۴

كرامات الإمام المهدي(ع)

يتميّز الأئمّة ( عليهم السلام ) بارتباطٍ خاصٍّ بالله تعالى وعالَم الغيب ، بسبَبِ مقامِ العصمة والإمامة ، ولَهُم – مثل الأنبياء – معاجزٌ وكرامَاتٌ تؤيِّد ارتباطهم بالله تعالى ، وكونَهم أئمّة ، وللإمام المهدي ( عليه السلام ) كراماتٌ كثيرةٌ ، سجَّلَتها كتبُ التاريخ ، نذكر منها :

الكرامة الأولى :

قال رشيق حاجب المادراني : بعث إلينا المعتضد رسولاً ، وأمرنا أن نركب ، ونحن ثلاثة نفر ، ونخرج مخفين على السروج ونجنب آخر ، وقال : الحقوا بسامراء واكبسوا دار الحسن بن علي فإنّه توفّي ، ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه .

فكبسنا الدار كما أمرنا ، فوجدنا داراً سرّية كأنّ الأيدي رفعت عنها في ذلك الوقت ، فرفعنا الستر وإذا سرداب في الدار الأخرى فدخلناه ، وكان فيه بحراً ، وفي أقصاه حصير قد علمنا أنّه على الماء ، وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلّي ، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا .

فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطّى فغرق في الماء ، وما زال يضطرب حتّى مددّت يدي إليه فخلصّته وأخرجته ، فغشي عليه وبقي ساعة .

وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك فناله مثل ذلك فبقيت مبهوتاً ، فقلت لصاحب البيت : المعذرة إلى الله وإليك ، فو الله ما علمت كيف الخبر وإلى من نجيء ، وأنا تائب إلى الله ، فما التفت إليّ بشيء ممّا قلت ، فانصرفنا إلى المعتضد ، فقال : اكتموه وإلاّ أضرب رقابكم .

الكرامة الثانية :

قال محمّد بن إبراهيم بن مهزيار : شككت عند مضي أبي محمّد ( عليه السلام ) ، وكان اجتمع عند أبي مال جليل فحمله وركب السفينة ، وخرجت معه مشيّعاً له ، فوعك ، فقال : يا بني ردّني فهو الموت ، واتق الله في هذا المال ، وأوصى إليّ ومات .

فقلت في نفسي : لم يكن أبي ليوصي بشيء غير صحيح ، أحمل هذا المال إلى العراق وأكتري داراً على الشط ، ولا أخبر أحداً ، فإن وضح لي شيء كوضوحه أيّام أبي محمّد ( عليه السلام ) أنفذته ، وإلاّ تصدّقت به .

فقدمت العراق واكتريت داراً على الشط وبقيت أيّاماً ، فإذا أنا برسول معه رقعة فيها : يا محمّد معك كذا وكذا ، حتّى قص عليّ جميع ما معي ، ممّا لم أحط به علماً ، فسلّمت المال إلى الرسول وبقيت أيّاماً لا يرفع بي رأس ، فاغتممت ، فخرج إليّ : قد أقمناك مقام أبيك فاحمد الله تعالى .

الكرامة الثالثة :

قال نسيم خادم أبي محمّد ( عليه السلام ) : دخلت على صاحب الزمان ( عليه السلام ) بعد مولده بعشر ليال ، فعطست عنده ، فقال لي : ( يرحمك الله ) ، قال : ففرحت بذلك ، فقال : ( ألا أبشّرك في العطاس ؟ ) قلت : بلى يا سيدي ، قال : ( هو أمان من الموت ثلاثة أيّام ) .

الكرامة الرابعة :

قالت السيّدة حكيمة : دخلت على أبي محمّد ( عليه السلام ) بعد أربعين يوماً من ولادة نرجس ، فإذا مولانا صاحب الزمان ( عليه السلام ) يمشي في الدار ، فلم أر لغة أفصح من لغته ، فتبسّم أبو محمّد ( عليه السلام ) ، فقال : ( إنا معاشر الأئمّة ننشأ في يوم كما ينشأ غيرنا في السنة ) ، قالت : ثمّ كنت بعد ذلك أسأل أبا محمّد ( عليه السلام ) عنه ، فقال : ( استودعناه الذي استودعت أم موسى ولدها ) .

