المذهب الشیعي » أجوبة الشبهات » الف » الإلهيات »

لماذا العبادة

السؤال:

لماذا نعبد الله ؟ ولماذا يريدنا الله أن نعبده ؟

الجواب:

لماذا يتعبَّد الإنسان ؟ ولماذا يتحمَّل المشقَّة ويبذل الجهد ؟ فيصلِّي ويصوم ويحج ويجاهد ويبذل المال ، إلخ .

فالله غير محتاج للعبادة ، غني عنها ، والإنسان يلاقي الكلفة البدنية والتعب في أدائها ، ويبذل الجهد والمال والوقت في سبيلها ، فلماذا كل ذلك إذن ؟!

هذه أسئلة تطرأ على الكثيرين ، ويتصوَّرها العديد من الناس حول وجوب العبادة .

بينما نجد القرآن يتحدَّث عن العبادة فيقول : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَإلاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات : ۵۶ .

فما سرُّ ذلك ؟ ولماذا العبادة ؟

سُرعان ما يتحدَّد الجواب ، ويعلن عن نفسه لكلِّ من يتجاوز بفهمه ووعيه النظر السطحي لهذا الوجود ، والفهم الساذج لعالم الأشياء والموجودات ، والعلاقات الكونية العامَّة .

فيدرك بوضوح تام أن هذا الكون – بما فيه الإنسان – خُلِقَ بحكمة ، ووفق نظام وعلاقات وقوانين ، يترابط بعضها مع بعض ، ويترتَّب بعضها على بعض ، وينتج بعضها عن بعض .

فالموجودات من عالم المادَّة ، والحياة ، والإنسان ، وما ينتج عنها من نتائج وآثار ، كلُّها تدخل في معادلات وموازنات دقيقة .

وتخضع لقاعدة الأسباب والعلل المتحكِّمة في هذا العالم ، فما من شيء في طرف إلاَّ ويقابله شيء في طرف آخر ، وما من سبب إلاَّ وترتبط به نتيجة .

فعلى هذه القاعدة ، ووفق هذا القانون الوجودي العام ، شاءت حكمة الله وإرادته أن تسير علاقة الإنسان بخالقه .

لأن الإنسان يمثل طرفاً في الوجود ، ويسعى إلى نتائج في دنيا الحياة ، وعالم الآخرة .

وهذا السعي يقوم على أساس أن هناك علاقة ترابطية ، وتعادلاً بين أطراف القضايا ، وانتظام الأشياء والموجودات ، سواء منها الموجودات الطبيعية ، أم الأفعال والنشاطات الإنسانية المختلفة .

والقرآن الكريم ناطق بهذه الحقيقة ، وموضِّح لها في موارد متعدِّدة .

نذكر منها قوله تعالى : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَـكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم : ۷ .

وقوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) الرعد : ۱۱ .

وقوله تعالى : ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ) طه : ۱۲۳ .

وقوله تعالى : ( لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) الأحزاب : ۲۴ .

وقوله تعالى : ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ) الإسراء : ۱۸ .

وقوله تعالى : ( وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً ) الطلاق : ۱۱ .

فكل تلك الآيات الكريمة تبسط الأسباب ، وترتب عليها النتائج ، فجعلَت الشكر سبباً لزيادة الخير والنعم والثواب ، كما جعلت تغيُّر أوضاع الإنسان وأحواله العامَّة مرتبطاً بتغيُّر محتواه الداخلي ، بما فيه من أفكار ، ومفاهيم ، وعواطف .

وجعلَت الصِّدق والإخلاص لله سبباً للثواب ، والنِفاق والرياء سبباً للعقاب ، وعمل الصالحات سبباً للنعيم والخلود في الجنَّات ، إلخ .

فمن هذا العرض القرآني نستطيع أن نكتشف مفهوم القرآن عن العبادة ، ووجوبها القائم على أساس أنَّها عمل سببي ترتبط به نتيجة ، وتركها إهمال سببي تترتَّب عليه نتيجة ، جرياً على حكمة الله في خلقه التي قضت بأن تكون علاقة الإنسان بالله ، ووجود هذا الإنسان في عالمي الدُنيا والآخرة ، خاضعاً لهذا القانون الوجودي العام ، قانون الترابط بين السبب والنتيجة .

فلقد جعل الله سبحانه الخلد والنعيم في الجنان لا يتحقق إلاَّ بالتزام النفس البشرية بقانون محدَّد – وهو العبادة – يوصلها إلى نتيجة مُحدَّدة – وهي رضا الله سبحانه – ، كما جعل تركها سبباً للعذاب والحرمان : ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) الأحقاف : ۱۹ .

