المعرفة الإنسانية وطرق الوصول إليها

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما نقوم بدراسة مقاطع الرحلة المعرفية للإنسان نجد أنه يبدأ رحلته هذه بعد ظهوره على متن الأرض أو ما يعبر عنه بعالم الدنيا، فإن الإنسان يولد خالي الذهن من أي معرفة تذكر، ولكن خلو نفسه من المعرفة لا يمانع حركته المعرفية؛ لوجود خصلتين يتحلى بهما: الأولى أنه يميل بفطرته للتعرف على ما يحيط به من موجودات. والثانية أن الله تبارك وتعالى قد زوده بجملة من القنوات التي يرتبط من خلالها بالخارج.

ومن الجدير بالذكر أن هذه القنوات المعرفية لا تبدأ حركتها بوقت واحد، أو قل لا تصاحب الإنسان وتسعفه لمعرفة الخارج في وقت واحد، بل تبدأ حركتها مترتبة، فأول ما يصاحبه ويكشف عنه لثام الجهل وقناع الظلام الذي يلفه: الحواس، يأتي إلى الدنيا وهو لا يعرف خصائصها ولا أحكامها ولا موجوداتها، فيبدأ الحس في تعريف صديقه الإنسان على بعض ما يحيط به، فبه يرى الألوان والأشكال وبه يسمع الأصوات والأنغام ومن خلاله يصل إلى الروائح والملموسات والطعوم.

لكن هذا لا يشبع نهم الإنسان نحو المعرفة، فيستعين بالخيال من أجل الاحتفاظ بما تعلمه بواسطة الحس وتطويره من خلال التركيب بين ما عنده من الصور الحسية، ثم تبدأ قواه العقلية بالحركة والنهوض من أجل تزويد الإنسان بالمعارف الكلية المجردة عن المادة التي عاشها وأنس بها.

إلا أن القوى العقلية رغم أنها تسير مع الإنسان مسافات ليست بالقليلة ولكنها مع ذلك تقف في حدودها.

ومن هنا قد يتساءل الكثير منا عن طبيعة العلاقة بين هذه الأدوات التي يتزود الإنسان من خلالها بالمعرفة، فهل هي علاقة متقاطعة بمعنى أن الاعتماد على بعضها يساوق التنكر للأخريات؟ أم أن العلاقة بينها علاقة التعاضد وتكميل بعضها للبعض الأخر من أجل النهوض بالإنسان وانتشاله من دائرة الظلام المعرفي والفراغ المعرفي إلى حيث النور والعلم حتى يصل إلى كماله المنشود الذي خلق من أجله؟

ومعرفة الجواب عن هذا السؤال يتطلب ـ بطبيعة الحال ـ الوقوف على الأدوات المعرفية ومعرفة خصائصها التي تمكنها من كشف الواقع لمعرفة الفضاء المعرفي الذي تتحرك فيه، وبعد رسم الحدود لكل أداة نعرف مقدار التداخل والتباين بين هذه الأدوات وجهة الحركة التي تسير إليها، فهل هي تسير باتجاه واحد حتى يقال بأنها متعاضدة أم أنها تسير باتجاهات متباينة لكي يقال عنها بأنها متقاطعة؟

الأدوات أو القنوات التي يتصل من خلالها الإنسان بالخارج وكشف رموزه وخصائصه أربع: الحس والعقل والكشف القلبي والوحي، ويراد من الأخير الروايات التي بين أيدينا الواردة عن المعصومين من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).

أما الحس فهو الأداة التي تكشف الماديات المحسوسة من الألوان والأشكال والأصوات والطعوم والروائح وملمس السطوح، ولهذه الأداة آلات خمس: الباصرة والسامعة والشامة والذائقة واللامسة. فهذه الآلات تحس الأشياء وتقوم بتجربتها لمعرفة خواصها، ومنها يتألف البرهان التجريبي بمعونة العقل، فإن البرهان التجريبي هو برهان متألف من مقدمتين:

المقدمة الأولى مبتنية على أداة الحس من خلال تتبع الجزئيات ومعرفة الأحكام الثابتة لهذا الجزئيات المحسوسة في ظروف مختلفة.

