لماذا يحارب المشروع التغييري الاسلامي؟

المخاض الذي تعيشه الامة منذ بضع سنوات صعب وعسير، ولكنه احدى ضرورات النهوض ومؤشر لما يحظى به مشروع التغيير من اهمية لدى اصحابه، وخوف عميق لدى اعدائه. وفي هذا المخاض يتداخل الأمل بمولود سعيد بالألم الناجم عن اضطراب الجسد من جهة والوخز الدائم ممن حوله من جهة اخرى.

وربما اعتقد البعض ان التحول نحو الديمقراطية سيحدث بطرق أقل كلفة، غير ان السنوات الثلاث الماضية اظهرت عكس ذلك، وأكدت ان اعداء التغيير كثيرون، يختلفون على كل شيء ويتفقون على وأد ذلك التغيير. ويمكن القول ان اكبر عملية اجهاض للمشروع التغييري حدثت في مصر، فهي عملية قيصرية قتلت الجنين وسعت لتعقيم الام لكي لا تحمل مستقبلا. وفي البلدان الاخرى حدثت عمليات اجهاض عديدة واعادت الامة الى أسوأ مما كانت عليه قبل الربيع العربي. لقد اصبح واضحا ان الايدي التي مارست عملية اجهاض التجربة المصرية وسيطرت على التجربة التونسية، هي نفسها التي تحركت هذا الاسبوع لاجهاض التجربة الليبية بأسلوب مقارب لما حدث في مصر. وهي نفسها التي تسعى لاسقاط التجربة العراقية وحولت الحالة السورية الى حرب طائفية.

وما يبدو من تناقض هنا اصبح فهمه متعسرا على اذهان الكثيرين. فاذا كانت قوى الثورة المضادة ترفض التحول الديمقراطي وانهاء عقود الاستبداد، فلماذا تتحمس للاضطرابات الدموية في العراق وسوريا؟ هل انها حقا تسعى لاقامة انظمة ديمقراطية بديلة؟ ام ان لها اهدافا اخرى؟ التفسير الاقرب للواقع ان قوى الثورة المضادة ما تزال تتحسس من مشروع التغيير الذي اصبح مرادفا لمشروع الاسلام السياسي، وهو العقدة الاولى التي ترسخت في نفوس اعداء التغيير واذهانهم.

ويشترك الغربيون مع انظمة الاستبداد في العداء لمشروع الاسلام السياسي، ولذلك التقت جهودهم على طريق منع قيامه، او اسقاطه ان كان قائما. وربما لا يعترض الغربيون على حدوث قدر من التغير الديمقراطي الذي يفترض ان ينسجم مع القيم التي طالما تحدثوا عنها وروجوها في بعض المناطق، ولكنهم لن يعملوا من اجل تحقيقه. اما انظمة الاستبداد فهي تحارب التغيير بغض النظر عن التيارات التي ستستفيد منه، او شكل الانظمة التي سيفرزها ذلك التغيير. لقد اعادت قوى الثورة المضادة قراءة الملف الجزائري وكيف تم اسقاط الخيار الشعبي بانقلاب عسكري مكشوف، حدث في وضح النهار، مع سبق الاصرار والترصد. يومها لم ينطق احد بكلمة ضد ما حدث برغم انه كان انقلابا واضحا ضد مشروع ديمقراطي واعد. والجميع يدرك الآثار المدمرة لذلك الانقلاب، والثمن البشري الباهظ المتمثل بازهاق ارواح اكثر من 150 الفا من البشر على مدى اعوام عشرة لاحقة. واليوم تكررت التجربة في مصر، بانقلاب عسكري مقيت ادخل البلاد والمنطقة عهدا أسود لا يقل حلكة عما جرى في الجزائر، وفي العراق قتل اكثر من هذا العدد، كما استرخص الدم السوري حتى سال انهارا باعداد من القتلى تفوق ذلك. فما القضية؟ وما الموضوع؟

الامر الاول ان المشروع الاسلامي كان، وما يزال، وسيظل، مستهدفا من قبل قوى الثورة المضادة، بدون رحمة او تردد.

