مجملٌ في أحوال أبي طالب (ع)

أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم كان شيخ الأبطح شهد بذلك معاوية بن أبي سفيان حين سمع بقتل أمير المؤمنين وهو قوله :

نجوت وقد بل المرادي سيفه * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب(۱)

وفي تاريخ ابن الجوزي: عن عبد الرحمن عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال قوم من بني مذحج لعبد المطلب لما شاهدوا قدمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

يا أبا البطحاء احتفظ بهذا فانا لم نر قدما أشبه بالقدم الذي بالمقام من قدميه.

فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فإنَّ لابني هذا ملكا(۲).

ثمَّ إن أبا طالب قام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن القيام، وكان معه لا يفارقه، وكان يحبه حبا شديدا، ويقدمه على أولاده، ولا ينام إلا وهو في جانبه، وكان يقول له انك لمبارك الفتية ميمون الطلعة(۳).

وروى تغلب مرفوعا عن ابن عباس أنَّه لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} قال علي (عليه السلام): فقال (صلى الله عليه وآله) لي:

يا علي! قد أُمرت أنْ أُنذرَ عشيرتي الأقربين، فاصنع لي طعاماً، واطبخ لي لحماً، قال علي (عليه السلام): فعددتهم فكانوا أربعين.

قال: فصنعت طعاما يكفي الاثنين أو الثلاثة، فقال لي المصطفى (صلى الله عليه وآله): هاته، فأخذ شظة من اللحم فشظاها بأسنانه وجعلها في الجفنة.

قال علي (عليه السلام): وأعددت لهم عساً من لبن، ومضيت إلى القوم فأعلمتهم أنَّه قد دعاهم لطعام وشراب.

قال: فدخلوا وأكلوا، ولم يستتموا نصف الطعام حتى تضلعوا، ولعهدي بالواحد منهم يأكل مثل ذلك الطعام وحده.

ثم أتيت باللبن فشربوا حتى تضلعوا ولعهدي بالواحد منهم يشرب مثل ذلك اللبن وما بلغوا نصف العس.

ثم قام، فلما أراد أن يتكلم أعترض عليه أبو لهب، فقال: لهذا دعوتنا؟! ثم أتبع كلامه بكلمة، ثم قال: قوموا فقاموا وانصرفوا كلهم.

فلما كان من الغد قال لي: يا علي! أصلح لي مثل ذلك الطعام والشراب، فأصلحته ومضيت إليهم برسالته.

فاقبلوا إليه، فلما أكلوا وشربوا قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليتكلم فاعترضه أبو لهب.

قال: فقال له أبو طالب (عليه السلام): أسكت يا أعور!! ما أنت وهذا؟!

ثم قال أبو طالب (عليه السلام): لا يقومن أحد.

قال: فجلسوا ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله): قم يا سيدي فتكلم بما تحب، وبلغ رسالة ربك، فإنك الصادق المصدق.

قال: فقال (صلى الله عليه وآله) لهم: أرأيتم لو قلت لكم إنَّ وراء هذا الجبل جيشا يريد أن يغير عليكم أكنتم تصدقونني؟

فقالوا كلهم: نعم، انك لأنت الأمين الصادق.

فقال لهم: فوحدوا لله الجبار واعبدوه وحده بالاخلاص، واخلعوا هذه الأنداد الأنجاس، وأقروا واشهدوا باني رسول الله إليكم والى الخلق، فإني قد جئتكم بعز الدنيا والآخرة.

قال: فقاموا وانصرفوا كلهم، وكأن الموعظة قد عملت فيهم(۴).

أقول: عميت عينُ مَن قال أنَّ أبا طالب مات كافرا!!

لو لم يكن لأبي طالب (عليه السلام) الا هذا الحديث لكفاه شاهدا بايمانه، وعظيم حقه على الاسلام، وجلال أمره في الدنيا ودار المقام، كما قال بعض العلماء الأعلام، لأنه سبب في تمكين النبي (صلى الله عليه وآله) من تأدية رسالته، وتصريحه بقوله له (صلى الله عليه وآله): بلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق؛ ومثل هذا الخبر كثير.

وقد والله لولا أبو طالب (عليه السلام) لما قامت قائمة لدين محمد (صلى الله عليه وآله) وما أحسن قول بعض [وهو ابن أبي الحديد]:

فلولا أبو طالب وابنه * لما رفع الدين شخصا وقاما

فهذا بمكة آوى وحاما * وهذا بيثرب شام الحساما(۵)

وقد كشفت القناع في كتاب فضائل أبي طالب (عليه السلام)، وسردت الكلام في الأخبار الواردة في فضله، وأوضحت رد المنكرين لعلي مقامه، وهو كتاب عديم النظير.

