كيمياء الحب عند الرجل

كيمياء الحب عند الرجل

معظم الرجال تتحطم قلوبهم تماماً بالحب عندما يسقطون فيه بقسوة وبشكل أقوى من النساء، فالحب له صور عديدة ومتنوعة.
قلب الرجل المحروم من زواج المحبوبة لن يجد إشباعاً حتى وإن تزوج عشرات النساء.
دائماً ما نقرن العاطفة بالمرأة كخاصية جوهرية في نسيج شخصيتها، ونلغيها من الرجل وكأنه عقل مجرد أو كائن بليد الحس، بارد العاطفة، أو نتصوره مخلوقاً نزوياً مدفوعاً بغريزة الصياد نحو النساء ليتذوقهن بمزاج عابث، حتى أنني أسمع كثيراً من النساء والفتيات يتهمن الرجل تهمة قاسية مفادها (الرجل لا يعرف الحب وغايته التلاعب بعواطف المرأة).
نعم، قد يحدث ذلك للبعض وخصوصاً عندما يكون فارغ القلب، عديم الضمير، لكن الواقع عكس ما تتصور النساء، فالحب عاطفة سامية تناولها أهل البيت عليهم السلام في سيرهم وأحاديثهم، فالإمام الصادق (عليه السلام) يقول: (وهل الدين إلا الحب)، ورسول الله (ص) يقول: (لم يروا للمتحابين مثل التزويج)، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (من عشق وكتم عشقه في قلبه مات شهيداً) لأن آلام العشق وحرمانه عظيمة، فهو غليان وهيجان في قلب الرجل لن يهدأ طالما كان محروماً من وصال المحبوبة (ابن سينا).
وقد وردتني رسالة تتضمن مشكلة عاطفية لرجل أحب امرأة حباً مستحيلاً وقد أحالت الظروف دون زواجهما، وظل يعاني مرارة الحرمان ولوعة الحب مروضاً عذابه بالعبادات والمجاهدة النفسية لعله يجتث جذور مشاعره المتقدة في قلبه لكنها لم تخبو فقرر أن يتزوج بعد أن يئس من وصال المحبوبة، وفقد الرجال فلربما ينسى ويتكيف على وضع اجتماعي سليم وراسخ إلا أنه وجد في التعاطي العاطفي مع زوجته صعوبة بالغة ومعاناة شديدة وكان الوازع الديني هو الذي حمى زواجه وصان العشرة بالشكل الظاهري، بيد أن مشاعره الداخلية وأحاسيسه الباطنية في لظى وحرمان، فكان كثير الهم والحزن رغم محاولة زوجته الصالحة في إسعاده وترويض نوبات غضبه المفاجئة وتقلباته المزاجية المباغتة، فهو يحاول أن يتصنع الحب أمام زوجته خوفاً من الله عز وجل واحتراماً لرباط الزوجية المقدس، لكن الغليان العاطفي كان يخدش صفاء العلاقة بينهما فيجد نفسه عاجزاً في بعض الأحيان عنتلبية حق زوجته الشرعي، وهذا ما كان يؤلمه ويحطم قلبه، فالمعادلة صعبة جداً لأنها تتطلب جهداً جباراً ومكابدة شديدة كي يتناسى المحبوبة وينسجم في ظاهره وباطنه مع زوجه، حالة صراع مستمرة بين الواجب والحب وهو مازال يتلظى على وقد اللوعة والحرمان وكأنما صورة المحبوبة تتوهج في قلبه يوماً بعد آخر.
فكيف هي كيميائية الحب عند الرجل؟
تقول الباحثة في شؤون الزواج (د. جوليس بروزرس):
معظم الرجال تتحطم قلوبهم تماماً بالحب عندما يسقطون فيه بقسوة وبشكل أقوى من النساء، فالحب له صور عديدة ومتنوعة، منها الحب الرومانسي، أو الحب بقصد الزواج، أو الحب بين الزوجين، أو ما يسمى بالعشرة والمودة، فحينما يقع الرجل في الحب يشعر أن شيئاً جديداً دخل حياته فينسيه كل ما حوله إلا محبوبته، فيكون على استعداد كامل للتضحية من أجلها.
ففي الماضي كانت المرأة تفكر فتى أحلامها القادم على هيئة فارس يأتيها على صهوة جواده ويخطفها إلى فردوس الحب، وهذا نتاج فكر وتاريخ طويل حيث كان الرجل يضحي بحياته وقلبه من أجل محبوبته وينشد فيها أشعار الحب والغزل فيصف لوعته وأشواقه ورغبته المشتعلة بمصداقية وإخلاص، وقد كتب الشعراء والأدباء حول هذه الملاحم والقصص في سير التاريخ فكل القصائد في الغالب تبدأ في وصف لوعة الحب وألم الفراق وشمائل وخصال الحبيبة صعبة المنال، فالحب كما تقول الباحثة (لوعة وذهاب للعقل ولهيب بالقلب وجوع يصعب إشباعه طالما اقترن بالحرمان).
ويذكر علماء النفس أيضاً في وصف هذه المشاعر على أنها جنون رائع يسعد صاحبه وعمل لا يربح من ورائه سعراً ولا مقابلاً، فهو إحساس يتدفق كالسيل في قلب الرجل دون عمل شيء فهو شيء لا يشبه شيئاً، إنه الجنون الجميل، واللهيب الممتع، تلك الموسيقى الهادئة التي تجعل الحياة متعة ونعمة وإن كانت في جحيم.
فحينما تسيطر هذه المشاعر على الرجل فإنه يفقد المعايير العقلانية والمقاييس الموزونة في تقييم محبوبته لأنه يراها الأجمل والأفضل على الإطلاق، بل تكل عيناه عن عيوبها ونواقصها ويواكب عادة الحب غيرة مشتعلة على المحبوبة واندفاع وحماس في تلبية طلباتها ورغباتها، أضف إلى ذلك سخاء الرجل عليها فإن كان بخيلاً بسط يده إكراماً لها بل ينفق كل ما في جيبه من أجل رضاها، هدايا، زهور، مفاجآت تسر قلبها.
وتقول الدراسات في صدد علامات الحب عند الرجل أنه يبحث عن شبيهات محبوبته في الشكل والجسم والطول واللون وحتى الاسم له وقع كبير على قلبه، فحينما يذكر اسمها في غيابها تلمع عيناه ويرتجف وينفعل، هذه العاطفة سعار في قلب الرجل المحروم من زواج المحبوبة فإنه لن يهدأ ولن يسكن قلبه ولن يجد إشباعاً كاملاً حتى وإن تزوج عشرات النساء لأنه سيظل يتلظى في حرمانه إلى درجة المرض كما يقول ابن سينا، ولعل تلك الحادثة تؤكد هذه الحقيقة، فقد استشار شاب رسول الله (ص) في مسألة حبه لفتاة اعتر والداه على زواجه منها حرصاً منهما على أن يتزوج من اختاراها له، نصحه رسول الله (ص) قائلاً: تزوج من يهواها قلبك.

الكاتبة: خولة القزويني