المذهب الشیعي » أجوبة الشبهات » الف » الإمام الحسن »

لماذا صالح الحسنُ(ع) معاويةَ ولم يثر كالحسين

السؤال:

لقد قام الإمام الحسن(عليه السلام) بمصالحة معاوية بن أبي سفيان، بينما ثار الإمام الحسين(عليه السلام) ضدّ يزيد بن معاوية؟ فلماذا صالح الحسن(عليه السلام) بينما ثار الحسين(عليه السلام)؟ وهل يعتبر هذان العملان متناقضان؟ ونحن نعلم أنّ الأئمّة معصومون، شكراً لكم.

الجواب:

قبل الإجابة نذكر مقدّمة هي:

نحن نعتقد أنّ موقف الإمام الحسن والإمام الحسين(صلى الله عليه وآله) واحد، فلا تعارض ولا تنافي بين موقفيهما(صلى الله عليه وآله).

بمعنى أنّه لمّا كان موقف الإمام الحسن(عليه السلام) هو الصلح مع معاوية، كان موقف الإمام الحسين(عليه السلام) ذلك أيضاً، وإلّا لثار على معاوية، وعارض أخيه الحسن(عليه السلام) على صلحه، بينما ينقل لنا التاريخ مساندته لأخيه الحسن(عليه السلام) ومعاضدته.

وهكذا، لو قدّر الله تعالى أن يكون الإمام الحسن(عليه السلام) حيّاً يوم عاشوراء لكان موقفه(عليه السلام) نفس موقف أخيه الحسين(عليه السلام)، ولا يرضى بالصلح مع يزيد.

وعلى أساس هذه العقيدة يتّضح معنى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله): «الحسن والحسين إمامان إن قاما أو قعدا»(۱).

وأمّا الجواب: فقد أُجيب عن هذا السؤال بعدّة أجوبة:

منها: إنّ شخصية معاوية تختلف عن شخصية يزيد، فمعاوية لم يكن يشكّل خطراً جدّياً على الإسلام بمقدار ما كان يشكّله يزيد؛ لأنّ معاوية كان يحافظ على بعض المظاهر الإسلامية، بينما كان يزيد مجاهراً بالفسق والفجور وشرب الخمور، وقتل النفس المحترمة، ولم يراع أيّ شيء من المظاهر الإسلامية، وعليه فكان الصلح مع معاوية ممكناً دون الصلح مع يزيد.

ومنها: إنّ الإمام الحسن(عليه السلام) قام بالثورة ضدّ معاوية، ولكن خانه أكثر قادته، وباعوا ضمائرهم لمعاوية بإزاء أموال ومناصب، حتّى إنّ بعض المقرّبين للإمام الحسن(عليه السلام) كتب إلى معاوية رسائل سرّية قال فيها: إن شئت سلّمناك الحسن حيّاً، وإن شئت سلمناه ميّتاً.

فاضطرّ(عليه السلام) إلى الصلح وترك الحرب؛ لوجود هؤلاء الخونة، دون أخيه الحسين(عليه السلام) الذي وجد أنصاراً وأعواناً.

ومنها: أراد الإمام الحسن(عليه السلام) من صلحه أن يحفظ نفسه وأهل بيته وأصحابه من الفناء، إذ لو كان محارباً لانتصرت الأُموية انتصاراً باهراً، وذلك بإنهاء الذرّية الطيّبة للنبيّ(صلى الله عليه وآله) والثلّة الصالحة من أعوانهم.

ومنها: إنّ الإمام الحسن(عليه السلام) استشار الجموع الملتفّة حوله في الظاهر، والمتخاذلة عنه في السرّ بقوله: «ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عزّ وجلّ بظبا السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا».

فناداه القوم من كلّ جانب: البقية، البقية(۲).

فساير(عليه السلام) قومه، واختار ما اختاروه من الصلح، فصالح كارهاً كما قبل أبوه(عليه السلام) التحكيم من قبل وهو كاره له.

ومنها: إنّ إرادة الله تعالى ومشيئته اقتضت أن يصالح الإمام الحسن(عليه السلام) معاوية، وأن يثور الإمام الحسين(عليه السلام) على يزيد، ولن يرضى بمصالحته.

ويظهر من مراجعة كلمات الإمام الحسن(عليه السلام)، التي أجاب بها على مَن اعترض عليه بعد الصلح أنّه(عليه السلام) أراد صلاح الأُمّة الإسلامية ـ كما أراد ذلك الإمام الحسين(عليه السلام) عند خروجه على يزيد، حيث قال: «وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي»(۳) ـ وإليك بعض هذه النصوص:

۱ـ قال له رجل: بايعت معاوية، ومعك أربعون ألفاً، ولم تأخذ لنفسك وثيقة، وعهداً ظاهراً؟

فقال له: «إنّي لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر منّي عند اللقاء، ولا أثبت عند الحرب منّي، ولكنّي أردت صلاحكم»(۴).

۲ـ قال له رجل آخر: يا بن رسول الله، لوددت أن أموت قبلما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجور.

فقال له الإمام(عليه السلام): «إنّي رأيت هوى معظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحبّ أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت…»(۵).

۳ـ قال له ثالث: لم هادنت معاوية وصالحته وقد علمت أنّ الحقّ لك دونه، وأنّ معاوية ضالّ باغ؟

أجابه الإمام(عليه السلام): «علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لبني ضمرة، وبني أشجع، ولأهل مكّة حين انصرف من الحديبية، أُولئك كفّار بالتنزيل، ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل»(۶).

۴ـ قال له رجل: لماذا صالحت؟ فأجابه(عليه السلام): «إنّي خشيت أن يجتثّ المسلمون على وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين ناع».

______________________

۱ـ روضة الواعظين: ۱۵۶، مناقب آل أبي طالب ۳/۱۶۳، المصابيح في إثبات الإمامة: ۸۸٫

۲ـ تاريخ مدينة دمشق ۱۳/۲۶۸، أُسد الغابة ۲/۱۳، سير أعلام النبلاء ۳/۲۶۹، تاريخ ابن خلدون ۲/۱۸۷٫

۳ـ لواعج الأشجان: ۳۰٫

۴ـ شرح نهج البلاغة ۱۶/۱۵٫

۵ـ الأخبار الطوال: ۲۲۰٫

۶ـ علل الشرائع ۱/۲۱۱، الطرائف: ۱۹۶٫