من هنا كانت العبادة سبباً للحصول على النعيم والفوز بالجنان ، وكانت واجباً وضرورة كونية يفرضها منطق الوجود ، ويتوقف عليها مصير الإنسان .

كما يتوقف مصير أيَّة قضية في الوجود على سلسلة الأسباب والنتائج المترابطة في دائرة وجود هذه القضية .

وثَمَّة سبب آخر يخضع لنفس القانون ، ويعطي ذات النتيجة ، وهو واقع الحِسّ الأخلاقي ، والذي يتلخَّص مفهومه في المقولة المشهورة : شكر المنعم واجب .

أي أنَّ النعم التي أنعمها الله سبحانه على الإنسان توجب الشكر ، لأن حق المنعم الشكر ، والاعتراف بالنعم ، وضرورة إظهار هذا الاعتراف بكل الوسائل التعبيرية المتاحة للإنسان .

سواء بالقول أو الفعل ، كالصلاة والصوم ، والدُعاء والثناء ، أو في الإقرار النفسي والشعور الباطني بالفضل والامتنان ، لأن الإنعام فعل صادر من طرف ، هو الله سبحانه ، ليفاض على طرف آخر ، وهو الإنسان ، فما الذي يقابله في الطرف الآخر حسب قوانين الوجود ؟

لذلك فقد جعل الله سبحانه العبادة منهج ووسيلة الإنسان للتعبير عن الشكر ، وإكمال معادلة المبادأة بالنعم ، فأهَّل أفعال الإنسان ، ورَفَعَها إلى مستوى طرف الموازنة ، ومعادلة النعم والإحسان الإلهي .

ولكن ، أنَّى لعبادة الإنسان أن توازي نعم الرحمن ، التي لا تُعدّ ولا تُحصى .

وينضم إلى هذين السببين سبب ثالث للعبادة ، فيحتل أبعاداً خاصَّة في نفس الإنسان وهو أيضاً نتيجة طبيعية للعلاقة بين الأشياء وقدرها .

وهذا السبب هو الشوق والحب لله ، وانصراف النفس عمَّا حولها من موجودات ، وجزاء ونعيم مرتقب ، بسبب التعلُّق والارتباط بعظمة الله سبحانه والانصراف لكماله المطلق .

وتأتي هذه النتيجة الحتمية تعبيراً عن إحساس الإنسان بحقيقته الصغيرة المتناهية في الصغر ، والناقصة المستغرقة في النقص ، والحاجة إلى الكمال الإلهي الذي يستهوي دوافع النفس ، ويشدُّ وعيها ، وأحاسيسها ، إلى مُبدئها العظيم ، وهو الله سبحانه تعالى .

تماماً كما يتجه التائه في الصحارى المظلمة إلى مصدر النور والإشراق ، والظمآن إلى منابع الماء والرواء .

ومن مجمل ما عرضنا من حديث حول وجوب العبادة ، ومسؤولية الإنسان فيها ؛ نستطيع أن نستخلص ما يلي :

أن العبادة نتيجة حتمية لطبيعة الوجود الإنساني الذاتية ، يفرضها منطق الوجود العام ، والعلاقة الذاتية بين الإنسان وخالقه من جهة ، وبين عالم الدُنيا والآخرة من جهة اُخرى .

ويوصلنا بحثنا أيضاً إلى أن هناك أسباباً أساسية ثلاثة للعبادة هي :

السبب الأول : دفع العقوبة المتوقَّعة في عالم الآخرة ، والتهيؤ للعيش في عالم الخلد والنعيم بإعداد الذات ، وتوفير الأسباب الضرورية للعيش السعيد في عالم الآخرة ، وهي العبادة .

السبب الثاني : أنَّ الله منعم على الإنسان ، وكل منعم يستحق الشكر والثناء ، لذا كانت العبادة واجباً أخلاقياً ، لأنَّها أصدق وسائل التعبير عن الاعتراف بالنعم ، ومقابلة إحسان المنعم بما يماثلها من نماذج الخير والامتنان .

السبب الثالث : أن هَيَام الإنسان بِحبِّ الله لعظيم ذاته ، وجمال صفاته ، وجلال قدسه ، يشدُّ الإنسان إليه تعالى ، ويدفعه إلى تقديسه وعبادته ، حُبّاً وشوقاً إليه ، لأنه أهل للعبادة ، ومستحق للتقديس .

هذا ، وإن حقيقة الشوق إلى الله تعالى هي رجاء لقائه ، والأنس بقربه ، والسعادة بجواره ، وهذا لا يتحقق إلاَّ بالعبادة التي قوامها العمل الصالح ، والنيَّة الخالصة .

قال سبحانه : ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) الكهف : ۱۱۰ .