مدينة قم المقدسة

لمحة تأريخية

لم تذكر لنا المصادر التأريخية عن وضعية مدينة قم قبل الاسلام شيئا يستحق الذكر، الا ان ذكرها في ثنايا التأريخ من الأمور المسلّم بها حيث ذكر بأنها كانت قبل الاسلام عبارة عن مجموعة من القلاع يسكنها بعض الزرادشتين واليهود (۱).

وجاء في كتاب انوار المشعشعين: ان بهرام كور (وهو: ابن الملك يزدجر) عندما سافر الى بلاد أرمينية عرّج في طريقه على مدينة ساوة وأطرافها حيث كانت قم وقراها آنذاك مبنيّة واسمها (مهجان) (۲).

ولدينا من المصادر التاريخية ما يؤكد بان المدينة بناها تهمورث وهو ثاني ملوك البيشداديين، ولا شك في أن مدينة قم كانت معروفة في زمن الساسانيين، وقد ورد ذكرها في ملحمة الشاعر فردوسي ثلاث مرات (۳).

امّا عن تاريخ المدينة بعد ظهور الاسلام فيقول الاصطخري: قم مدينة ليس عليها سور وهي خصبة، ماؤها من الآبار المالحة (۴).

وقال البلاذري: لما انصرف أبو موسى الاشعري الذي خدعه عمرو بن العاص من نهاوند الى اهواز فاستقر بها ثم أتى قم فاقام عليها أياماً وافتتحها (۵).

وقيل: وجه الاحنف بن قيس فافتتحها عنوة في سنة ۲۳هـ وذكر بعضهم أن قم بين اصفهان وساوة وهي كبيرة حسنة طيبة (۶).

يقول السيد حسن الامين: اما متى استوطن العرب قرى قم واتخذوها نزلاً لهم فقد كان ذلك في أواخر القرن الأول الهجري. وقصة ذلك أنّه بعد أن قتل الحجّاج بن يوسف الثقفي في العراق محمد بن سائب الاشعري وكان عميداً لقبيلة الاشاعرة أخذت النكبات تنزل على هذه القبيلة من قبل الحجاج وسائر عمال الدولة الامويّة فاعتزم رؤساؤها ورجال الفكر فيها على ترك أرض العراق بأفراد قبيلتهم قاصدين ناحية اصفهان من ايران.

ولما كان من أكبر رؤساء هذه القبيلة الشقيقان عبد الله والأحوص إبنا سعد بن مالك الاشعري وكانا في سجن الحجاج الذي اضطر الى اطلاق سراحهما تحت ظروف سياسية قاهرة ملزماً اياهما البقاء في الكوفة. ولما كان هذان الشقيقان يشعران بأن مصيرهما سيكون مصير بقية رجال الشيعة فقد تركا الكوفة تحت جنح الظلام متنكرين واتجها نحو أصفهان يرافقهما شطر كبير من رجال قبيلتهما الأشاعرة بما فيهم اخوتهما عبد الرحمن واسحاق ونعيم واجتازوا حدود منطقة أصفهان ونزلوا ضفاف نهر قم وفي اليوم الثاني من نزولها هذه الارض شاهد بعض رجال قبيلة الاشاعرة ان سكان هذه المنطقة الاصليين يدخلون مواشيهم في قلاع عالية الجدران ويغلقون عليها أبواب القلاع ومنافذها ولما سألوهم عن سبب ذلك. أجابوهم خوفاً من غزو عشائر الديلم التي تغزوهم كل سنة في مثل هذا الموسم فتنهب وتقتل.

وقد وصلت هذه العشائر في غزوها الآن الى بضعة فراسخ من هذه القرية. وحينما سمع الأحوص ذلك نادى في رجال قبيلته برد غزو عشائر الديلم، وأن على رجال القبيلة الدفاع عن مواشيهم ونسائهم وأطفالهم الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ولا قلعة لهم يصونون بها أعراضهم وأموالهم.

وحينما اقتربت عشائر الديلم من الاحوص وقبيلته بادرها الاشعريون بهجوم عنيف قضى على تلك العشائر وردها على اعقابها بعد أن تركت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى واستطاع الاحوص بذلك انقاذ قبيلته ورد الاعتداء عن السكان الأصليين المتحصنين في القلعة.

أمّا عشائر الديلم فأخذوا يجرّون اذيال الهزيمة ولم يعودوا بعد ذلك الى غزو هذه الناحية وقراها.

