لا يمحو الله الظلال

على الأرض .. ومنذ ولادتنا تتشكل ظِلالنا وهالاتنا .. خطواتنا الأولى ونهجنا .. آثارها .. ومدارسها .. قفزاتها .. وامتدادها .. تتجسد هالاتنا ملتحمة بذرات الهواء وتتكاثف ذراتنا متفاعلة مع الوجود والعالم من حولنا . كل الوجود بما يحتويه، أرواحنا .. أفكارنا .. كياننا يتشكل وفق منظومة المرور بطور الخلق والحياة واختصارات الرحيل (الموت) .. وجدنا لنخط خطواتنا كي لا تندثر .. جئنا حقيقة من العدم .. لكي نعمر الأرض ونسكنها ونتفاعل مع الحياة برمتها .. نتعارف .. نتآلف .. نتشارك .. نحيي سنة الخلق .. جئنا برسالة العبادة .. وإن انتهينا فنحن لا ننتهي كما بدأنا دون آثار ومزار يدلل علينا ورحمة يرسلها الباقون لنا فوق الأرض تطوف بقبورنا المندثرة .. وسكبة ماء ترطبها وعَبرة تذرف تنتشل سكون أرواحنا وانطفاء ذكرها .. أراد الله لنا أن نكون فكُنا .. هكذا نبتدأ وينتهي بنا المطاف دون إندراس للروح وللفعل قبل الجسد ..

على أرض الطف .. وتحديداً في العشرين من صفر منذ أن التقى الإمام زين العابدين عليه السلام بجابر بن عبد الله الأنصاري وجمع لفيف معه ، كان أول زائر يطوف بالحسين في الأربعين .. أصبحت كربلاء قبلة للزوار ومنارة يلتف حولها ملايين البشر .. يؤمونها بالعبادة والذكر والصلاة والتوسل بقضاء الحوائج ، ويجددون العهد والوعد ويحفزون داخلهم للنهوض ورفض الذل والهوان ويقيمون حقيقة الإسلام والتصديق برسالة السماء والعمل بها .. التقى به حين عرجوا على النجف وكربلاء في طريق عودتهم للمدينة بعد معركة كربلاء القاسية، وبعد رحلة سقيمة هدتهم وزلزلت كيان الكون كله فضلا عن كيانهم .. فشملت المكان فراغات عبئها الحزن بتفاصيل دقيقة .. جابر الذي تهيأ وتعبأ للصلاة وسكنه الخشوع والحزن يجره للمزيد من الإنعكاسات المتشعبة في زوايا العين والنفس والجبين ، متأثرا بمهابة ما رأى ومهابة ما وصف زين العابدين لحقيقة ما جرى عليهم .. وزين العابدين عائداً من رحلة الألم المضنية في الشام بعد أن طافوا به وبأهل بيته ونساء أبيه وبناته دون حرمة أو خجل لأولئك المعتدين يستر فضائحهم ..

أتوا كربلاء في الأربعين ليُحيُوا شعاعا ساجدا لربه يرتفع فوق المآذن والقباب .. ويسلموا على إمام يناجي الحق بدمه لا يطلب سوى اقامة حق ربه، في زمن تردى بالجهل وكادت تموت فيه كل القيم .. يؤبنون ذكره تخليدا وحرمة واستحضارا لموقفه العظيم .. ويترجمون قول الرسول صلى الله عليه وآله “إنّ الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحاً ” .. فكيف بهم أصحاب القلوب الرحيمة يحجمون .. يحيون نهضة الحسين ومبادئه ويميزون بين الحق والبالطل، ويستذكرون الفاجعة التي هدت آل البيت وما صاحبها من المآسي، ويقبضون على خصخصة النبي وانتمائه له “حسين مني وأنا من حسين من آذاه فقد آذاني ومن أغضبه فقد أغضبني ” ..

