محمد-جارا

محمد جارا – ساحل العاج – مالكي

 

ولد عام ۱۳۹۸هـ ، (۱۹۷۸م)، في ساحل العاج منطقة “أزوبى”، ونشأ في أسرة مالكيّة المذهب حتّى منّ الله تعالى عليه باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

المدّ الشيعي في عقر ديارنا:

يقول “محمّد جارا” يسرّني في هذه البقعة الكريمة “مدينة قم المقدّسة” أن أبيّن كيفية استبصاري في جمهورية ساحل العاج في مدينة “آبيدجان”.
كنت من أتباع العقيدة الوهابية في حارة “يوبو غانا وساكرى” آبيدجان، ساحل العاج، وكنت طالباً في المدرسة الوهابية.
كان في المدرسة عالم لبناني يُدعى “مسلم” يلقي علينا بين الحين والآخر محاضرات دينية تدور مواضيعها حول عالم البرزخ وعذاب يوم القيامة، ولم يكن يتطرّق حول المواضيع العقائدية المذهبية والخلافات الطائفية بين السنّة والشيعة.
وذات يوم سمعنا بأنّ أحد أساتذة المدرسة يطلب من مدير المدرسة بطرد هذا العالم اللبناني من المدرسة بذريعة أنّه شيعي، وأنّه يعمل على تغيير الطلبة ودفعهم إلى الاستبصار والانتقال إلى المذهب الشيعي.
فقال المدير للأستاذ: بأنّنا لم نر من هذا العالم ما يشير إلى تحركّه المذهبي أو نشر أفكاره، وبإمكاننا استمالته وجذبه إلى المذهب الوهابي.
واستمر الحال على هذا المنوال لفترة، وكان الأستاذ دائماً يقصد العالم اللبناني ويتحاور معه في الأمور المذهبية.
وبعد فترة انتشر خبر تشيع هذا الأستاذ على يد العالم اللبناني، وسمّى الأستاذ نفسه بالشيخ المهتدي! فلمّا علم المدير بهذه القضية ـ وبدأ الشيخ المهتدي ينشر أفكار التشيّع في المدرسة ـ بادر الأستاذ إلى عدم فسح مجال مجيئه ومجيئ العالم اللبناني إلى مدرستنا، وسمعنا بعدها أنّ، الشيخ المهتدي فتح مدرسة شيعية، فكنا نقصدها ونشارك في محاضرات الشيخ المهتدي لنستمع إلى ما يقول حبّاً للاستطلاع. علم مدير مدرستنا بذلك، فجمعنا و قال لنا: أمنعكم جميعاً منعاً باتاً من الذهاب والمشاركه في جلسات الشيخ المهتدي ; لأنّه أصبح يعبد الأحجار، و يسجد للأحجار، ولايغسل قدميه عند الوضؤ، وهؤلاء الشيعه يقولون :بأن سيّدنا جبرئيل أخطأ في أداء الرسالة وإيصالها إلى الإمام عليّ(عليه السلام)، وأعطاها اشتباهاً إلى النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّهم يقولون: بأنّ القرآن الذي بين أيدينا ناقص، وعندهم سورة الولاية، ويفضلّون الإمام عليّ(عليه السلام) على الرسول الأعظم، وبلغ حبّهم للإمام عليّ(عليه السلام) حدّ الغلو فجعلوا يعبدوه، وأنّهم عند صلاتهم على النبيّ يصلون عليّ عليّ ويقولون: “اللّهم صل على محمّد وعليّه”.
فلمّا سمعت هذا من فم المدير انفعلت وتأسّفت كثيراً، وقلت في نفسي: هذا الشيخ المتديّن الذي كنّا نصلّي خلفه في شهر رمضان نوافل التهجد والتراويح وهو يبكي حين الصلاة كيف ساءت عاقبته، وضلّ عن الدين، وأصبح ممن يعبد الأحجار و …
وبعد أن أتمّ المدير كلامه التوجيهي قال: ندعو الله على هذا الشيخ حتّى يموت جائعاً فلعنه الجميع بكلّ فنون اللعن، وأنا كنت أدعو عليه في كلّ صلواتي، ولاسيّما بين الإقامة وتكبيرة الإحرام، وعند سجود الشكر.
بعد انتهاء الجلسة قصدت البيت فوراً لأخبر أختي بما آل إليه أمر الشيخ المهتدي التي كانت تترك نومها اللذيذ وتقصد المسجد بشوق، ولا يمنعها أيّ ما نع حتّى المطر الشديد من قصد المسجد لتصلّي وراء هذا الشيخ.
فلمّا أخبرتها بالأمر بكت وطلبت من الله تعالى لنفسها حسن العاقبة.

