ليس بإمكان الديمقراطية وحدها أن تخلق المعجزة

في مقالات سابقة كنت قد توقفت أمام بعض الإشكالات الخاصة التي تواجهها الديمقراطية العراقية, لكن قراء لي أشاروا إلى أن المسألة تحتاج إلى مزيد من الإيضاح وكذلك المناقشة لأن الموضوع برمته يعالج حالة خاصة لم يتم التركيز عليها من قبل… ذلك أعطى الموضوع أهمية استثنائية دون شك..
قد تكون الديمقراطية واحدة من ناحية اللوائح أو الأهداف العامة بحيث يمكن القول عنها إنها نظام يتوخى تنظيم العلاقات وحل الإشكالات التي تواجهها المجتمعات بطريقة سلمية وحوارية أما الأهداف العامة وفي مقدمتها هدف الحرية والمساواة فهي خاضعة لظرف الزمان والمكان.
ليس معقولا أن تكون ديمقراطية الإنكليز الآن هي ذاتها ديمقراطية روما في عهد القياصرة. ولكن بالإمكان ملاحظة, الآن وآنذاك.. إن الحاجة للنظام الديمقراطي وتحديد شكل ذلك النظام قد أنتجته دولة بسياقات اجتماعية وثقافية واقتصادية خاصة كان من شأنها أن تقسم الأدوار بشكل يتناغم مع تعريف القوى المتنفذة ولصالحها, لذلك لم يكن متوقعا أن يتم بناء الديمقراطية, مؤسسات وحقوق وآليات, بأي اتجاه يتعارض ومصلحة النظام القائد والمهيمن على تلك الدولة.
ولم تتوقف الديمقراطية عند حدود ما تأسست عليه بل هي تطورت مع تطور الظرف وما أملاه من متغيرات. في أمريكا مثلا كانت الديمقراطية في البدء ملكا للنخبة, إلا إنها تطورت بعد ذلك لكي تصبح نظاما للجميع, لكن هذا التطور في العملية الديمقراطية لم يحصل إلا نتيجة لتطور خطير في البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أحدثته الثورة الصناعية القادمة على جثة الإقطاع والذي أسس أيضا لأهم أسباب الحرب بين الشمال والجنوب والتي أرست بدورها قواعد الدولة الأمريكية المعاصرة.
واستوعبت الديمقراطية آنذاك ذلك المتغير الكبير وفهمت إن عليها تتنحى جانبا بانتظار نتيجة الحسم وإن ترتب أمورها بعد ذلك على ضوء تلك النتيجة, فإذا أنتصر الجنوب الإقطاعي فلسوف تستمر كثقافة نخبة, وإن أنتصر الشمال الصناعي فسوف توسع قاعدتها لكي تشمل أقواما جدد بمعاول ومناجل, أي أن الديمقراطية لم تكن هي صاحبة القرار بل إنها كانت نظاما قد تلقى أوامره من المتغيرات الأساسية التي طرأت على حالة المجتمع.
الذي أريد أن أقوله.. إن سبق حالة الدولة على حالة الديمقراطية في المثال الأمريكي وأغلب الديمقراطيات الأوروبية, ومجمل التطورات التي حدثت بعد ذلك على بنية تلك الدولة, علميا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا هو الذي حدد مسار الديمقراطية وهو الذي رسم شكل المتغيرات التي نقلتها من حالة إلى أخرى لكي تعبر عن ذلك التطور أساسا, ولكي تحرسه ثانيا ولكي توفر ضمانات تطوره بنفس الوقت.
والذي أريد أن أقوله أيضا اعتمادا على نفس المثال.. إن التناقض إذا أشتد والصراع إذا احتدم فربما يصعب على الديمقراطية أن تقدم الحل فتترك عندها ساحة الملعب لتجلس مع المتفرجين بانتظار النتيجة التي يحددها صوت البندقية لا صوت الصفارة وأحذية الجنود لا أحذية اللاعبين.
ولعلي محق إذا قلت.. إن الديمقراطية في العراق تختلف عن غيرها من الديمقراطيات لكونها هي المكلفة لبناء الدولة وتحديد هويتها وفكرها وعلاقاتها العربية والإقليمية والدولية, كما إن مهمتها الأساسية هنا تتحدد في تكوين أو اختيار القوى الأساسية التي تحسم هذه المهمات الصعبة.
وليس صعبا أن نرى أن القوى المتصارعة تحت خيمة الديمقراطية هي قوى متناقضة على صعيد التوجهات الأساسية, فإذا كان التناقض الاقتصادي والاجتماعي بين الشمال والجنوب الأمريكي قد أستدعى البندقية كبديل لصندوق الاقتراع فما الذي يؤخر ذلك في العراق إذا اشتد التناقض بين العلمانيين من جهة وبين الأحزاب الدينية من جهة أخرى, خاصة وإن الصراع يدور بين جهتين, إحداهما أيديولوجية التكوين ولا يسمح لها فكرها بالتعايش مع حالات علمانية كثيرة قد تعتبر خروجا على الدين.
وما الذي يمنع أيضا أن يتحدث الرصاص بدلا من صناديق الاقتراع لحسم موضوعة مثل الأراضي المتنازع عليها بين العرب والأكراد والتركمان ونحن نعلم تماما إن العلاقات الحالية الحالية بحاجة إلى إصلاحات جذرية من شانها أن تتعامل مع النزعتين القوميتين العربية والكردية بصيغة متوازنة وعادلة لا تعطي فقط بل تأخذ أيضا.