والمقدمة الثانية هي مقدمة عقلية مؤداها أن الحكم الثابت لموضوع ما ـ دائما أو في أكثر الأحيان ـ لا يمكن أن يكون اتفاقيا ومن دون وجود علة في الموضوع تقتضي ثبوته له.

فالمقدمة الأولى تحرز للمُجرِب أن الحكم ثابت للموضوع دائما أو في أكثر الأحيان.

والمقدمة الثانية تحرز للمُجرب أن ثبوت الحكم بشكل دائم أو في أكثر الأحيان لا يمكن أن يكون ثبوتا اتفاقيا أو عشوائيا.

ومن خلال هاتين المقدمتين يحصل المبرهن على نتيجة حكمية مفادها أن الحكم ثابت لجميع أفراد هذا الموضوع (التي أُقيمت عليها التجربة والتي لم تقم عليها التجربة).

هذا بالنسبة إلى الأداة الأولى للمعرفة وهي الحس، فإذا أملنا الطرف عنها قليلا وألفتنا بدفة الحديث نحو الأداة الثانية وهي العقل لنتعرف على بعض خصائصها، ونجيب أنفسنا عن بعض ما تسأل عنه بخصوص هذه الأداة من قبيل: ما هو المراد من العقل كأداة معرفية؟ وما هي دائرته التي يتحرك فيها؟

والمراد بالعقل كأداة معرفية هو قوة النفس المدركة للكليات والذي يعبر عنه بالعقل القياسي الأرسطي، ومن هنا يتميز عندنا مصطلح العقل المبحوث عنه في الأدوات المعرفية عن المصطلحات الأخرى للعقل المستعملة عند بعض الكتاب والباحثين، فلا نقصد به العقل القائم على الاستقراء أو التراث، كما لا نقصد به العقل المشار إليه في المباحث الفلسفية من الجوهر المجرد عن المادة ذاتاً وفعلاً.

فالعقل في المباحث المعرفية يراد به القوة النفسانية المفكرة والمدركة للكليات والتي قسموها إلى عقل نظري وعقل عملي.

والعقل بهذا المعنى أداة من أدوات المعرفة لأنها تحصّل الواقع المتمثل بالكليات وتكشف عنه إما بنفسه ومن دون حاجة إلى أداة معرفية أخرى، وذلك في القضايا العقلية الكلية المجردة، وإما بالاستعانة بالأدوات المعرفية الأخرى، من قبيل استعانته بالحس للحكم على المحسوسات أو استعانته بالوحي للحكم على القضايا الاعتبارية الشرعية والتعاليم الأخلاقية.

ومن هنا يتبين أن العقل يتحرك في دائرة محددة لا يمكن له أن يتخطاها وإلا فقد تجاوز الصواب، وهي دائرة القضايا الكلية الواقعية.

والأداة المعرفية الثالثة هي الوحي، وليس مرادنا منه نفس الوحي المصطلح عليه عند المتشرعة، وهو نزول الملك على الأنبياء والرسل (عليهم السلام)؛ لأن ذلك مخصوص بأهله ولا يمكن الاستفادة منه بالنسبة لسائر أبناء الإنسانية، بل المراد به الأخبار المحكية عن الوحي والتي وصلت إلينا بواسطة الرواة أو بالمباشرة.

فالأخبار والروايات هي في الحقيقة من الأدوات التي يستعان بها لتحصيل المعرفة بالقضايا الشرعية التنظيمية لحياة الإنسان ـ الأيدولوجية الدينية ـ في التعاليم الأخلاقية، وكذا يستفاد منها في تحصيل المعرفة بالقضايا العقائدية التفصيلية أو ما يعبر عنها بفروع الاعتقاد.