لقاءاتي المتواصلة مع الشيخ المهتدي:

بدأت من ذلك الحين أشعر برغبة كبيرة وتلهّف لمعرفة المذهب الشيعي وعقائده وأفكاره، فقررت الذهاب خفية إلى الشيخ المهتدي والاستماع إلى الأدلّة التي أدّت إلى تشيّعه.
فذهبت يوماً مع أحد أصدقائي الطلبة إلى الشيخ المهتدي، وتناقشنا معه حول عدّة مواضيع، منها: الوضوء، فبيّن لنا الشيخ أقوال علماء الفريقين، وكان حوله مجموعة كتب، وكان حين بيانه للأدلة يرفع كتاباً من جهة اليمين ويرينا المصدر، ويرفع تارة كتاباً من جهة الشمال ويدلّنا على المصدر، ولم يكن من بين جميع تلك الكتب كتاباً واحداً شيعياً.
وكنت متفاعلاً معه، ومؤيّداً له على خلاف صديقي الذي كان لا يخالفه دائماً، ويشكك في كلامه بتشكيكات واهية.
خرجت مع صديقي من عند الشيخ المهتدي وأنا متعب ومرهق جدّاً، فقلت لصديقي: ما رأيك بكلام الشيخ والأدلّة التي بيّنها؟
قال: كلّ ما قاله أباطيل، ثُمّ أبدى استغرابه منّي لتقبّل أقواله خلال الجلسة وتأييده، وقال: سأخبر المدير بذلك!
فقلت له: أنا لم أؤيّده قلباً، وإنّما أيّدته من باب المجاملة، وطلبت منه أن لا يخبر المدير، ولكنه مع الأسف أخبر المدير، فاستدعاني المدير ووبّخني، وأخبر أمي وأختي بذلك، وحذّرني من الذهاب إلى الشيخ، وقال لأمي وأختي: عليكما بمراقبته ; لأنّني أراه على حافة حفرة من نار!
وتجاوز المدير بعد ذلك معي حدّ الاعتدال، وكان يأمل من ضغوطاته الشديدة أن يمنعني من زيارة الشيخ المهتدي، ولكن تركت أفعاله ردود فعل عكسية، حفزّتني بشدّه إلى معاندة المدير وزيارة الشيخ المهتدي خّفية بصورة متواصلة والحوار معه حول مختلف المواضيع الدينية.
وكان أسلوبي في جلساتي مع الشيخ المهتدي أنّني أطرح موضوعاً دينياً، فيتكلّم الشيخ حوله مدّة معينة ويطرح أدلّته مع توثيقها من الكتب، وكان دوري الاستماع فقط وكتابة أهم ما يقوله، ثُمّ يأتي دور السؤال والجواب ودرء الشبهات.
وكنت أذهب بعد ذلك مباشرة إلى أحد أساتذتنا اسمه “عثمان تروري” من جمهورية مالي، وهو وهابي، وكان عالماً كبير يعتمد عليه جميع الطلبة، فكنت أقدم له العقيدة الشيعية باختصار مع بيان الأدلّة والبراهين، وأطلب منه تفنيدها، وكنت أبين له مصدر الأدلّة مع ذكر الجزء والصفحة، وكان بعض الأحيان لا يمتلك المصادر فاحضرها له وأدلّه على محل الشاهد، فيقرأه ويستغرب ولا يقول شيئاً، ولكنه كان بصورة عامة يبيّن أدلّة عقائد مذهب أهل السنّة، وكنت أنا بدوري أكتب ما يقوله واحتفظ به.
ومن هنا بدأت أقارن بين أدلّة الطرفين، وكانت النتيجة أنّني وجدت كلام الشيخ المهتدي أقرب إلى الحقّ، ولكن لم تطاوعني نفسي قبول ذلك.