لقد أدت الديمقراطية إلى بناء الدولة الاتحادية الأمريكية لكنها أدت من جانب آخر إلى زوال دول اتحادية أخرى مثل يوغسلافيا وجيكوسلفاكيا, وليس هناك آية مقدسة تؤكد خلود الجغرافية العراقية بالشكل الذي رسمتها أصابع الآنسة بيل. وإمام أخطار جدية قد ينتجها واقع الصراع الإقليمي والدولي فإن جغرافية العراق ستكون هشه ما لم تفلح الديمقراطية في تأسيس دولة وطنية متماسكة البناء, وأرى الآن كثيرا التحصنات خارج إطار هذه الدولة.
على الطرف الآخر, إن ما يدعو إلى التأمل هو وجود نية أمريكية بحراسة العملية الديمقراطية لأنها تنسجم مع المصلحة الإستراتيجية الأمريكية, أي ليس حبا بالعراق أو ولها بالديمقراطية ذاتها, ولا اعتقد أن هذه النية تتقاطع وقوانين السياسة لأن من الطبيعي أن تبحث أمريكا عن مصالحها أولا ثم تبحث بعدها عن البرامج التي توفق بين مصلحتها الإستراتيجية ومصلحة العراق وتختار لنفسها في كل الأحوال الأفضل من تلك العلاقة, ففي الأيام الأولى للاحتلال سهلت ديمقراطية المحاصصة الطائفية لأمريكا إعادة تأسيس الداخل العراقي بالاتجاه الذي يمنحها قدرة مسك حبال اللعبة, لكن دخول دول أخرى على الخط, وفي المقدمة منها إيران وسوريا والسعودية, سرعان ما أكد لها إن الخيوط مكهربة بما جعلها أكثر ميلا لتشجيع قوى لا تؤمن بتلك الديمقراطية ولكن ليس إلى الحد الذي يجعلها تتخلى كاملا عن دعم الثقافة الطائفية.
ومع إن الديمقراطية العراقية قد أكدت على وجود فرص حقيقة لدخول الشعب العراقي كرقم مقرر إلا أن الاطمئنان إلى نوعية القرار يبقى مرتهنا أيضا بوجود دولة بسياقات اقتصادية وثقافية متحضرة, وبمجتمع قادر على ممارسة الديمقراطية لتحقيق الوحدة الوطنية والتقدم, وبقوى سياسية قد حسمت شكل ارتباطها وتناغمها مع تلك الدولة.
غير إن العراق كدولة معرفة الهوية والتركيبة الاجتماعية والبنية الاقتصادية والثقافة الوطنية ما زال تحت التكوين, وما زالت القوى السياسية المكلفة ببنائه تتفارق أكثر مما تجتمع, وتعطي إشارات واضحة بإمكانات أن ينفجر الصراع بينها على أكثر من صعيد. وإلى أن يحسم شكل الدولة نهائيا, حدودا ومعتقدات وقوى وبرامج, فإن المراهنة على إمكانات أن يلعب الشعب دورا استثنائيا بعيدا عن تأثير قواه المتخاصمة هو أمر لا يتفق مع المنطق ولا يستوي مع علم السياسة.
إن ما يحدث الآن في العراق هو معركة لطفتها الديمقراطية, وما قد جعله معركة بحق إن العراق الآن هو دولة تحت التكوين, وإن القوى المكلفة بتكوينه هي قوى متفارقة في الفكر والولاءات, وإن شعبه وهو الرقم المقرر, وما يُنْتِج من أفكار ومؤسسات, لم يحسم بعد انتماءه الوطني لسبب بسيط هو إن دولته الوطنية لم تولد بعد بالاتجاه والمستوى الذي يرجح ولاءه لها على بقية الولاءات, ولم تصل بعد إلى الاستقلالية والقوة لكي تعرقن قرارها, أما الحديث عن وجود عراق حقيقي فهو حديث في الذاكرة والتمني أكثر مما هو حديث على الأرض.
لذلك يبقى السؤال .. في دولة تحت التكوين وبوجود قوى تتصارع على تحديد أساسيات هذه الدولة, وبوجود صراع دولي وإقليمي أفلح كثيرا في تحويل الساحة العراقية إلى ميدان تراشق لاستراتيجيات متعارضة ومتقاتلة, وبوجود ثقافة جماهيرية معومة باتجاهات قومية وطائفية وعشائرية وجهوية, وبغياب إنجازات اقتصادية واجتماعية من شانها أن تعزز البناء المادي للمشروع الوطني, لا بل وبغياب هذا المشروع على الأرض وما يؤسس له هذا الغياب من تداعيات على صعيد تغييب الانتماء والولاء الوطني ..
بوجود كل ذلك وغيره هل بإمكان الديمقراطية أن تستمر بدورها الرائع كعامل تلطيف للصراعات العراقية المحتدمة.
قبل المراهنة على ذلك يجب علينا أن نتذكر إن الديمقراطية ليست هي الخير المطلق, بل إنها خير قد يؤدي إلى شر مثلما حدث مع التجربة الألمانية التي أنجبت هتلر. وستطلعنا التجربة التركية على إمكانات أن يقوم زعيم فرد كأتاتورك بمهمة بناء دولة ديمقراطية فيحسم بالتالي معارك ما قبل الدولة وينهي الحاجة إلى الدولة تحت التكوين وما يرافقها من صراعات حادة, وستنبئنا المقارنة بين الرجلين إن بإمكان الديمقراطية أن تنجب ديكتاتورا مثلما بإمكان الدكتاتورية أن تنجب ديمقراطيا, وستنبئنا تجارب أخرى مثل تجربة “أليندي” في “تشيلي” عن تأثير الصراع الدولي وتحديده لطبيعة الفائزين والثمن الذي قد تدفعه الشعوب حينما تصدق إن بإمكان الديمقراطية وحدها أن تخلق المعجزة.

الكاتب: جعفر المظفر