الكرامة الخامسة :

قال أبو عبد الله الصفواني : رأيت القاسم بن العلاء وقد عمّر مائة سنة وسبعة عشر سنة ، منها ثمانون سنة صحيح العينين ، لقي العسكريين ( عليه السلام ) ، وحجب بعد الثمانين ، وردّت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيّام ، وذلك أنّي كنت بمدينة أران من أرض آذربيجان ، وكان لا تنقطع توقيعات صاحب الأمر ( عليه السلام ) عنه على يد أبي جعفر العمري ، وبعده على يد أبي القاسم بن روح ، فانقطعت عنه المكاتبة نحواً من شهرين وقلق لذلك .

فبينا نحن عنده نأكل إذ دخل البوّاب مستبشراً ، فقال له : فيج العراق ورد ولا يسمى بغيره ، فسجد القاسم ، ثمّ دخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه ، وعليه جبّة مضربة ، وفي رجله نعل محاملي ، وعلى كتفه مخلاة ، فقام إليه القاسم فعانقه ، ووضع المخلاة ، ودعا بطشت وماء وغسّل يده وأجلسه إلى جانبه ، فأكلنا وغسلنا أيدينا ، فقام الرجل وأخرج كتاباً أفضل من نصف الدرج ، فناوله القاسم فأخذه وقبّله ودفعه إلى كاتب له ، يقال له أبو عبد الله بن أبي سلمة ففضّه ، وقرأه وبكى حتّى أحس القاسم ببكائه ، فقال : يا أبا عبد الله خير خرج فيّ شيء ممّا يكره ؟

قال : لا ، قال : فما هو ؟ قال : ينعى الشيخ إليّ نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً ، وأنّه يمرض اليوم السابع بعد وصول الكتاب ، وأنّ الله يرد عليه عينيه بعد ذلك ، وقد حمل إليه سبعة أثواب .

فقال القاسم : على سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك ، فضحك وقال : ما أؤمل بعد هذا العمر ، فقام الرجل الوارد : فأخرج من مخلاته ثلاثة أزر وحبرة يمانية حمراء وعمامة وثوبين ومنديلاً فأخذه القاسم ، وكان عنده قميص خلعه عليه علي النقي ( عليه السلام ) .

وكان للقاسم صديق في أمور الدنيا شديد النصب ، يقال له عبد الرحمن بن محمّد الشيزي وافى إلى الدار ، فقال القاسم : اقرءوا الكتاب عليه فإنّي أحب هدايته .

قالوا : هذا لا يحتمله خلق من الشيعة ، فكيف عبد الرحمن ؟ فأخرج إليه القاسم الكتاب ، وقال اقرأه ، فقرأه عبد الرحمن إلى موضع النعي ، فقال للقاسم : يا أبا عبد الله اتق الله ، فإنّك رجل فاضل في دينك ، والله يقول : ( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) ، وقال : ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ) ، قال القاسم فأتم الآية ( إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) مولاي هو المرضي من الرسول .

ثمّ قال : أعلم أنّك تقول هذا ولكن أرّخ اليوم ، فإن أنا مت بعد هذا اليوم أو مت قبله فاعلم أنّي لست على شيء ، وإن أنا مت في ذلك اليوم فانظر لنفسك ، فورخ عبد الرحمن اليوم وافترقوا ، وحم القاسم يوم السابع واشتدت العلّة به إلى مدّة ، ونحن مجتمعون يوماً عنده إذ مسح بكمّه عينه ، وخرج من عينه شبه ماء اللحم ، ثمّ مدّ بطرفه إلى ابنه ، فقال : يا حسن إليّ ، ويا فلان إليّ ، فنظرنا إلى الحدقتين صحيحتين .