وصلت القافلة وأشرفت على الساحة المشئومة وبها بقايا من دماء وأشلاء متناثرة .. فتهيجت أحزانهم وزاد إلتياعهم .. والحزن يلون الصور فتجددت المأساة .. ناحت النوائح , وأقمن هناك ثلاثة أيام، لم تهدأ لهن لوعة ولا سكنت لهن أنة أو كفكفت لهن عبرة, ثم أخذ الركب المُنهك طريقه إلى المدينة .. ومن ذلك اليوم , في العشرين من صفر بالتحديد , أصبح هذا التاريخ مشهوداً ، يتوافد فيه الملايين من الزائرين على كربلاء لزيارة الإمام الحسين وإقامة الشعائر , وتجديد هذه الذكرى المؤلمة .. فالله لا يمحو الظِلال في الأرض ويختصر الهالات بموت ينقبض له الاحياء فيكتمون به غيضهم ويحبسون غريزة الحزن داخلهم ،كأنهم لا أكلوا يوماً ولا شربوا ولا حدثوه ولا عاشوا معه ..

عجبا لأمرأتين صادفتهما قبل أيام في طريقي للبقيع وكان هذا في المساء .. أُفعم حديثهما بجو مشبع من الحزن فضحته نبرات الصوت الخافت وثقل الحزن المكتوم ، قبلهما بدقائق مرت بقربي عربة تحمل فقيدا بدا واضحا أنه يخصهما ، كان يرافقه أربعة رجال يخيم عليهم صمت جاف لا تشييع ولا تهليل، كأنهم أرادوا الإنقضاء من أمره وكفى .. رأيت إحداهما تنحني على الأخرى، تخشى عليها من إظهار حزنها و تحثها على إتقان كتمانه .. تخطان الطريق باستقامة مرهقة، وألم لا يكاد يعرفه الإ من شهد الصور كاملة وربط بينها .. كنت أتابعهما بنظراتي وأنا أتساءل : لكن الحزن غريزة والبكاء أمر طبيعي .. كيف لهما أن تتكتمانه كأنهما ترتكبان كفرا بالبوح به .. بقيت أتابع خطواتهما المترنحة وأنا أتساءل .. أليس الحزن والبكاء غريزة في الإنسان لا يمكن التجاسر على محوها .. هذا الذي أدخل قبره صمتا وكتمانا عن الجهر بأمره، بدعوى الجواز وعدمه، يواجه عالم آخر يستقبله بخوف وهلع لأول مرة قد لا يطيقه وحده دون صحبة أهله ورفاقه .. وماذا عنهما ، هما اللتان تعيشان الحياة بدونه لأول مرة، كيف لهما أن لا تلتقطان حزنهما بدمعة حارة أو حتى باردة تنفس عنهما كمدهما .. وتطرح مخاوفهما على أرض الواقع دون عتب أو كفر أو عدم رضا بقضاء الرب ..

فأي شيئ في الوجود يُسيغ للناس أن يدفنوا موتاهم وينسوهم .. لم تفعل اليهود ذلك ولا حتى النصارى هذا ، فكيف بنا نحن المؤمنون بصلتنا بهم ننساهم ونجمد أحزاننا بمجرد حثو التراب عليهم .. لا تنقطع الصلة بيننا وبين الراحلين بمجرد تركهم للتراب يبتلعهم .. فهذا تفكير غليظ ليس فيه أي رحمة تختصر وجودهم .. أولئك أناس عاشوا وضربت خطاهم الأرض .. قالوا وتكلموا وأحدثوا في الحياة ، وطبقوا القيم وفكروا ولونوا مسارات الحياة بأطيافها .. فماذا إن كانوا عظماء كالحسين وأصحابه، لهم ثقلهم وفكرهم ونقوشهم في صفحة التاريخ ، فضلا عن الحياة ، ولهم خطاهم ومكانتهم ومنزلتهم الرفيعة .. اتخذوا من بطن كربلاء محطة لأجسادهم سقوها ببطولاتهم ومواقفهم وأرواحهم المنسدلة في عرصاتها .. ما يقارب مائة وثمانين روحا من حواري الحسين وفيهم ذرية محمد وعلي والزهراء فاطمة عليهم السلام يضربون أمثلة عظيمة للشهادة تنتصر بهم الأمم في إعتناق العز والصبر والصلاة المفروضة .. أفلا نحيي مصابهم ونصلي في أرواحهم ونتلو القران فوق قبابهم الساجدة لله بالعظمة والإمتثال فنُحيي قلوبنا الميتة بوصولهم ..

الكاتبة: عقيلة آل حريز