كيف-تنسجم-علامات-الظهور-مع-عنصر-البغتة-عند-الظهور

كيف تنسجم علامات الظهور مع عنصر البغتة عند الظهور

لاشك أنّ من ضمن أبجديات القضية المهدوية أمرين:

الأمر الأول: أنّ الظهور الميمون مسبوق بإشارت وعلامات تحمل أحد مضمونين أو كليهما:

المضمون الأول: الظلم، فبعض العلامات والإشارات هي مصاديق لنفس الظلم الذي سيملأ الأرض، كتبرّج النساء والقتل الذريع والفتن والحروب. فعن جابر عن الإمام الباقر عليه السلام: (ياجابر لايظهر القائم حتى يشمل (الناس) بالشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه، ويكون قتل بين الكوفة والحيرة قتلاهم على سواء وينادي مناد من السماء).

المضمون الثاني: التنويه, أي أنّ وظيفتها التنويه للظهور الميمون, عن الإمام الباقر عليه السلام: (إنّ بين يدي هذا الأمر انكساف القمر لخمس تبقى والشمس لخمس عشرة وذلك في شهر رمضان، وعنده يسقط حساب المنجّمين).

وعنه عليه السلام: ينادي مناد من السماء: ألا إنّ الحق في آل محمد, وينادي مناد من الأرض: ألا إنّ الحق في آل عيسى أو قال: العباس،أنا أشكُّ فيه وإنما الصوت الأسفل من الشيطان ليُبلس على الناس شكّ.

الأمر الثاني: بأنّ الظهور سيكون بغتة ويتّبع عنصر المفاجأة.

والسؤال هنا: كيف ينسجم الأمران، فلا مباغتة بوجود العلامات والإشارات والتنويهات للظهور… والجواب يمكن أنْ يكون بعدة احتمالات:

الإحتمال الأول:

أنّ بعض العلامات غير متصلة مباشرةً بالظهور, أي تفصلها عنه فاصلة زمنية قد تستغرق أجيالاً، والبعض الآخر المتصل سيأخذ فترة طويلة ومتمادية قبل الظهور، أي طول ظهور العلامة يستغرق وقتاً طويلاً، وهذه الصفات تحافظ على عنصر المباغتة، وأمّا العلامات المتصلة بالظهور والتي هي قريبة منه ومدتها لاتستغرق فترة طويلة كالصيحة فلا يبعد أنها جاءت بتعبير رمزي وغير صريح ولامطابق للمعنى المتبادر إلى الذهن، أي قد تكون كلمة الصيحة كناية، فربما تكون نداء الضمير الإنساني في النفس الإنسانية بعد أن تتضح الحقائق وتجلو الظلمة التي طالما تستر بها الباطل… وعندها سيكون عنصر المفاجأة موجوداً أيضاً. (هذا رأي الكاتب والصحيفة تنشره وتتحفظ عليه إذ انّ الصيحة هي صوت جبرئيل عليه السلام من السماء كما نصت الأحاديث على ذلك).

الإحتمال الثاني:

المفاجأة والبغتة ستكون بالنسبة للأعداء, واعداء الإمام عليه السلام هم من أنكر القضية المهدوية برمتها أو أهم تفاصيلها، وبالتالي فإنهم غير مراقبين لهذه العلامات ولا عادّين لها, وإنما سيكون الانتظار وستكون المراقبة للعلامات من قبل قواعده الشعبية، وهذا لايؤثر كما هو واضح, بل هو المتعين.

فالمباغتة هي مصطلح حربي وخطة هجومية ترسم لغرض مواجهة الأعداء لا الأصدقاء والأتباع, وقد ورد في سورة العاديات تعبير يدل على المباغتة، وهو الهجوم في الصباح: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً).