وشاع الخبر في الناس فانتابه الناس من العامّة ينظرون إليه ، وركب القاضي إليه ، وهو أبو السائب عتبة بن عبيد الله المسعودي ، وهو قاضي القضاة ببغداد ، فدخل عليه وقال له : يا أبا محمّد ما هذا الذي بيدي وأراه خاتماً فصّه فيروزج ، فقرّبه منه ، فقال : عليه ثلاثة أسطر لا يمكنني قراءتها ، وقد قال لما رأى ابنه الحسن في وسط الدار قاعداً : اللهم ألهم الحسن طاعتك وجنّبه معصيتك ، قاله ثلاثاً ثمّ كتب وصيته بيده .

وكانت الضياع التي بيده لصاحب الأمر ( عليه السلام ) كان أبوه وقفها عليه ، وكان فيما أوصى ابنه أن أهلت إلى الوكالة فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجيدة ، وسائرها ملك لمولانا ( عليه السلام ) .

فلمّا كان يوم الأربعين ، وقد طلع الفجر مات القاسم ، فوافاه عبد الرحمن يعدو في الأسواق حافياً حاسراً ، وهو يصيح : يا سيّداه ، فاستعظم الناس ذلك منه ، فقال لهم : اسكتوا فقد رأيت ما لم تروا ، وتشيّع ورجع عمّا كان عليه .

فلمّا كان بعده مدّة يسيرة ورد كتاب على الحسن ابنه من صاحب الزمان يقول فيه : ( ألهمك الله طاعته وجنّبك معصيته ، وهو الدعاء الذي دعا لك به أبوك ) .

الكرامة السادسة :

قال أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه : لمّا وصلت بغداد في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة للحج ، وهي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت ، كان أكبر همّي الظفر بمن ينصب الحجر ، لأنّه يمضي في أثناء الكتب قصّة أخذه ، وأنّه ينصبه في مكانه الحجّة في الزمان ، كما في زمان الحجّاج وضعه زين العابدين ( عليه السلام ) في مكانه فاستقر .

فاعتللت علّة صعبة خفت منها على نفسي ، ولم يتهيّأ لي ما قصدت له ، فاستنبت المعروف بابن هشام ، وأعطيته رقعة مختومة أسأل فيها عن مدّة عمري ، وهل تكون المنيّة في هذه العلّة أم لا ؟ وقلت : همّي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه ، وأخذ جوابه ، وإنّما أندبك لهذا .

قال : فقال المعروف بابن هشام : لمّا حصلت بمكّة ، وعزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكّنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه ، وأقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام الناس ، فكلّما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم ، فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه فتناوله ، ووضعه في مكانه فاستقام ، كأنّه لم يزل عنه ، وعلت لذلك الأصوات وانصرف خارجاً من الباب ، فنهضت من مكاني أتبعه وأدفع الناس عنّي يميناً وشمالاً ، حتّى ظن بي الاختلاط في العقل ، والناس يفرجون لي وعيني لا تفارقه ، حتّى انقطع عن الناس ، فكنت أسرع السير خلفه ، وهو يمشي على تؤدة ولا أدركه .

فلمّا حصل بحيث لا أحد يراه غيري وقف ، والتفت إليّ فقال : ( هات ما معك ) ، فناولته الرقعة ، فقال من غير أن ينظر فيها : ( قل له لا خوف عليك في هذه العلّة ، ويكون ما لا بد منه بعد ثلاثين سنة ) ، قال : فوقع عليّ الزمع حتّى لم أطق حراكا ، وتركني وانصرف .

قال أبو القاسم : فأعلمني بهذه الجملة ، فلمّا كان سنة تسع وستين اعتل أبو القاسم ، فأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره ، وكتب وصيته واستعمل الجد في ذلك ، فقيل له : ما هذا الخوف ؟ ونرجو أن يتفضّل الله تعالى بالسلامة فما عليك مخوفة ، فقال : هذه السنة التي خوفت فيها ، فمات في علّته .