وهذه الأداة لا يمكن الاعتماد عليها إلا بعد ثبوت أصول الاعتقاد من التوحيد والنبوة والمعاد؛ لذا لا يمكن الاعتماد عليها في إثبات هذه الأصول الاعتقادية؛ لأنه يلزم الدور المحال، فإن هذه الأداة حجيتها واعتبارها متوقف على ثبوت هذه الأصول، فإذا كان ثبوت هذه الأصول متوقف على هذه الأداة صارت الأخبار علة ومعلولة لثبوت الأصول الاعتقادية.

وأما بالنسبة للأداة الرابعة والأخيرة فهي القلب والمراد به النفس الإنسانية الناطقة بعد إزالة الحجب عنها، فإذا أُزيلت عنها الحجب أشرق فيها نور المعرفة والعلم الذي هو من سنخ المعرفة العملية والحِكَم الأخلاقية.

وركيزة هذه الأداة هي الإخلاص والمجاهدة للنفس لتخليصها وتنزيهها عن الذنوب والرذائل التي تقف حائلا بينها وبين نور العلم المعبر عنه في كلماتهم بالاطمئنان القلبي للمعارف النورانية الإلهية الاعتقادية.

ومن هنا ندرك أن دائرة هذه الأداة هي تحصيل الاطمئنان بما اكتسبه العارف أو السالك من العلوم المرتبطة بالكمال المعنوي للإنسان والتوجه والإخلاص نحو الحق تبارك وتعالى.

بعد هذه الإطلالة والإلمامة المختصرة بالأدوات التي من خلالها يكتسب الإنسان معارفه الدينية والدنيوية المادية والمعنوية ـ فيخرج من دائرة الجهل المشار إليها في الآية المباركة: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }النحل۷۸ ـ علينا أن نعيد الكرة لنتبين دائرة كل واحدة منها والمجال الذي تتحرك فيه لتحصيل المعرفة، وما هي العلاقة بينها، فهل هي علاقة تعاضد أم تقاطع وتنافي؟

وبالرجوع لما تقدم من بيان كل أداة يتبين بالضمن مجالها والمعرفة التي يمكن تحصيلها بواسطة كل أداة.

فالحس والتجربة مجالها الأمور المادية المحسوسة بنفسها أو بلوازمها، فهي تتكفل بيان الأمور المادية وخواصها. وهذا ما تعمل عليه العلوم الطبيعية والطب والهندسة، فالتكنولوجيا الحديثة ـ في الحقيقة ـ مدينة لهذه الأداة في تطورها.

أما الأخبار فهي أداة معرفية مهمة جداً في التعرف على القوانين والنظم الشرعية، وتفصيل العقائد والتعاليم الأخلاقية؛ لأن هذه التعاليم والنظم من وضع الشارع، فلا يمكن الاطلاع عليها إلا ببيان الشارع لها أو بالاطلاع على ملاكاتها، وأنى للعقل أن يطلع على هذه الملاكات!

وكذا الاعتقادات التفصيلية الجزئية فإنها لا تنال بعقل ولا بتجربة، فلا بد من بيانها من قبل شخص مطلع عليها، وهو الوحي الواصل إلينا بهذه الأخبار.

وقد وضع علماء الشريعة عدة شروط لهذه الأخبار من أجل الوثوق بصدورها عن متلقي الوحي، والوثوق بمقدار دلالتها على المعرفة المدعاة، ومن يحب الاطلاع على هذه الشروط عليه الرجوع إلى كتب أصول الفقه والدراية. وهكذا نصل إلى أداة القلب ومن خلال ما تقدم يتضح أن لهذه الأداة مجالين وفائدتين: الأولى هي ترسيخ العقائد الثابتة بواسطة الدليل العقلي أو الشرعي، وتحصيل الاطمئنان بها.

والثانية هي تحصيل الاستعداد للنفس الإنسانية لتكون مهيئة ومستعدة لإفاضة المعارف الجزئية العملية، بحيث يفاض عليها من عالم الغيب بعض الحِكَم العملية، وبذلك تكون النفس مدركة لمنافع ومضار الأعمال الصالحة والطالحة.

