعمالنا ونرى ما لمجالس العزاء والحزن على مصاب أهل البيت (ع) من ثواب من خلال ما ورد في ذلك عن الإمام المعصوم (ع)، ففي رواية عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنّه قال: “نَفَسُ المَهموم لِظُلْمِنا تَسْبيحٌ، وَهَمّهُ لَنا عِبادَة”. وإنّكم تحملون في داخلكم همّاً عظيماً بسبب ما لحق الإمام الحسين (ع) من ظلم وإجحاف، إذن أنفاسكم كلها تسبيح، تسجّلها الملائكة لكم في صحيفة أعمالكم، ففي كل نفس يكتب لكم قول سبحان الله. كما إن حزنكم عبادة لكم، وبالإضافة لهذين الثوابين هناك ثواب عظيم آخر لكم هو خدمتكم في هذا الطريق. لذا، فمن يتحمّل مشاقَّ وأعباءً أكثر، ويضع راحته وسهره في خدمة الإمام الحسين (ع)، بطبيعة الحال له أجرٌ أعظم، فالله تعالى قد أكرم الإمام الحسين (ع) بقائمة طويلة من الامتيازات، وعلى هذا الأساس، أولئك الذين يتحمّلون قسطاً أكبر من الشدائد والصعاب سيغبطهم غيرهم، ويتحسرون على ما سبقوهم إليه. وفي الحقيقة، إنّ مثل الآخرة كمثل أسواق الدنيا، من يعمل ويكدّ أكثر، يكون ربحه في نهاية الموسم أكبر، ومن كان عمله أقلّ كان ربحه – بطبيعة الحال – أقلّ من غيره، مع فارق واحد وهو أنّ كلّ ما يجمعه الإنسان في سوق الدنيا قلّ أو كثر هو سراب، بينما خدمته لسيد الشهداء (ع) هي الثروة الحقيقية، وهو ما يتجمّع له من الذخر الذي يستطيع الإنسان أن يأخذ معه لآخرته، بينما لا يستطيع المرء أن يشتري بأموال الدنيا الزائلة حتى حسنة واحدة. يقول سيّد الشهداء (ع) مخاطباً أصحابه: “الدُّنْيا حُلْوُها وَمُرُّها حُلم”. فأحياناً يرى الإنسان أحلاماً سعيدة، لكن ما إن يصحو من نومه حتى يتحسّر على كونها مجرّد أحلام، وكذلك الحال حينما يرى كابوساً، يسعد لكونه كان كابوساً لا حقيقة، وبالنسبة لنا عندما ننتقل إلى الآخرة سنرى بأنّ الدنيا لم تكن إلا حلماً وانتهى، لكن الخدمات التي قدّمناها على طريق محبة الإمام الحسين (ع) باقية، وكلما كانت هذه الخدمات أكبر كانت فرحتنا أعظم. لذلك على كل فرد حسب قدرته وطاقاته أن يخطو ويقدّم الخدمة، ومن كان ذا مال كثير فعليه أن يقدم أكثر من اﻵخرين.

* لقد اُسِسَت اليوم وتحت عناوين ومسمّيات مختلفة المئات من القنوات الفضائية، وكلّها تعمل على تضليل الناس وغسل أدمغتهم في سبيل إبعادهم عن أهل البيت (ع) وعن مولاتنا الزهراء وعن اﻹمام الحسين (ع). فكم هو جدير بالمؤمنين أن يؤسّسوا قناة فضائية باسم مولانا سيد الشهداء (ع)، بحيث تغطّي ببثّها أرجاء المعمورة ببرامج تعرّف اﻹمام الحسين (ع) وشعائره المقدسة. وقد يصعب هذا العمل في بدايته، لكنه يسهل بهمم المؤمنين والشباب وبالصبر وبتحمل المشاكل. فإذا اهتمّ المؤمنون بهذا الأمر من هذه الساعة فسنأمل إن شاء الله تعالى أن تكون عندنا قناة فضائية باسم الحسين (ع) في السنة القادمة. وليعلم اﻹخوة الذين يتمتعون بقدرة مالية كبيرة أن مسؤوليتهم في هذا المجال أكبر من غيرهم، وعلى الضعفاء مالياً أن لا ينسوا بأن مسؤوليتهم هي أن يستعملوا جوارحهم في هذا المجال، وأقلّ ذلك هو نشر الشعائر الحسينية بلسانهم.