الحيرة بين هذا وذاك:

يقول “محمّد جارا”: بقيت حائراً بين البقاء على المذهب السني أو الانتقال إلى المذهب الشيعي، وكنت أرى بأنّ أهل السنّة أكثر من الشيعة فكان هذا الأمر يدعوني لاتّباع الأكثرية، ولكنني عرفت بعد ذلك من خلال قراءتي للقرآن بأنّ الأكثرية لا تمثّل الحقّ، بل الأكثر به دائماً تتبع الأهواء.
ومن هذا المنطلق بدأت أعيش حالة تأنيب الضمير، فكنت أقوم بالفرائض الدينية وفق المذهب السني، ولكنني غير واثق من قبولها عند الله تعالى.

آية المباهلة:

بحثت ذات يوم مع صديقي “عثمان” آية المباهلة وهي قوله تعالى: (فَمَن حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءنَا وَأَبنَاءكُم وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُم وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَّعنَةُ اللّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ) (آل عمران:۶۱).
فقلت لصديقي: الشيعة تقول: إنّ “أبناءنا” في الآية هما الحسن والحسين، وأنّ “نساءنا” هي فاطمة الزهراء، والمقصود من “أنفسنا” هو الإمام عليّ(عليه السلام)، فما هو رأيكم في هذا؟
وكان صديقي “عثمان” متخرّجاً من مدرسة التربية الإسلاميّة، وكان إماماً لصلاة التهجد في شهر رمضان في المسجد الكبير من مدينة “سيكاسو” جمهورية مالي، فأجابني: يا محمّد، أكثرت عليّ السؤال، وأنا أخشى من إجابتك بغير علم، فأكون كاذباً، ولهذا أمهلني حتّى أراجع صحيح البخاري ومسند أحمد بن حنبل، ثُمّ آتيك بالجواب.
وبعد أسبوع ذكّرته بالموضوع، فبيّن لي تفاسير أهل السنّة حول الآية، وقال: لا تدلّ هذه الآية على لزوم إمامة الإمام عليّ بلا فصل بعد رسول الله، وطلب منّي مناقشة أدلّة الشيعة حول إمامة الإمام عليّ(عليه السلام).
فقلت له: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في واقعة الغدير: “من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه”(۱).
ثُمّ سألت صديقي: هل تعتقد بصحة هذه الواقعة؟
قال: نعم.
قلت: فما هو تفسيركم لهذا الحديث؟
قال: لم يقصد الرسول من هذا الحديث أن يكون إماماً على المسلمين بعده،بل أراد أن يظهر حبّه للإمام عليّ أمام الجماهير!
قلت له: قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للناس: “ألست أولى بكم من أنفسكم”(۲)، ثُمّ قال: “من كنت مولاه . . . “، فهذه قرينة صريحة أنّ المقصود من الولاية في هذا الحديث هي “أولى الناس بأنفسهم” وليس المقصود المحبّة.
قال: سأراجع المزيد من كتب العلماء، وأبيّن لك ما قالوه حول هذا الحديث.
ومضت فترة، ولكنه بدأ يتجنّب معي الحديث حول الأمور الدينية، ويحاول أن تقتصر معي الحديث حول القضايا العامة والأحوال الشخصية.
وقال لي صديقي ذات يوم: أخي “محمّد”، أنت إنسان بكلّ معنى الكلمة، ولك مستقبل ممدوح، وأنا أحبّك، وأريد لك الخير، ولهذا أحذّرك من الشيعة، وأخشى أن يفسدوا عليك دينك، فرجائي منك أن تبتعد عنهم ; لأنّهم أقوياء في المناقشة، وأقوياء في المنطق والفلسفة.