وأما العقل فدائرته التي يتحرك فيها ويتكفل بإيصال النفس للعلم بها في المعارف الكلية الواقعية، فإذا أراد الإنسان أن يتعرف على الحقائق الكلية لهذه الموجودات والقوانين التي تحكمها فوسيلته لذلك هي العقل.

ومن هنا يتضح أن الأمور الاعتبارية الوضعية والمعارف الجزئية خارجة عن حريم العقل ودائرة مجاله.

ومن هنا يتبين الجواب عن السؤال الثاني وهو العلاقة بين هذه الأدوات المعرفية، حيث تبين أن هذه الأدوات لا يمكن أن تتقاطع أو تنافي إحداها الأخرى لتمايز دائرة عمل ووظيفة كل أداة، فواحدة هدفها تزويد الإنسان بالمعارف والعلوم المادية وأخرى تسعى من أجل رفده بالمشروع السماوي وبيان الأيديولوجية الدينية، والثالثة تسعى لتحصيل القواعد الكلية الواقعية أو ما يعبر عنها بالرؤية الكونية، والرابعة هدفها تحصيل الاطمئنان القلبي للإنسان بالمعارف الدينية وكشف حسن وقبح الأعمال الصادرة عنه بصورة وجدانية، فيلتذ بالأعمال الحسنة وينجذب إليها ويتنفر عن الأعمال القبيحة ويبتعد عنها، وبذلك يحصل على كماله.

وهكذا نجد أن هذه الأدوات تسعى لسد النقص المحدق بالنفس الإنسانية، فلا تنافي بينها، حالها حال الاختصاصات العلمية الموجودة في المجتمع، فإن الطب والهندسة والتعليم والفقه و . . . وسائر الاختصاصات لا تنافي بينها، فالطب يسعى لتنقية أفراد المجتمع من الأمراض وتوفير السلامة للمجتمع، والهندسة تخدم المجتمع في تأمين البنى التحتية والعمرانية على أفضل وأجمل ما يكون، والتعليم يرنو لتثقيف وتعليم أبناء المجتمع، والفقه يهدف لبيان الوظيفة الشرعية للفرد والمجتمع، فنفس العلوم لا تنافي بينها بل هي متعاونة. نعم، قد يكون أهل الاختصاص يحيفون على الاختصاصات الأخرى من خلال تدخلهم في ما هو خارج عن اختصاصهم، وبذلك يقع التنافي.

فكذلك الأدوات المعرفية إذا ما استُعملت كل واحدة في مجالها لا يقع التنافي والتضارب فيما بينها، بل نجد بينها تمام الوئام والانسجام، بل أكثر من ذلك فإن بعض الأدوات ليست فقط غير متقاطعة بل هي متساعدة فيما بينها. ولنسلط الأضواء على العلاقة المتبادلة بين العقل وسائر الأدوات المعرفية؛ لنتعرف عن كثب على مقدار الوئام بينه وبين الأدوات الأخرى.

۱ـ علاقة العقل بالحس والتجربة الحسية:

تقدم أن وسيلة الإنسان لمعرفة المحسوسات الخارجية وقناته لذلك هي الحواس الخمس، وليس من شأن العقل أن يدرك الخارج المحسوس بنفسه؛ لأن مجاله الكليات المجردة والخارج المحسوس جزئيات مادية، ومن هنا نعرف حاجة العقل إلى الحس والتجربة، فالعقل قاصر بنفسه عن الحكم على العوارض المادية المحسوسة في هذا العالم المادي من دون الاستعانة بالتجربة الحسية.

فالتجربة تقوم بدور حساس جدا بالنسبة للعقل؛ لذا صارت التجربة الحسية من مبادئ البرهان العقلي، ولكن في حريم العوارض المادية لا غير.