وهنا يتم التغاضي تماما عن مقولات حقوق الانسان، وحتى حين يصدر تقرير او بيان يشجب الممارسات القمعية للقوى التي اسقطت الخيار الديمقراطي، فان الشجب يبقى لفظيا ولا يؤدي لاتخاذ اجراءات سياسية او اقتصادية رادعة. وقد اظهرت تجارب الامة الحالية ان مقولة حقوق الانسان تحولت الى ظاهرة صوتية تفتقد وسائل التنفيذ او الضغط الحقيقي على الانظمة التي تنتهك حقوق شعوبها. وتؤكد ما يسمى االانتخابات المصريةب انعدام الموقف الاخلاقي تماما لدى العالم، فالمرشح الاول الذي يقطع الجميع بحتمية افوزهب هو نفسه الذي قاد الانقلاب العسكري على التجربة الديمقراطية الاولى من نوعها في مصر في العصر الحديث، وهو المسؤول عن سفك دماء آلاف الضحايا عند مسجد رابعة العدوية وساحة النهضة. مع ذلك يتم التعاطي مع تلك الانتخابات وكأنها مشروع ديمقراطي تغييري أنقذ الامة من خطر مؤكد يتمثل باستمرار جماعة الاخوان المسلمين في الحكم. وهنا يتعرض المشروع الاسلامي، كما كان دائما، لحملة تشويه متواصلة. وبدلا من تجريم المجموعات الارهابية التي تدعمها قوى الثورة المضادة وتمدها بالسلاح والعتاد والمال بدون حدود، يتم التصدي لمجموعات التغيير في العديد من الدول العربية، وتوجه لها الاتهامات التي لا تنسجم مع طبيعتها. فهي باغلبيتها الساحقة حركات موغلة في القدم ولا تؤمن بالارهاب او تمارسه. مع ذلك يساق افرادها للسجون بدون حساب. ففي مصر هناك اكثر من عشرين الف سجين سياسي مرتبطين بمشروع التغيير الديمقراطي على اسس اسلامية، وفي البحرين ما يقرب من اربعة آلاف سجين سياسي من نشطاء الثورة، ولدى الكيان الاسرائيلي 5100 سجين فلسطيني اغلبهم من المجموعات الاسلامية مثل حماس والجهاد الاسلامي.

ان ربط جماعات الاسلام السياسي بالارهاب جريمة ضد التغيير وضد الانسانية. فهو ظلم لمجموعات واشخاص باتهامهم بما لا يؤمنون به اساسا، فضلا عن ممارسته. ففي مصر صدرت احكام الاعدام بحق اكثر من الف شخص بتهم مزيفة تماما، وفي البحرين تصدر أحكام الاعدام والسجن يوميا بحق النشطاء المشاركين في المشروع التغييري الذي يجمع العالم على انه الاكثر سلمية في العالم العربي. وتتعرض الجماعات المنسوبة للاسلام السياسي في العديد من الدول العربية للتنكيل والسجن بسبب ارتباطهم بمشروع التغيير. لقد تم اسقاط الاسلاميين الذين وصلوا الى الحكم عن طريق الانتخاب الحر، ووضعت العراقيل والمعوقات امام من لم يسقط منها حتى الآن. ان تلغيم الاجواء التي تعيشها انظمة التغيير واحد من انجع الوسائل لاثارة الرأي العام ضد الاسلاميين. هذا في الوقت الذي تتخذ اجراءات اقل صرامة بحق المجموعات الارهابية التي تسفك دماء الابرياء بدون رحمة او ضمير. فالجهود المبذولة ضد مجموعات من نوع ابوكو حرامب النيجيرية متواضعة جدا. وبرغم خطف حوالي300 طالبة كان الاهتمام باثارة الرأي العام ضد الاسلام اكثر من الاهتمام بالتصدي للمجموعة اولا وتحرير الطالبات المرتهنات لديهم ثانيا. مجموعات التغيير الاسلامي لا تقبل الجرائم التي تمارسها هذه المجموعات الارهابية، سواء تلك التي تمارس القتل على الهوية في العراق وسوريا وتهدم المساجد والاضراحة وتستهدف الابرياء، ام التي تستخدم الارهاب ضد الابرياء في البلدان الاخرى.

