ما-هي-أسرار-الصلاة-وفلسفتها-في-المذهب-الشیعي

ما هي أسرار الصلاة وفلسفتها في المذهب الشیعي

لا شك أن جمیع الاحکام الالهیة تتوفر على فلسفة و علّة خاصة بها، و لکن لیس من الضروری البحث عن جمیع تلک العلل و الملاکات الموجودة فی الاحکام، فان الانسان المؤمن علیه التسلیم و الاذعان أمام الاوامر و النواهی الالهیة و علیه ان یتوفر على روحیة الایمان بحکمة الباری تعالى فی جمیع ما یصدر عنه عزّ شأنه، ثم ان الغایة من بعض الاحکام الالهیة الامتحان و الاختبار الروحی و معرفة درجة التسلیم و الاذعان التی تکمن فی قلب الانسان المؤمن، من قبیل الأمر الالهی لإبراهیم فی ذبح ولده اسماعیل (علیهما السلام).

و ما یمکن ذکره فی هذه المختصر هو: ان الاحکام الالهیة و النظام العبادی ینطوی على علل و فلسفة خاصة، و الدیل على ذلک.

الاول: مئات الآیات و الروایات التی تحث الناس على التعقل و التفکر و التأمل. [1]

الثانی: من الانتقادات التی وجهها القرآن الکریم للمشرکین و عبدة الاوثان تقلیدهم الاعمى للآباء و الاجداد بلا دلیل او برهان. [2]

الثالث: أشار القرآن فی اکثر من موضع الى علة الحکم او حکمته. [3] و کذلک اشار الائمة المعصومون (ع) الى هذه الحکم و العلل الکامنة فی الاحکام، و التی جمعها العلماء فی مصنفات خاصة تحت عنوان علل الشرائع.

ومن هنا یمکن القول:

1- لیس من الضروری معرفة جمیع العلل و الفلسفات على نحو التفصیل، بل تکفی المعرفة الاجمالیة.

2- من غیر الصحیح فی البحث عن فلسفة الاحکام البحث عن الفوائد و المنافع المادیة کالبعد الاقتصادی و الصحی و… بل من الضروری الالتفات الى البعد المعنوی و الروحی و الاخروی الکامن فی تلک الاحکام و التشریعات.

3- لا ینبغی لمن آمن بحکمة الباری تعالى و أنّ ما یصدر منه من قوانین و دساتیر تنطلق من الحکمة الالهیة، البحثُ عن العلل و الفلسفات، بل ینبغی له ترک الامر الى الله تعالى.

و لکن مع ذلک کله نجد ان الصلاة و اجزاءها کالقراءة و النیة و التشهد و الرکوع و السجود و التسلیم و… قد ذکرت لها اسرار و علل کثیرة، نحاول هنا الاشارة الى نماذج منها:

الصلاة تنهى عن المنکر

قال تعالى فی کتابه الکریم مشیراً الى هذه الثمرة الکبیرة فی الصلاة : ” إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْکَر”. [4]

الصلاة تقضی على الغفلة

” فَاعْبُدْنی‏ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِکْری‏”. [5]

الصلاة عامل اطمئنان و سکینة

قال تعالى: ” الَّذینَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِکْرِ اللَّهِ أَلا بِذِکْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب ‏” [6]

الصلاة تقضی على الکبریاء

عندما یتوجه المصلی الى مصدر القوة المطلقة و یستمد قواه من تلك العظمة الربانیة التی لا یقارن بها أی عظیم و کبیر مهما کان، فحینئذ تحصل لدى المصلی حالة من التواضع و التنزه عن التکبر و الغرور الکاذب.