وهذا لا يعني أن التجربة مستغنية عن العقل، بل التجربة محتاجة إلى العقل البرهاني؛ لأنه يؤمن لها الأسس والمنطلقات العلمية الضرورية اللازمة لها، كأصل امتناع اجتماع النقيضين وأصل العلية، هذا أولاً، كما أن التجربة تحتاج إلى العقل في تعميم أحكامها الجزئية المنتزعة من المشاهدات الخاصة لتشمل سائر الجزئيات التي لم تخضع للتجربة الحسية المحدودة، وذلك عن طريق القاعدة العقلية الفطرية القائلة: إن الحوادث الاتفاقية لا تكون دائمية ولا أكثرية، وببركة هذه القاعدة تتحول نتائج التجربة الجزئية إلى قوانين كلية.

۲ـ علاقة العقل بالوحي:

مر علينا في بيان العقل البرهاني أن حدود دائرته منحصرة في القضايا الكلية الحقيقية، أما القضايا الاعتبارية التي يكون تحقق موضوعاتها بيد المعتبر كالقضايا الشرعية العملية، فهي خارجة عن حريم العقل البرهاني، والتي أسماها سماحة أستاذنا الدكتور أيمن بـ(منطقة الفراغ العقلي)، ومراده من ذلك أن العقل البرهاني لا حكم له فيها.

ومن هنا يتبين حاجة العقل للوحي الإلهي المقدس؛ إذ الوحي ما جاء إلاَّ لملئ هذه المنطقة الواسعة، فالدين يبدأ دوره في الحركة المعرفية التكاملية للإنسان من هذه المنطقة التي يتوقف فيها العقل البرهاني حائراً.

فالعقل البرهاني بعد أن أثبت وجود إله حكيم قدير لطيف خبير، وعرف من ذاته أنه عاجز عن ملأ هذه المنطقة الواسعة التي يحتاج إليها في تكامله، أدرك بمقتضى الحكمة والعناية الإلهية لهذا المبدأ الحكيم، ضرورة إرسال الرسل المعصومين، وإنزال الكتب السماوية لهداية الإنسان بالمعارف الجزئية التفصيلية والأحكام الشرعية والتعاليم الأخلاقية الاعتبارية، والتي لها الأثر الواقعي الكبير في التكامل الحقيقي للإنسان.

فالعقل يدرك بذاته حسن العدل وقبح الظلم، ولكن يجهل الكثير من مصاديق العدل والظلم، فيأتي هنا دور الأحكام الشرعية العملية والتعاليم الأخلاقية سواء في باب العبادات أو المعاملات، على المستوى الفردي أو الاجتماعي فتكشف عنها، وبالتالي فالعقل البرهاني يجهل كيفية السلوك التفصيلي إلى الله سبحانه وتعالى، فهو يعلم بأن شكر المنعم واجب، ولكن لا يعلم كيف يشكره، ويعلم وجوب طاعة المولى، ولا يعلم كيف يطيعه ويعبده؛ لذلك فقد مسّت الحاجة إلى الوحي بحكم العقل البرهاني. وقد أوجب العقل طاعة المولى في جميع أحكامه المعلومة لديه، وتصديق الرسل والأنبياء (عليهم السلام) في كل ما علم صدوره منهم.

أما بالنسبة إلى حاجة الدين إلى العقل البرهاني، فهي في إثبات أصوله الكلية من المبدأ والمعاد والنبوة، وإثبات صحة مبانيه الكلية، النظرية والعملية، بموافقتها لأحكام العقل القطعية النظرية والعملية، كما يحتاج الدين للعقل في إلزامه لطاعة أحكام الدين وفي الدفاع عنه أمام المخالفين ورد شبهاتهم الدينية.

وبكلمة مختصرة أن الدين والوحي لا يمكن أن يُتّبع في أحكامه ما لم يحظَ بتأييد العقل السليم له؛ وذلك من خلال إدراك العقل لوجود خالق لهذا الكون وأن هذا الخالق متصف بصفات كمالية معينة، وأنه هو المدبر بعلمه وحكمته لهذا الكون بما فيه الإنسان، وأن الإنسان عاجز عن إيصال نفسه إلى كماله إلا بتعليم ذلك الخالق الحكيم، أن على الإنسان إطاعته في أوامره ونواهيه بمقتضى ما يدركه من قاعدة شكر المنعم ووجوب طاعة المولى.