الاحتمال الثالث:

نحن لا نتوقع غياب عنصر البغتة حتى في حالة الشعور بقرب الظهور, وذلك إذا فهمنا أنّ البغتة تكون في مقابل الاستعداد، لا في قبال العلم والدراية، فهم وإن كانوا يعلمون أنّ الظهور متوقع في هذه الأيام أو هذه السنين ولكنّ استعدادهم سوف لا يكون على نحو المواجهة الخاصة للظهور، وإنما حتى وإنْ كانت هنالك استعدادات فإنها ستكون على نحو التحضيرات العامة وعلى نحو الإحتراز لا أكثر وبالتالي سيبقى عنصر المفاجأة والمباغتة موجوداً.

الاحتمال الرابع:

إنّ الفتن والزلازل المتصلة بالظهور والتي تصفها بعض الروايات بأنها من شر الفتن, وكذلك الظلم والجور الذي يملأ الارض والذي تصفه بعض الروايات بأنّ الرجل لايجد ملجأ يلجأ إليه من الظلم، ستصرف الناس عامة والظالمين خاصة عن ترقب الإمام أو الاستعداد لظهوره، وهذا وارد, فتارةً تزيد هذه الزلازل بعضاً من الناس شوقاً للإمام وحاجةً له واستغاثةً به، وتارةً نجدها عند اناس آخرين لاتزيدهم إلّا غفلة عنه وانصرافاً عن قضيته وتعلقاً بالأسباب المادية والتي لاتزيد المتمسك بها إلا حاجة وفاقة، وآخر ثالث يأخذه الجزع من الظلم والابتلاء إلى إنكار القضية برمتها والانسلاخ من العقيدة وهذه اسوأ العواقب، وهنا تُخسر الدنيا والآخرة.

الاحتمال الخامس:

حصول بعض الظواهر المشابهة للعلامات المذكورة وتكرارها، وكذلك ظهور بعض المدّعين للمهدوية على طول الزمان، يجعل الناس في ريبة من أمرهم ومن كل علامة حتى الصحيحة منها، وهذا واضح, فلم يرد بأن علامات الظهور لاتحدث إلّا مرّة واحدة إلّا لبعضها، كالكسوف والخسوف في غير محلّه وكذلك الصيحة… وهذا بما أنه مفيد من هذه الناحية، كونه يجعل العلامات بالنسبة لأعدائه مبهمة إلّا أنها لاتخلو من مشكلة بالنسبة للمنتظرين، وهذا يدعونا إلى عدم التسرع بالحكم على هذه الظاهرة أو تلك الشخصية أو تلك الأحداث بأنها هي تلك العلامات المذكورة قبل ظهور الإمام.

الاحتمال السادس:

أنّ العلامات القريبة من الظهور والصحيحة وإنْ حصلت، وإنْ كانت مراقبة من قبل الاعداء فإنها ستكون بغتة عند المقارنة بين عمر الغيبة الطويل وعمر العلامات التي ستظهر قبيل الظهور، فبضع سنين من الاستعداد لايؤثر على الاستعداد والتهيؤ الذي سيدوم مئات أو آلاف السنين، فإحدى معاني المباغتة هي السرعة، والسرعة واضحة في الفترة القصيرة التي سيظهر بها الإمام ويتحرك من مكة الى المدينة الى العراق ثم يفتح العالم وبأشهر معدودات، فأين الأشهر من آلاف السنين…!.

الاحتمال السابع:

انّ وقت الظهور هو داخل تحت قانون المحو والإثبات، وهذا بحد ذاته يجعل توقيت الظهور لايمكن ضبطه، فعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام الباقر عليه السلام: (يا ثابت إنّ الله تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلمّا أن قتل الحسين عليه السلام اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخّره إلى أربعين ومائة، فحدثناكم فأذعتم الحديث, فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتاً عندنا، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب .

الاحتمال الثامن:

يمكن أنْ نعطي معاني أخرى للبغتة غير تلك التي ضيقنا فهمها من الناحية العسكرية مستفيدين بذلك من القرآن الكريم:

هو إشارة إلى أنّ ظهوره عليه السلام سيفوّت الفرصة على من أساء العمل في الغيبة: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَافَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَايَزِرُونَ).

والبغتة تعني الظهور في الليل لا في النهار، قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ).

فجاء: البغتة في الليل، والجهرة في النهار.

الكاتب: يحيى غالي ياسين