وقد روى ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني عن الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى عن أحمد ابن إسحاق عن بكير بن محمد الأزدي عن إسحاق بن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال قيل له: انهم يزعمون أن أبا طالب كان كافرا!!

قال (عليه السلام): كذبوا! كيف يكون كافرا وهو يقول:

ألم تَعلموا إنَّا وجدنا محمَّداً * نبياً كموسى خُطَّ في أوَّل الكُتُبِ

وفي حديث آخر: كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول :

لقد عَلِموا إنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّبٌ * لدينا ولا يَعْبَا بِقولِ الأباطلِ

وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه * ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامل(۶)

وروى أيضا عن حميد بن زياد عن محمد بن أيوب عن محمد بن زياد عن أسباط بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان حيث طلقت آمنة بنت وهب واخذها المخاض بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حضرتها فاطمة بنت أسد امرأةُ أبي طالب (عليه السلام)، فلم تزل معها حتى وضعت، فقالت إحداهما للأخرى: هل ترين ما أرى؟ فقالت: وما ترين؟

قالت: هذا النور الذي قد سطع ما بين المشرق والمغرب!!

فبينما هما كذلك، إذ دخل عليهما أبو طالب (عليه السلام)، فقال لهما: مالكما من أي شئ تعجبان؟!

فأخبرته فاطمة بالنور الذي قد رأت؛ فقال لها ألا أبشرك؟

فقالت: بلى.

فقال: اما انك ستلدين غلاما يكون وصي هذا المولود(۷).

وروى الصدوق رحمه الله باسناد عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام:

أول جماعة كانت ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خلفه، إذ مر أبو طالب عليه السلام، وجعفر معه، فقال:

يا بني! صِلْ جناح ابن عمك، فلما أحس رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) تَقدَّمَهما، وانصرف أبو طالب مسرورا وهو يقول:

إنَّ عليَّاً وجعفراً ثقتي * عند مُلمِّ الزَّمان والنُّوَبِ

واللهِ لا أخذلُ النَّبيَّ ولا * يخذُلُهُ مِن بنيَّ ذو حَسَبِ

لا تخذلا وانصرا ابنَ عمِّكُما * أخي لأمِّي مِن بينهم وأبي

قال فكانت أول جماعة جمعت ذلك اليوم(۸).

وروى مرفوعا عن عمران بن حصين قال: كان والله اسلام جعفر بأمر أبيه، ولذلك لما مر أبو طالب عليه السلام ومعه ابنه جعفر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي عليه السلام عن يمينه، فقال أبو طالب (عليه السلام) لجعفر: صِلْ جناح ابن عمك، فجاء جعفر فصلى مع النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما قضى صلاته قال له النبي (صلى الله عليه وآله):

يا جعفر وصلت جناح ابن عمك، ان الله يعوضك من ذلك جناحين، تطير بهما في الجنة.

فأنشأ أبو طالب عليه السلام يقول:

إن عليا وجعفر.. الخ ما مر وزاد في هذه الرواية :

حتَّى ترونَ الرُّؤوسَ طائحةً * منَّا ومنكم هناك بالقضبِ

نحنُ وهذا النَّبيُ أبصرنا * نضرب منه الأعداءَ كالشُّهُبِ

إنْ نلتموه بكلِّ جَمعِكمُ * فنحن في الناس ألأمُ العَرَبِ(۹)

وروي أنه قيل للأحنف بن قيس التميمي: من أين اقتبست هذا الحكم وتعلمت هذا الحكم؟!

قال: من حكيم عصره، ومن حليم دهره، قيس بن عاصم المنقري؛ ولقد قيل لقيس: حلم من رأيت فتحلَّمت؟ وعلم من رأيت فتعلَّمت؟

فقال: من الذي لم تفقد قط حكمته، أكثم بن صيفي التميمي؛ ولقد قيل الأكثم: ممن تعلمت الحكمة والرياسة والعلم والحلم والسيادة؟

فقال: من حليف الحلم والأدب، سيد العجم والعرب، أبي طالب عليه السلام ابن عبد المطلب(۱۰).

وفي كتاب اكمال الدين واتمام النعمة للصدوق محمد بن بابويه القمي رحمه الله، باسناده عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

إن أبا طالب أظهر الكفر وأسر الأيمان، فاتاه الله عز وجل أجره مرتين، فلما حضرته الوفاة أوحى الله عز وجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخرج منها، فليس لك فيها ناصر، فهاجر إلى المدينة(۱۱).

