لماذا-علي(ع)-بايع-أبا-بكر-وعمر-وعثمان

لماذا علي(ع) بايع أبا بكر وعمر وعثمان

السؤال من الوهابیة: إذا كان علي رضي الله عنه يعلم أنه خليفة من الله منصوص عليه، فلماذا بايع أبا بكر وعمر وعثمان؟!

فإن قلتم: أنه كان عاجزاً، فالعاجز لا يصلح للإمامة، لأنها لا تكون إلّا للقادر على أعبائها.

وإن قلتم: كان مستطيعاً ولكنه لم يفعل فهذه خيانة، والخائن لا يصلح إماماً! ولا يؤتمن على الرعية، وحاشاه من كلّ ذلك ـ فما جوابكم إن كان لكم جواب صحيح؟

نقول في الجواب الصحيح:

أولاً:

لاشك ولا ريب أنه خليفة من الله ومنصوص عليه، بکلّ ما للخلافة والإمامة من معنى، وذكرنا أنّ للإمامة ثلاث مناصب: الخلافة والإمامة التكوينية ـ للنبي أو الوصي ـ وهي تتمثل في الإنسان الكامل مظهر ومرآة إسم الله الأعظم وهو حجة الله على الخلائق، والخلافة والإمامة التشريعية وهي تتمثل بتبليغ الرسالة للنبي وحفظها وترجمانها للوصي، والخلافة والإمامة الدنيويّة بمعنى الأمارة والسلطة الحاكمة على تدبير شؤون الناس وهي عرضية للإمام يمارسها مع إجتماع شرائط، ومنها قبول الناس في مقام العمل والتطبيق لأمارته ولا يكفي مجرد الإعتقاد القلبي، وهذا ما لم يحصل لأئمتنا الأطهار(عليهم السلام) سوى لأمير المؤمنين علي(ع)  بعد غصب حقه لسنين وللإمام الحسن(ع)  بعد أبيه وخذلان الناس إيّاه والرجوع إلى معاوية فإنّ مائدته أدسم ويؤمّن دنياهم وملاذهم، وبقي الملك العضوض في قبيلته ثم إنتقلت إلى بني عباس وخلفائهم وأمتدت مدرسة الخلفاء ومن أبي بكر إلى آخر خليفة عباسي في سقوط بغداد  وإنقرضت الخلافة ورجع الناس إلى الملكويّة والإنقلابات العسكرية، والغزو الثقافي الغربي أو الشرقي الرأسمالي أو الإشتراكي، وإنقسمت البلاد الإسلامية إلى ما لا يحمد عقباه كما في اليوم المعاصر من إنحطاط المسلمين وتراجعهم وعمالة رؤسائهم إلى الإستعمار والإستكبار الغربي أو الشرقي، والإستبداد الحاكم في الأقطار الإسلامية وما ذلك إلّا نتيجة يوم السقيفة، ولكن وعد الله المؤمنين والمؤمنات أنّ الأرض يرثها عباد الله الصالحون ويملأها بالمهدي من ولد فاطمة الزهراء’ بالقسط والعدل بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وأنّ الله لن يخلف وعده، وأنّ نصره لقريب.

وثانياً:

قولكم بايع الثلاثة فهذا من الكذب والإفتراء، فإنّه كيف بايع وهو يتوجّع منهم في خطبته الشقشقية غاية التوجع والألم، وكذلك في النصوص الأخرى المعتبرة والصحيحة كما مر، فلا نعيد طلباً للإختصار، وقد أشار إلى ذلك العلامة السيد شرف الدين العاملي + في كتابه القيم (المراجعات) فراجع.

وثالثاً:

ما حدث من أمير المؤمنين(ع) لم يكن عن عجز ولا خيانة، بل كان بأمر الله ورسوله| فكان من إطاعة الله وإطاعة رسوله، أن يصبر بعد الوصية إن لم يكن ناصراً ينصره، وقد خذله القوم، وغصبوا حقه، ونحّوه عن مرتبته وسلطنته الدنيويّة، لأنه حلیت الدنيا بعيون نفوس فشحت وتكالبت عليها، وإرتدت في مقام العمل عن وليّ أمرها، فلم يكن له حيلة إلّا الصبر حفاظاً على أصل الدين، فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجى.

