لماذا-لم-يصلح-علي-ما-أفسده-الخلفاء

لماذا لم يصلح علي(ع) ما أفسده الخلفاء

ينقل الكليني: أن بعض أنصار الإمام علي ـ «رضي الله عنه» ـ طالبه بإصلاح ما أفسده الخلفاء الذين سبقوه، فرفض محتجّاً بأنه يخشى أن يتفرق عنه جنده(1)، مع أن التهم التي وجهوها للخلفاء قبله (أبي بكر وعمر وعثمان ـ «رضي الله عنهم» ـ) تشمل مخالفة القرآن والسنة.

فهل ترك علي لتلك المخالفات كما هي يُناسب «العصمة» التي يدَّعونها له؟!

الجواب:

هناك نوعان من المخالفات التي تجب معالجتها:

النوع الأول:

ما يرتبط بوظائف وتصرفات الخليفة والحاكم نفسه، مثل إجراء سنن العدل في الرعية، والقسمة بالسوية، وأخذ الحق من غير أهله، وإعطائه لأهله، وتوفير الفيء على المسلمين، وإصلاح شؤونهم، والقضاء بينهم بشرع الله، وإجراء الحدود، وتعليم الناس أحكام دينهم، وتربيتهم، وإشاعة الفضائل والقيم والأخلاق الرفيعة بينهم، وإحياء السنن، وإماتة البدع، ودفع أعدائهم، وتقوية سلطانهم و.. و.. الخ..

فيجب على الحاكم في جميع ذلك: العمل بشرع الله، ورعاية حدوده. من دون أي محاباةٍ، أو تهاون، أو مخالفة مهما كانت..

النوع الثاني:

ما يرتبط بتكاليف الناس أنفسهم، وما يرتبط بمذاهبهم واعتقاداتهم، فالواجب على الحاكم أن يرشدهم إلى الحق، وأن يدعوهم إلى العمل به، وأن يعمل على إزالة الشبهة عنهم، وليس له أن يتوسل بالقوة، فإنه لا إكراه في الدين، إلا إذا فرضت الظروف تجاوز هذه المرحلة، فيما إذا زالت الشبهة وأصبحت المخالفة والتعامل معها داخلة في سياق الضوابط، ووفقاً لما يتوفر من شرائط وحالات، تؤسس لمراحل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ولذلك تلاحظ: أن علياً «عليه السلام» لم يحاب ولم يصانع أحداً في كل ما يرتبط بالنوع الأول، بل طبق أحكام الله بحذافيرها.. رغم أن ذلك قد كلفه غالياً، حيث تمرد عليه الناكثون ونقضوا بيعته، وجمعوا الجيوش لحربه، وتسببوا بقتل عشرات الآلوف من المسلمين.

وأما فيما يرتبط بالنوع الثاني، فقد كان «عليه السلام» يعمل على إزالة الشبهة عن الناس، ولم يمارس العنف ضد أحد، لأن الشبهة كانت لا تزال قائمة، وكان التعلل بها يمنع من اتخاذ أي إجراء، لأن الناس سيرون أنفسهم مظلومين معه، فإنهم كانوا يرون أنهم قد أخذوا تلك الأمور عن صحابة رسول الله «صلى الله عليه وآله».. وعليهم أن يحسنوا الظن بهم، وأن يلتمسوا لهم الأعذار، ولا يرون مانعاً من تقليدهم والأخذ عنهم..

وشاهدنا على ذلك: أنه «عليه السلام» لما أراد منع الناس من صلاة التراويح، صاح الناس: وا سنة عمراه(2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- «الروضة للكليني» ص29.

2- راجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص283 وج1 ص269 والصراط المستقيم ج3 ص26 والكافي ج8 ص63 وتلخيص الشافي ج4 ص58 وراجع: الجواهر ج21 ص337 ووسائل الشيعة، باب (10) من أبواب نوافل شهر رمضان، كتاب الصلاة، وكشف القناع ص65 ـ 66 وسليم بن قيس (ط مؤسسة البعثة) ص126 وتلخيص الشافي ج4 ص58 وبحار الأنوار ج31 ص 7 و 8 وج34 ص181 و (ط قديم) ج8 ص284 والشافي في الإمامة ج4 ص220 وتقريب المعارف ص347 وكتاب الأربعين للشيرازي ص562 وإحقاق الحق (الأصل) ص247.