و بعبارة أخرى: النظر الى القدرة الالهی یقضی على الغرور و التکبر و العنجهیة التی قد یتصف بها الانسان؛ و ذلک لانه عندما یکرر خلال الرکعات السبعة عشر التی یؤدیها یومیاً، وضعَ جبهته على الارض مرتین فی کل رکعة، لا یرى نفسه شیئا مقابل تلک العظمة الالهیة، و بهذا یزیح ستار التکبر و الغرور عنها، و من هنا نجد أمیر المؤمنین (ع) یصرح بهذه الثمرة الکبیرة للصلاة عندما قال: ” فَرَضَ اللَّهُ الْإِیمَانَ تَطْهِیراً مِنَ الشِّرْكِ وَ الصَّلَاةَ تَنْزِیهاً عَنِ الْکِبْر “. [7]

تقویة روح الانضباط

لاریب ان الصلاة تخلق لدى المصلی روح الانضباط و حبَّ النظام؛ و ذلک لما یعتاده من الالتزام بالوقت و اداء العبادة فی اوقاتها المحددة و بطریقة ایقاعیة مرتبة کالنیة و القیام و القراءة و الرکوع و السجود و القعود و..، بحیث یعد الاخلال العمدی بها مبطلا لها، و الالتزام کاشفاً عن روحیة منضبطة و نفس متکاملة.

التذکیر بالمعاد

عندما یردد المصلی فی صلاته قوله تعالى “مالک یوم الدین” یتذکر ذلک الیوم و أهواله و ما یقرع القلوب فیه، ثم یدرک بانه سیقف یوماً ما ذلک الموقف الرهیب فعلیه ان یعد العدة لیوم معاده و حشره.

التولي والتبري

و من الامور التی تنطوی علیها الصلاة و الفلسفات التی تکمن فی آیات سورة الحمد هی قضیة التولی و التبری، و هذا ما یدرکه المصلی من خلال تردیده لقوله تعالى ” ایاك نعبد و ایاک نستعین، اهدنا الصراط المستقیم صراط الذین انعمت علیهم ” [88] فیحبُّ الله  تعالى و یتولاه و کذلک یتولى رسوله الکریم و الصدیقین و الشهداء و الصالحین و یتبرأ من الاتجاه المعاکس للخط الالهی “المغضوب علیهم و الضالین”.

و فی الختام نقول: إن بعض الروایات أشارت الى علل أساسیة من علل الصلاة فعن محمد بن سنان أن أبا الحسن علی بن موسى الرضا (ع) کتب إلیه فیما کتب من جواب مسائله: أن علة الصلاة إنها إقرار بالربوبیة لله عز و جل و خلع الأنداد، و قیام بین یدی الجبار جل جلاله بالذل و المسکنة و الخضوع و الاعتراف و الطلب للإقالة من سالف الذنوب، و وضع الوجه على الأرض کل یوم خمس مرات إعظاما لله عز و جل و أن یکون ذاکرا غیر ناس و لا بَطِر و یکون خاشعا متذللا راغبا طالبا للزیادة فی الدین و الدنیا مع ما فیه من الانزجار و المداومة على ذکر الله عز و جل باللیل و النهار لئلا ینسى العبد سیده و مدبره و خالقه فیبطر و یطغى و یکون فی ذکره لربه و قیامه بین یدیه زاجرا له عن المعاصی و مانعا من أنواع الفساد. [9]

هذه نماذج من الآیات و الروایات التی تعرضت لبیان الآثار و الحکم المترتبة على الاحکام الالهیة عامّة و الصلاة خاصّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- انظر: النحل، 44؛ آل عمران، 191.

2- الاعراف، 173.

3- العنکبوت، 45؛ البقرة، 183.

4- العنکبوت، 45.

5- ظه، 14.

6- الرعد، 28.

7- نهج البلاغة، الحکمة 252.

8- انظر سورة الفاتحة.

9- الشیخ الصدوق، من لایحضره الفقیه، ج 1، ص 214، جماعه المدرسین، قم، الطبعة الثانیة، 1404ق؛ الشیخ الصدوق، علل الشرائع، ج 2، ص 317، مکتبة الداوری، قم، الطبعة الاولی.