ثم ليس كل من كان مستطيعاً ولم يفعل فإنّه خائن، بل لأمير المؤمنين علي(ع)  كانت الإستطاعة له، إلّا أنه مقيّد بوصيّة رسول الله|، ومثل أمير المؤمنين لم يتخلّف عن الرسول قيد شعرة، كما هو واضح وإليك ما قاله العلامة السيد شرف الدين العاملي في كتابه (النص والإجتهاد:ص20) بعد رواية إجتماع جمع من القوم في السقيفة وما جرى فيها فقال: (وكان(ع)  ـ علي ـ علی علم من تصميم القوم على صرف الأمر عنه) وأنه لو نازعهم فيه لنازعوه، ولو قاتلهم عليه لقاتلوه، وإنّ ذلك يوجب التغرير في الدين والخطر بالأمة، فأختار الكّف إحتياطاً على الإسلام، وإيثاراً للصالح العام، وتقديماً للأهم على المهم، عهد معهود من رسول الله| صبر أمير المؤمنين على تنفيذه وفي العين قذى وفي الحلق شجى ـ وورد تفصيل ذلك كلّه في مؤلفات السيد أيضاً في (فلسفة الميثاق والولاية) والمراجعة 82 و84 من كتاب (المراجعات) فإنّ فيهما من التفصيل ما يثلج الغليل ـ نعم قعد في بيته ساخطاً مما فعلوه، حتى أخرجوه كرهاً ـ كما أخرجه أبو بكر الجوهري في كتاب (السقيفة ) وفي شرح النهج الحديدي (ج2 ص19) عن الشعبي في حديث مفصل ـ إحتفاظاً بحقه المعقود به إليه وإحتجاجه على من إستبد به، وما أبلغ حجته إذ قال مخاطباً لأبي بكر:

فإن كنت بالقربى حججت خصيمهم  **  فغيرك أولى بالنبي وأقرب

وإن كنت بالشورى ملكت أمورهم  **  فكيف بهذا والمشيرون غُيّب

ـ وقال علي(ع): سلامة الدين أحبّ إلينا، ومن هذا المنطلق الديني والإلهي كان(ع) ينطلق في تفاعله مع الأحداث والمحدثات والإنقلاب الذي كان بعد رسول الله| ـ وقد كانت بيعتهم فلتة، وقى الله المسلمين شرها كما زعموا ـ (قال أبو بكر: أن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها وخشيت الفتنة…) (شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد: 1: 132) ـ لكن تلك الوقاية إنما كانت على يد أمير المؤمنين بصبره على الأذى، وغمضه على القذى، وتضحيته حقه في سبيل حياة الإسلام، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير جزاء المحسنين ـ إنتهى كلامه رفع الله مقامه.

السؤال:

عندما تولى علي رضي الله عنه لم نجده خالف الخلفاء قبله، فلم يخرج للناس قرآناً غير الذي عندهم ولم ينكر على أحد منهم شيئاً، بل تواتر قوله على المنبر: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر) ولم يشرع المتعة، ولم يرد فدك، ولم يوجب المتعة في الحج على الناس، ولا عمم قول (حي على خير العمل) في الآذان ولا حذف (الصلاة خير من النوم) فلو كان أبو بكر وعمر كافرين قد غصبا الخلافة منه ـ كما تزعمون ـ فلماذا لم يبين ذلك والسلطة كانت بيده؟! بل عكس ذلك، إمتدحهما وأثنى عليهما، فليسعكم ما وسعه أو يلزمكم أن تقولوا بأنه خان الأمة ولم يبين لهم الأمر وحاشاه من ذلك.