* لم يكن يوم عاشوراء عطلة رسمية في زمن حكم البهلوي، ومن كان يغلق دكانه ومحل عمله اعتبروه مجرماً، وأما في عصرنا الحالي فإن ربع سكان الكرة اﻷرضية عندهم يوم عاشوراء عطلة رسمية، فأتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الهند هم أقليّة، ويشكلون نسبة عشرة بالمائة من مجموع سكان الهند الذين أغلبهم عبّاد أوثان وأصنام، لكن ومنذ خمسين سنة يعتبر يوم عاشوراء في الهند عطلة رسمية للمسلمين ولعبّاد البقر ولعبّاد اﻷصنام وغيرهم. إن مولانا اﻹمام الحسين (ع) لا يخصّ الشيعة فقط، فكثير من الكفّار في شرق اﻷرض وغربها يقيمون مجلس العزاء على اﻹمام الحسين (ع)، ويحزنون عليه، وينظمون الشعر بحقّه، ويؤلفون الكتب حوله. إذن أليس من الجدير أن يكون لهذا اﻹمام العظيم قناة فضائية مستقلة؟! وأنتم يا شباب الشيعة إن لم تهتموا لهذا اﻷمر فسيقوم به غيركم. فكثير من الكفّار استفادوا من اﻹمام الحسين (ع)، كما إن كثيراً من أتباع موسى الكليم وعيسى المسيح (على نبينا وآله وعليهما الصلاة والسلام) دخلوا في التشيّع وذلك ببركة مولانا اﻹمام الحسين (ع).

* لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن تتسع إقامة الشعائر الحسينية يوماً بعد يوم رغم محاربتها، فالله تعالى شاء أن تشرق الشمس، وأن يبزغ القمر، وأن تجذب اﻷرض اﻷشياء، وليس بحول الشمس والقمر واﻷرض أن يقوموا بغير ما شاء الله جلّ وعلا. وهكذا فيما يخصّ قضية مولانا سيد الشهداء (ع)، فقد شاء الله عزّ وجلّ أن تزداد الشعائر الحسينية وتتسع يوماً بعد يوم رغم عرقلة الظالمين لها ومحاربتها، وهذا وعد إلهي تكويني وقطعي، ولا يمكن عرقلته أو منعه. يقول مولانا رسول الله (ص) حول قضية مولانا اﻹمام الحسين (ع): “وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً وأمره إلاّ علوّاً”. وهنا نكتة مهمة جداً، وهي أن مولانا الرسول (ص) قد بيّن أن محاولات محاربة القضية الحسينية لها نتائج عكسية، أي إن هذه المحاولات تبعث على ازدياد إحياء قضية اﻹمام الحسين (ع) واتّساعها، وليس أنها محاولات عقيمة فقط. فقبل خمسين سنة كانت الشعائر الحسينية تقام في إيران وفي بعض الدول في الشرق اﻷوسط، أما اليوم فإنها تقام بجنب البيت اﻷبيض وبجنب قصر الكرملين وفي المناطق القريبة من قطب الشمال والجنوب، وتزداد انتشاراً يوماً بعد يوم. وبحسب كلام مولانا رسول الله (ص) فإن الرؤساء والحكّام الذين يمنعون إقامة الشعائر الحسينية هم من أئمة الكفر. فالبهلوي الذي كان يعدّ نفسه مسلماً وشيعياً هو من أئمة الكفر، وصدام أيضاً حيث كان يعدّ نفسه مسلماً فهو حسب قول الرسول (ص) من أئمة الكفر، ﻷنه حاول إطفاء نور الحسين (ع).

* لقد قال مولانا اﻹمام الحسين (ع) ﻷصحابه اﻷخيار (ع): “إن القوم إنما يطلبونني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري” وبيّن لهم أنهم سيقتلون لو بقوا معه. ولكن اﻷصحاب (ع) مع يقينهم بأنهم سيقتلون ببقائهم مع اﻹمام، لم يتركوا اﻹمام الحسين، وضحّوا بأنفسهم بين يديه (ع)، وهم في الواقع إنما فدوا أرواحهم كي تطول مدّة بقاء اﻹمام الحسين (ع)، وتتأخّر ساعة شهادته. وقد قال المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري (قدّس سرّه) مؤسس الحوزة العلمية المباركة في مدينة قم المقدسة حول استشهاد أصحاب اﻹمام الحسين قبله (ع): “إن كل لحظة من لحظات عمر اﻹمام الحسين (ع) أفضل من الخلق أجمعين”. كما إن إن قطرة واحدة من دم مولانا أبي الفضل العباس وسيّدنا علي اﻷكبر (ع) أفضل من العالم، لكنها جديرة أن تهدر في سبيل تأخير ساعة استشهاد مولانا اﻹمام الحسين (ع).

الكاتب: السيد صادق الحسيني الشيرازي