وقد اتصل رؤساء السكان الاصليين بكل من الشقيقين عبد الله والاحوص شاكرين لهما ولافراد قبيلتهما حسن صنيعهم ومقدمين لهم الهدايا وملتمسين منهم عدم النزوح عن هذه الأرض والاستيطان فيها كمزارعين فتقبل الشقيقان هذا الاقتراح واستوطنت قبيلتهما هذه الناحية التي عرفت فيما بعد بـ (قم) .

وبمرور الزمن التحق بقية رجال قبيلة الاشاعرة بهؤلاء مهاجرين من العراق ومستوطنين هذه الناحية. وهكذا تم سكنى قبيلة الاشاعرة ضفاف نهر(قم) وأخذوا ينشرون فيها التشيع، وقد تم ذلك كله خلال عشر سنوات (من ۷۳ الى ۸۳هـ).

ثم تفرّق بعض أفخاذ هذه القبيلة في المناطق المجاورة لقم مثل: كاشان، آوه، ساوه، والقرى الممتدة بين قم واصفهان، وقد دلت الروايات أنه كان لطلحة بن الأحوص دور هام في تحصير مدينة قم بعد ان استوطنها رجال قبيلته وانه كان أول من شرع ببناء العمارة فيها بالآجر بعد الإسلام (۷).

لماذا قم؟

تقع مدينة قم جنوبي مدينة طهران على بعد (۱۴۷) كيلو متراً، وكانت قبل الفتح الاسلامي للبلاد الفارسية تعرف بـ (كم) بفتح الكاف لأنها كانت قرية صغيرة تقع في محل قم الحاليّة.

ومعنى (كم) باللغة الفارسية (القليل)، ولما استولى العرب عليها استبدلوا الكاف بالقاف المضمومة فاصبحت (قم) وهي الآن تعرف بهذا الاسم.

وهناك من المؤرخين من يعتقد بأنه كانت تقع في محل مدينة (قم) الحالية سبع قرى متجاورة تسمى إحداها (كمندان) بضم الكاف. وحينما حط العرب رحالهم فيها واستوطنوها وازداد العمران فيها اتصلت هذه القرى ببعضها وزالت الفاصلة فيما بينها واصبحت القرى تؤلف احياء سبعاً تغلب عليها اسم (كمندان) استبدلوا حروفها وعربوها بكلمة (قم) (۸)، وهناك أقوال كثيرة اخرى في سبب تسمية المدينة اعرضنا عنها لضيق المقال.

نشوء الحركة العلمية في قم

يعود الفضل في تأسيس مدينة قم على شكل مدينة شيعية عامرة الى فضلاء الشيعة من الاشعريين الذين جاؤوا إليها من الكوفة، ثم أخذت المدينة بعد سنة ۸۳ هـ تتسع وينتشر فيها العمران وأنشأت عليها المدارس الدينيّة، والمعاهد العلمية، واصبحت شيئاً فشيئاً من المدن الاسلامية الشيعية.

وجاء في تاريخ قم القديم: ان اغلب المؤرخين قد رووا بأن مجئ الاشعريين الى قم قد غيّر وضع المدينة اذ تحولت بمرور الزمن الى مركز للعلماء والمحدثين والرواة والفقهاء وكان قسم منهم من العلماء والتابعين الذين كانوا في جيش عبد الرحمن بن الاشعث يحاربون الحجّاج (۹).

وعلى ضوء ما تقدم يمكن القول بان بدايات الدراسة الدينيّة في قم قد بدأت في النصف الثاني من القرن الأول الهجري ولما كان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لديهم التصور الكامل عن المستقبل الزاهر لهذه المدينة فقد عبّروا عن ذلك في احاديثهم حيث جاء في بحار الأنوار: عن الصادق (عليه السلام) قال: ( ستخلو كوفة من المؤمنين ويأزر عنها العلم كما تأزر الحيّة في حجرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدناً للعلم والفضل حتى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدين) (۱۰).

وكان لوفاة فاطمة المعصومة بنت الامام موسى بن جعفر (عليهم السلام) في عام ۲۰۱ هـ ودفنها سلام الله عليها في المدينة الأثر الكبير في احداث تحولات في الفكر الشيعي لانه ساعد على كثرة تردد العلماء والرواة والتلامذة البارزين للامام الصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام)، اذ اصبح مرقدها (عليها السلام) منذ بداية القرن الثالث الهجري حتى اليوم مناراً يهتدي به طلاب العلوم الدينيّة (۱۱).