والجواب الحق: أولاً:

عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود فإنّه إنما لم تجد لإنك عشت ولا زلت في أجواء مشحونة بمدح الصحابة وعدالتهم جميعاً وأنّه أفضل الخلق بعد رسول الله أبو بكر وعمر وأقامت بني أميّة عشرات الروايات كذباً على رسول الله| في ذكر فضائلهما ممّا يتنافى مع العقل السليم والواقع المعاصر، ويكفيك أن تقرء كتب أصحابنا لتعرف الحق فتعرف أهله.

وثانياً:

لقد إعترض أمير المؤمنين عليهم في حياتهم وكيف لا يعترض بعد وفاتهم، أليس طلب منه عندما رشّحه عبد الرحمن بن عوف إلى الخلافة أن يعمل بكتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الشيخين ـ أبو بكر وعمر ـ فرفض× الشرط الثالث وقال: على كتاب الله وسنة رسوله وإجتهاده، فبايع عبد الرحمن عثمان على ذلك، وأما إنكاره من بعدهم فيكفيك (الخطبة الشقشقية) وغيرها من النصوص كما مر.

وثالثا:

قولك (بل تواتر قوله على المنبر: (خبر هذه الأمة بعد نبيها أبوبکر وعمر) فهذا كذب وإفتراء عليه، وأنه ينفي نفسه بنفسه، فإنّه من الخبر الآحاد ولو كان متواتراً فما كان النزاع منذ الصدر الأول والى يومنا هذا، وإذا كانا خير الأمة، فلماذا لم يبايع ولماذا يتوجع منهما في خطبته الشقشقية، ولماذا إجتمعوا في السقيفة ويعلو الصياح بين المهاجرين والأنصار منا أمير ومنكم أمير، بل يرجعون إلى عليّ ولأخبرهم أنهما خير الأمّة وينتهي كل شيء.

ثم هذا الخبر يتنافى مع جلوسه في البيت 25 عاماً صابراً محتسباً مظلوماً ثم كيف يقول خير الأمة فأي خير كانا لهما هل سبقاه في الإسلام أو كانا أعلم منه أو أتقى وأزهد أو أعرف بالقرآن منه، وكيف يكون أبو بكر خير الأمة وهو يقول (وفيّ شيطان يعتريني ولست خيركم وفيكم أبو الحسن).

ورابعاً:

ما ذكرته من المصاديق وعدم إنكار أمير المؤمنين علي(ع) في أيام خلافته الظاهرية عليها، فإنّه من الكذب والإفتراء أو الجهل بالحقائق أيضاً، والحديث عن كل مصداق يحتاج إلى رسالة مستقلة كما فعل ذلك علمائنا الأعلام.

فإنّ المتعة شرعها الله ورسوله وكانت في خلافة أبي بكر وقسطاً من خلافة عمر إلّا أنّه حرّمها خلافاً لشرع الله ورسوله وكذلك متعة الحج وقال (متعتان كانتا في زمن رسول الله وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما).

وكذلك الأمر في ردّ فدك وأجزاء الآذان وبدعة عمر في زيادة (الصلاة خير من النوم) راجع (النص والإجتهاد) للإمام السيد شرف الدين العاملي.

وخامساً:

غصب الخلافة من أمير المؤمنين علي(ع) لم يكن من زعم الشيعة، بل من حقائق التاريخ وما يعرفه الخاصة والعامة، ونرجع فيها إلى ما تواتر عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ومنه (الخطبة الشقشقية)، وأنه بيّن للأجيال ما جرى عليه من الظلم والجور وتقمصهم لباس الخلافة زوراً وظلماً، وما يقال من مدحهما إنّما هو نسيج وصنع الأعلام المضلّل في مدرسة الخلفاء من عصر بني أمية وبني العباس، فكانت الأقلام المأجورة من وعاظ السلاطين وکتّاب السّيرة من أعوان الخلفاء، يدورن في فلكهم، جثموا على فتات موائدهم يلحسون قصعهم ويکتبون ما یلبّي رغباتهم وما يصب في مصالحهم ویشيّد ملكهم العضوض.

ألا لعنة الله علی القوم الظالمین وسیعلم الذین ظلموا أيّ منقلب ینقلبون والعاقبة للمتّقین.

الکاتب: السید عادل العلوي