وفيه أيضا باسناده عن الأصبغ بن نباته قال سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: والله ما عَبَد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط!!

قيل فما كانوا يعبدون؟

قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم (عليه السلام) متمسكون به(۱۲).

أقول ذكر أبو الفداء في تاريخه: انه لما دنت الوفاة من أبي طالب عليه السلام، جعل يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس بأذنه، وقال: والله يا بن أخي لقد قال الكلمة التي امرته ان يقولها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي هداك يا عم(۱۳).

هكذا روى عن ابن عباس وذكر ابن الجوزي في تاريخه باسناده إلى الواقدي قال: قال علي عليه السلام: لما توفى أبو طالب عليه السلام أخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبكى بكاءا شديدا، ثم قال اذهب فغسله وكفنه، وواره، غفر الله له ورحمه.

فقال له العباس: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) انك لترجو له؟

قال: أي والله أني لأرجو له(۱۴).

وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستغفر له أياما لا يخرج من بيته؛ وقال الواقدي قال ابن عباس: عارض رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنازة أبي طالب، وقال: وصلتك رحم وجزاك الله يا عم خيرا(۱۵).

وذكر ابن سعد عن هشام بن عروة قال: ما زالوا كافين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى مات أبو طالب عليه السلام(۱۶).

أقول: قال ابن أبي الحديد: قال محمد بن إسحاق: فلم يزل أبو طالب ثابتا صابرا مستمرا على نصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحمايته والقيام دونه حتى مات في أول السنة الحادية عشرة من مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فطمعت فيه قريش حينئذ، وتمالت منه، فخرج من مكة خائفا يطلب أحياء العرب، يعرض عليهم نفسه، فلم يزل كذلك حتى دخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ثم كان من امره ما كان ليلة العقبة انتهى(۱۷).

وذكر أبو الفداء ان أبا طالب مات سنة العاشرة من الهجرة انتهى .

وعن الشعبي مرفوعا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: كان والله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب مؤمنا مسلما يكتم ايمانه مخافة على بني هاشم ان تنابذها قريش(۱۸).

قال أبو علي الموضح: ولأمير المؤمنين عليه السلام في أبيه يرثيه :

أبا طالبٍ عصمةَ المستجير * وغيثَ المحول ونورَ الظُّلَمْ

لقد هدَّ فقدُك أهلَ الحفاظ * فصلَّى عليكَ وليُّ النِّعمْ

ولقَّاك ربُّكَ رضوانه * فقد كنت للطُّهر من خيرِ عَمْ(۱۹)

أقول : ذكرنا هذا المجمل من أحوال أبي طالب (عليه السلام) لئلا يخلو منه كتابنا هذا ولنا كتاب خاص به عليه السلام متكفل بأحواله فمن شاء فليراجعه فإنه كتاب جليل ليس له مثيل.
_______________________________-

(۱) تاريخ الطبري ج۴ ص۱۱۵، وغيره الكثير من المصادر

(۲) الطبقات الكبرى ج۱ ص۱۱۸، وعدة مصادر أخر

(۳) صفة الصفوة لابن الجوزي ج۱ ص۶۶

(۴) الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ص۳۰۰

(۵) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۱۴ ص۸۴

(۶) الكافي ج۱ ص۴۴۹ ح۲۹

(۷) الكافي ج۸ ص۳۰۲ ح۴۶۰

(۸) أمالي الصدوق ص۵۹۸

(۹) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص۲۵۰

(۱۰) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص۳۳۴

(۱۱) أصول الكافي ج۱ ص۴۴۹ ح۳۱، وغيره

(۱۲) كمال الدين وتمام النعمة ص۱۷۵ ح۳۲، وغيره

(۱۳) تاريخ أبي الفداء: ۱ / ۱۲۰

(۱۴) تذكرة الأمَّة بخصائص الأئمَّة : ۸

(۱۵) نهاية الطلب وغاية السؤل، وعنه ابن طاووس في: الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ص۳۰۵ ح۳۹۳

(۱۶) الاستيعاب لابن عبد البر ج۱ ص۳۹، وراجع: مجمع الزوائد للهيثمي ج۶ ص۱۵، وفتح الباري لابن حجر ج۷ ص۱۴۸، وغيرهم

(۱۷) شرح نهج البلاغة ج۱۴ ص۶۱

(۱۸) الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص۱۲۲

(۱۹) نفس المصدر ص۱۲۳

الکاتب: الشيخ جعفر النقدي