حواري مع مدير المدرسة:

التقيت ذات يوم بمدير المدرسة، فتجرّأت وقلت: لماذا غضبت الزهراء على أبي بكر وادّعت أنّه منعها ميراثها؟
قال: إنّ أبا بكر لم يمنع فاطمة حقّها ; لأنّ إيمانه لا يسمح له بذلك، بل عمل بحديث ورد عن الرسول حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة”(۳).
قلت له: فلماذا غضبت الزهراء عليه؟ وقد أشار البخاري في صحيحه إلى هذا الغضب.
قال: ما يهمّنا أنّ أبا بكر لم يرتكب في حقّ فاطمة خطأً.
قلت: فهل غضبت الزهراء عليه اعتباطاً أو خطأً؟ وقد قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): “فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني”(۴).
فاستاء المدير وقال: يبدو أنّك تذهب خفية عند الشيخ المهتدي؟!
قلت: هل رأيتني أذهب إليه؟!
قال إذن بدأت تقرأ كتبه ومقالاته؟!
ومن هنا عرفت أنّ مدير المدرسة وزمرته لا يمتلكون الأدلّة، بل يتّبعون أهواءهم، ولا يريدون حقّاً.
ثُمّ قال لي المدير: هل تعلم ـ يا محمّد ـ لماذا نمنعكم من قراءة كتب الشيعة؟
قلت: لا أدري.
قال: لأنّها مسحورة، وكلّ من يقرأها يقع في فخ هذا السحر، فيتأثّر بها، ولهذا تجد ازدياد عدد المتشيعين في منطقتنا، فلا تنخدع بكلامهم وأحذّرك من سحرهم!

سفري إلى بواكي:

“بواكي” مدينة كبرى في ساحل العاج، وتعدّ مركزاً للوهابية، فسافرت إليها عام ۱۴۱۲هـ ، (۱۹۹۲م)، لألتحق بمدرسة دار الحديث التي تعد من أكبر المدارس الوهابية في غرب أفريقيا.
قضيت ثلاث سنوات في هذه المدرسة ثُمّ مرضت، فعدت إلى العاصمة وبعد العلاج، واصلت دراستي فيها، ثُمّ عملت في بيت شخص لبناني لمراقبة أبيه ورعايته والاعتناء به..
ثُمّ واصلت لقاءاتي مع الشيخ المهتدي، فأهداني كتاب “ثُمّ اهتديت” فلمّا قرأته، انجذبت إليه بشكل غير طبيعي، فقرأته مرّة أخرى، ومرّة أخرى، وكان ذلك شهر رمضان ۱۴۱۵هـ ، (۱۹۹۵م)، ثُمّ تعرّفت على بعض الشيعة، فأعطوني أشرطة محاضرات دينية.
وبمرور الزمان تبلورت قناعتي الكاملة بأحقّية التشيّع، وتمكّنت من الغلبة على أهوائي النفسية، فاعلنت تشيّعي بصورة قاطعة، وآمل أن يوفّقني الله تعالى لنشر علوم آل محمّد(عليهم السلام).

(۱) مسند أحمد ۴: ۳۷۰، حديث زيد بن أرقم.
(۲) المعجم الكبير، الطبراني ۵: ۱۹۵٫
(۳) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ۳: ۳۶۲٫
(۴) صحيح البخاري ۴: ۲۱، باب مناقب المهاجرين وفضلهم.