كما أن معرفة صدق دعوى الأنبياء من غيرهم إنما تكون بواسطة العقل لا غير.

۳ـ علاقة العقل بالقلب:

لمعرفة مدى العلاقة بين العقل ونزاهة القلب من الحجب لابد أن نعرف أن العقل ينقسم إلى عقل نظري وهو المدرك للقضايا الكلية، وعقل عملي وهو المدرك للقضايا العملية الجزئية، ولا يمكن للإنسان إلا بكمال كلتا القوتين، وكمال القوة النظرية بتخلصها من الأوهام الحسية والخيالات الفاسدة العامية، حتى تدرك الأمور كما هي عليه بحسب الواقع من دون تدخل الأوهام والخيالات. ولا يتم ذلك إلاَّ بالرياضة العقلية الحاصلة بالدراسة المكثفة والصحيحة للعلوم العقلية البرهانية وفي مقدمتها المنطق والفلسفة الإلهية؛ حتى تتكون لدى الإنسان رؤية كونية صحيحة ومطابقة للواقع، خالية من الظنون والأوهام والخرافات.

أما القوة العملية فكمالها بالسلوك العملي ومجاهدة النفس الإنسانية وتصفيتها من العلائق المادية، ومن كل ما يشغلها عن الوصول إلى الحق الأول سبحانه وتعالى.

وهاتان القوتان مترابطتان فكمال كل واحدة له دور في كمال الأخرى ولا تغني إحداهما عن الثانية، فالعقل النظري البرهاني يحتاج إلى السلوك العملي في تصفية النفس من التعلقات المادية؛ ليضمن عدم منازعة الوهم والخيال له في أحكامه العقلية المجردة، كما أن لتصفية النفس الناطقة من الملكات الرذيلة دور كبير في ازدياد دقة العقل النظري وقدرته على اكتساب المعرفة بالحد والبرهان، وبالتالي معرفة الأشياء على ما هي عليه في الواقع.

هذا بالإضافة إلى أن السلوك العملي يرتقي بالجوهر الإنساني العاقل من مقام الاعتقاد العقلي النظري إلى مقام الإيمان القلبي العملي، مما ينعكس بدوره على الأفعال الاختيارية للإنسان، وبالتالي يؤدي به لسلوك سبيل الصالحين، فيكون من (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، وبذلك يتم الكمال الإنساني، ويصل الإنسان إلى أقصى كماله الممكن له في النظام الأصلح في الحكمة الإلهية.

أما السلوك العملي، فحاجته إلى العقل النظري البرهاني مما لا خفاء فيه، حيث يؤمن له القاعدة العقلية الاعتقادية الصحيحة التي ينطلق منها في سلوكه إلى الحق تعالى، لأن السلوك العملي يحقق للإنسان الإيمان بما يعتقده سواء كان اعتقاداً صحيحاً أم فاسداً، فالعقل النظري هو المؤمن للاعتقاد الصحيح المستتبع للنظام والأيديولوجية الحكيمة، والتي بدورها تنعكس على سلوك الإنسان وتجعله يسير في كماله المنشود الذي خلق من أجله.

وبهذا يتم لنا ما أردنا من إثبات كون الأدوات المعرفية متعاونة فيما بينها؛ لأنها خُلِقت لغاية واحدة منتظمة وهي كشف لثام الجهل عن الإنسان، فتعهدت كل قناة وأداة برفده بدائرة معينة من المعلومات، لا يمكنه الوصول إليها بأداة أخرى، ولا يوجد أي تنافي وتقاطع بين هذه الأدوات المعرفية إذا ما أحسن الإنسان العاقل الاستفادة منها.

الكاتب: السيد سعد البخاتي