الكرامة السابعة :

قال أبو غالب الزراري : تزوّجت بالكوفة امرأة من قوم يقال لهم بنو هلال خزازون ، وحصلت لها منزلة من قلبي ، فجرى بيننا كلام اقتضى خروجها عن بيتي غضباً ، ورمت ردّها فامتنعت عليّ لأنّها كانت في أهلها في عز وعشيرة ، فضاق لذلك صدري ، وتجهّزت إلى السفر ، فخرجت إلى بغداد أنا وشيخ من أهلها فقدمناها ، وقضينا الحق في واجب الزيارة ، وتوجّهنا إلى دار الشيخ أبي القاسم بن روح ، وكان مستتراً من السلطان ، فدخلنا وسلّمنا .

فقال : إن كان لك حاجة فاذكر اسمك هاهنا ، وطرح إليّ مدرجة كانت بين يديه ، فكتبت فيها اسمي واسم أبي ، وجلسنا قليلاً ، ثمّ ودّعناه وخرجت إلى سر من ‏رأى للزيارة ، وزرنا وعدنا وأتينا دار الشيخ ، فأخرج المدرجة التي كنت كتبت فيها اسمي ، وجعل يطويها على أشياء كانت مكتوبة فيها ، إلى أن انتهى إلى موضع اسمي فناولنيه ، فإذا تحته مكتوب بقلم دقيق : أمّا الزراري في حال الزوج أو الزوجة فسيصلح الله ، أو فأصلح الله بينهما ، وكنت عندما كتبت اسمي أردت أن أسأله الدعاء لي بصلاح الحال مع الزوجة ، ولم أذكره بل كتبت اسمي وحده ، فجاء الجواب كما كان في خاطري من غير أن أذكره .

ثمّ ودعنا الشيخ وخرجنا من بغداد ، حتّى قدمنا الكوفة فيوم قدومي أو من غده أتاني أخوة المرأة فسلّموا عليّ واعتذروا إليّ ممّا كان بيني وبينهم من الخلاف والكلام ، وعادت الزوجة على أحسن الوجوه إلى بيتي ، ولم يجر بيني وبينها خلاف ولا كلام مدّة صحبتي لها ، ولم تخرج من منزلي بعد ذلك إلاّ بإذني حتّى ماتت .

الكرامة الثامنة :

إنّ أبا محمّد الدعلجي كان له ولدان ، وكان من خيار أصحابنا ، وكان قد سمع الأحاديث ، وكان أحد ولديه على الطريقة المستقيمة ، وهو أبو الحسن ، كان يغسل الأموات ، وولد آخر يسلك مسالك الأحداث في فعل الحرام ، ودفع إلى أبي محمّد حجّة يحج بها عن صاحب الزمان ( عليه السلام ) ، وكان ذلك عادة الشيعة وقتئذ ، فدفع شيئاً منها إلى ابنه المذكور بالفساد ، وخرج إلى الحج .

فلمّا عاد حكى أنّه كان واقفاً بالموقف فرأى إلى جانبه شاباً حسن الوجه أسمر اللون بذؤابتين مقبلاً على شأنه في الدعاء والابتهال والتضرّع وحسن العمل ، فلمّا قرب نفر الناس التفت إلي وقال : ( يا شيخ ما تستحي ؟ ) قلت : من أي شيء يا سيّدي ؟ قال : ( يدفع إليك حجّة عمّن تعلم ، فتدفع منها إلى فاسق يشرب الخمر ، يوشك أن تذهب عينك هذه ) ، وأومأ إلى عيني ، وأنا من ذلك إلى الآن على وجل ومخافة .

وسمع أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان ذلك قال : فما مضى عليه أربعون يوماً بعد مورده حتّى خرج في عينه التي أومأ إليها قرحة فذهبت .