وباستقراء المشهد السياسي العام في العالم العربي، يلاحظ ان هناك مشروعين مهمين اصبحا اول ضحايا الهجمة على المشروع الاسلامي التغييري. اول الضحايا قضية فلسطين وموقعها في الوجدان الشعبي. فقد تم تهميشها بشكل غير مسبوق، واستهدفت المجموعات المقاومة للاحتلال سواء في فلسطين ام لبنان، واستهدفت منظمة حماس بشكل خاص بعد الانقلاب العسكري المصري، واغلقت الانفاق التي كانت مصدر امداد اهل غزة بمستلزمات الحياة، مع استمرار الحصار الاسرائيلي المفروض على غزة. فيما أصبحت انظمة الاستبداد العربية مشغولة باستهداف المعارضين والثوار، وتوفرت للصهاينة حقبة غير مسبوقة من الهدوء السياسي والامني، بينما انشغل الفلسطينيون بالبحث عن لقمة العيش وشيء من الأمن على ارضهم. واستطاعت قوى الثورة المضادة إزالة أي تهديد عسكري للكيان الاسرائيلي على الحدود، بانهاء دور جيوش مصر وسوريا والعراق.

يضاف الى ذلك إزالة القضية الفلسطينية من اولويات العمل العربي المشترك ومن الوجدان الشعبي.

اما التغير الآخر فيتمثل بالتطبيع الفكري والنفسي مع الولايات المتحدة الامريكية التي اصبحت لدى البعض تمثل ‘الملجأب الاخير من الاستبداد والديكتاتورية. فاصبحوا يخطبون ودها، برغم مواقفهم السابقة وثقافتهم السياسية التي نشأوا عليها بان امريكا حليفة الاستبداد وداعمته سياسيا وعسكريا وامنيا. برغم هذا التطبيع فقد بقيت واشنطن مترددة في دعم التغيير الديمقراطي، وحسمت امرها بالوقوف مع الاستبداد والابتعاد عن اثارته. وهذا ما حدث خلال اجتماع الرئيس اوباما مع المسؤولين السعوديين الشهر الماضي. اذن كيف يفهم قرار امريكا وبريطانيا زيادة الدعم للمعارضة السورية؟ الامر المؤكد ان بقاء سوريا والعراق في حالة توتر امني متواصل، وحاضنتين للعناصر الارهابية المتطرفة ضرورة لحماية انظمة الاستبداد. فلو استقرت اوضاع هذين البلدين لاضطر المسلحون للعودة الى بلدانهم ومواجهة انظمة الحكم فيها..

تدرك قوى الثورة المضادة ان وصول الاسلاميين الى الحكم سيغير ذلك. فستظل قضية فلسطين، في المشروع الاسلامي، محورية، ومصدر اتفاق المسلمين، وواحدا من اهم اسباب وحدتهم. كما ستبقى قيم الاستقلال ثابتة في ذلك المشروع، وسيكون التعاطي مع الدول الاخرى، ومنها الولايات المتحدة، محكوما بالمصالح المشتركة على اساس التساوي والاعتراف المتبادل، وبما يحقق استقلال المسلمين. وستتلاشى تدريجيا حالة التبعية للغرب وينطلق مشروع الوحدة والتضامن والتكامل، وهذا ما لا يقبل به الغربيون، ولا ينسجم مع مشاريع الاستبداد والديكتاتورية، ولذلك ستحتدم المواجهة بين طرفين: الشعوب العربية والمسلمة المتطلعة للحرية والاستقلال، وقوى الثورة المضادة التي انسلخت من انسانيتها وتلطخت ايديها بدماء الابرياء.

الكاتب: د. سعيد الشهابي