ليس لأنّه شيعي

سماحة الأمين العام السيد نصرالله يفاجئ الجمهور بحضوره شخصيا على منصة المسرح۲۰۱۳أَنْ يضطرّ المقاوم العربيّ الأوّل، السيد حسن نصرالله، إلى الكلام بصفته «شيعياً»؛ فمعنى ذلك أن أزمة الانقسام المذهبي الإسلامي قد بلغت ذروتها، وأنها أخذت تضرب حواف ـــ وربما قلب ـــ جمهور حزب الله بالذات، ما استوجب خطاباً من نوع خاص، خطاباً دوّاراً يذهب إلى الجزئيّ كي يعود به، ومعه، إلى الكليّ. والكلّي، في يوم القدس بالذات، هو المسؤولية «الشيعية» إزاء المشترَك العربي والإسلامي، أي فلسطين.
يُعاقَب «الشيعة»، على امتداد العالم، كونهم متمسكين بأداء مسؤوليتهم نحو حرية فلسطين. وهذا صحيح من ناحية أن دولة كإيران وحزباً كحزب الله، ما كانا ليواجها كل هذا التحريض والحصار والعداء، لولا موقفهما الجذري من القضية، واصرارهما على المواجهة الاستراتيجية مع العدوّ الإسرائيلي. وقد كانت إيران الشاه ـــ وهي شيعية، انما حليفة الامبريالية والصهيونية ـــ محط ولاء حكّام الخليج. ولا تزال صورة هؤلاء التي رسمها الشاعر العراقي، مظفر النواب، وهم يخرّون سجودا للشاهنشاه ماثلة في الذاكرة الأدبية للعرب. وحين كان شيعة لبنان، قبل المقاومة، جمهوراً للإقطاعيين التابعين للنظام الكمبرادوري اللبناني التابع للغرب، كانت النظرة إليهم تنوس بين جشع الاستغلال والاضطهاد والإشفاق والإلحاق، ولكن ليس العداء المذهبي.
لكن، ليس كل الشيعة، بالطبع، معادين للإمبريالية والصهيونية، وليس كل الشيعة ممن يمنحون فلسطين الأولوية. ولربما آن الأوان للتأكيد على المعايير السياسية، قبل المذهبية والدينية والعقائدية، في البحث عن وحدة الكفاح ضد العدو الأميركي ـــ الإسرائيلي.
العداء الحالي للشيعة له تفسيرات أخرى، لا يمكن تجاهلها، وتتصل، خصوصا، بآليات انتاج المتزمتين والتكفيريين والإرهابيين. ولهؤلاء، وظائف تتجاوز ضرب الشيعة ـــ والعلويين والاسماعيليين والمسيحيين الخ ـــ إلى إحكام السيطرة على الأغلبية السنية نفسها، ولجمها في إطار الهيمنة الفكرية والسياسية للأنظمة الخليجية. ومن بينها تحديداً، السعودية وقطر، اللتان تدينان بالوهابية. وعداء الوهابيين الإرهابي للشيعة أصيل وقديم؛ فحتى أواسط العشرينيات، كان الغزاة الوهابيون يهاجمون العشائر العراقية الشيعية بانتظام، ويعتدون على مقاماتها المقدسة، إنما اللافت أنهم كانوا يهاجمون، في الوقت نفسه، العشائر الأردنية السنية، وبالعنف نفسه؛ فالوهابية، نشأة وتاريخا، مذهب تكفيري معاد للشيعة والسنّة، معاً. والوهابية ماكنة اجتماعية سياسية ثقافية، تنتج الفكر الإرهابي والإرهابيين، بلا توقّف.
بين الوهابية والإخوانية والسلفية المقاتلة والجماعات الإسلامية، صلات عَقدية، ظاهرة وباطنة، انعقدت وتبلورت وتصلبت في نهج الإخونجي، سيد قطب. وهو مَن وضع المسلمين جميعا، ممن هم خارج الدعوة، في خانة «جاهلية القرن العشرين»؛ لقد كفّر السنّةَ المخالفين، فما بالك بالشيعة؟.
عصلبات إرهابية في سورياتؤكد تقديرات بحثية أمنية ميدانية أن جاذبية العداء للشيعة، في تجنيد الإرهابيين، تزيد بعشرة أضعاف عن الجاذبيات الأخرى. وهو ما يجعل التحريض المذهبي أفضل الوسائل وأسرعها في تكوين الجيش الإرهابي الذي حلّ، اليوم، محل الجيوش الامبريالية النظامية في خوض معاركها لضرب الأنظمة القومية، كما هي الحال في سوريا، ومنع استعادة وحدة المجتمع والدولة، كما هي الحال في العراق، وكسر الظهر الوطني للمقاومة، كما هي الحال في لبنان.
بصفتي علمانياً ويسارياً، فإني امتلك ذلك الحياد اللازم الذي يجعلني أرى، بوضوح، المذبحة اليومية التي تطارد الشيعة، فقط لكونهم كذلك، وبغضّ النظر عن ميولهم السياسية، في العراق وسوريا، وكذلك التهديدات في لبنان، وأخيراً الاضطهادات المريعة في السعودية والبحرين. بالإضافة إلى التحريض الخليجي للحرب على إيران.
الميول الشيعية المعادية لإسرائيل ـــ بسبب الثورة الإيرانية من جهة، والمصالح التحررية لشيعة جنوب لبنان وبقاعه، من جهة أخرى ـــ هي أحد عوامل الحملة على الشيعة، لكن هناك عوامل أخرى، منها نهوض أولئك المضطهدين تاريخياً، وتنامي الحضور السياسي الشيعي، وكذلك المصادفة الجيولوجية التي وضعت معظم الثروات النفطية في المناطق الشيعية بالذات. لكن يظل أن العامل الأهم، يكمن في الفشل الثقافي التاريخي في مهمة تحديث الإسلام، مما أبقى على جذوة العداوة المذهبية قابلة للاشتعال كل هذه القرون.
المدخل الفلسطيني لردم الانشقاق، هو الاقتراح الرئيسي لحزب الله. وقد أعاد السيد نصرالله، التأكيد عليه، هذه المرة، من موقع «شيعي»، آملا في رص صفوف جمهوره المكلوم بالعداء والذبح والتهديدات، وراء وحدة المسلمين ووحدة المقاومة. وهو خطاب نبيل فعلاً، لكن فرصه الواقعية محدودة؛ فـ «حماس» التي يطالب السيد نصرالله، اليساريين والقوميين، بالكف عنها، لا تزال ترسل «المجاهدين» إلى سوريا، وتخسر المزيد من الجماهير العربية، سُنّةً ومسيحيين وعلمانيين، بينما يربحها حزب الله، ليس لأنه «شيعي»، بل لكونه يساهم، ببسالة، في صدّ الهجمة التكفيرية الإرهابية التي تهدد كل العرب.

الكاتب: ناهض حتر