تأسيس الحوزة العلمية في قم المقدسة

تحدثنا في السطور الماضية عن كيفية بداية الدراسة في مدينة قم، وظلت الدراسة على شكلها التقليدي الى ان ظهر آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري وقام في سنة ۱۳۴۰هـ بوضع الهيكل الاساسي للدراسة الحوزوية في قم وكان ذلك في الايام الأولى لانقلاب الشاه رضا خان، وبعد أن استتبت الامور لرضا خان سعى وبشتى الطرق للقضاء على كيان الحوزة، ولكن بفضل صمود وتصدي آية الله الحائري لتلك المحاولات، استطاع ان يحافظ على ذلك الكيان الذي ظل الى يومنا هذا مركزاً مهماً من المراكز التي تفيض منها علوم آل البيت (عليهم السلام) الى سائر بقاع العالم، ولا بأس بهذه المناسبة ان نشير الى بعض طلاب الشيخ الحائري الذين اصبحوا نجوماً لامعة في عالم الحوزة العلمية وهم: الامام الخميني(قدس سره)، آية الله الكوهكمري، آية الله صدر الدين الصدر، آية الله أحمد الخونساري، وغيرهم (۱۲).

منزلة قم في روايات اهل البيت (عليهم السلام)

تبين لنا مما تقدم ان لهذه المدينة منزلة عند أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك ما لأهلها من الشأن والمكانة، وقد ورد عن الأئمة (عليهم السلام) روايات كثيرة في حقها نكتفي بما يلي:

۱- عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: اذا عمت البلدان الفتن فعليكم بقم وحواليها، فانّ البلاء مدفوع عنها (۱۳).

۲- عن الامام الرضا (عليه السلام) قال: للجنة ثمانية أبواب، فثلاثة منها لأهل قم، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم (۱۴).

۳- ما ورد في كتاب الامام الحسن العسكري (عليه السلام) الى أهل قم وآبه (آوه) وجاء فيه: ان الله تعالى بجوده ورأفته قد منّ على عباده بنبيّه محمّد بشيراً ونذيراً ووفقكم لقبول دينه، وأكرمكم بهدايته، وغرس في قلوب اسلافكم الماضيين رحمة الله عليهم، وأصلابكم الباقين تولّى كفايتهم وعمّرهم طويلاً في طاعته، حب العترة الهاديّة، فمضى من مضى على وتيرة الصواب، ومنهاج الصدق، وسبيل الرشاد، فوردوا موارد الفائزين، واجتنبوا ثمرات ما قدّموا، ووجدوا غبّ ما أسلفوا (۱۵).

وعلى ضوء الروايات المتقدمة تبين لنا وبشكل واضح جلالة هذه المدينة وأهلها ومدى رعاية الأئمة (عليهم السلام) لها ولأهلها وعنايتهم بها، مما جعل من هذه المدينة المباركة حصناً منيعاً للتشيع، وقلعة محكمة تدافع عن آل محمد (صلى الله عليه وآله) عبر القرون بصلابة ورسوخ في الاعتقاد.

قم في الوقت الحاضر:

يقول السيد حسن الامين في دائرة المعارف : … تعد قم من كبريات المدن الايرانية وتعتبر اليوم من المراكز التجاريّة المهمة فضلاً عن قدسيتها. وتقع قم شرقي جبال تنحدر نحو بحيرة قم الملحيّة الواقعة شرقي المدينة، كما تصب مياه تلك الجبال في النهر الذي يحيط بقسم كبير من المدينة ويسمى بـ (نهر قم)، الا أن هذا النهر يجف في فصل الصيف ونتيجة لتوسع المدينة بشكل منقطع النظير بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران فقد أصبحت محافظة مستقلة بعد ان كانت قضائاً تابعاً إلى محافظة طهران (العاصمة).

وتقع المدينة على الطريق الممتد من طهران الى اصفهان وتبعد عن الثانية بمسافة ۲۷۳ كيلو متراً. ولمحافظة قم نواح كثيرة أهمها (دستجرد) و(قهستان) و(خلجستان) و(جاسب) و(اردهال) و(اراخي) و(كهك) ولكل من هذه النواحي عشرات القصبات.

كما انها تقع في خط عرض ۳۴ درجة و۳۸ دقيقة على مفترق الطرق الرئيسية التي تربط شمال ايران بجنوبها كما يرم بها الخط الحديدي الرئيسي الذي يربط العاصمة طهران بالخليج جنوباً عبر (قم) وببحر الخزر شمالا عبر سلسلة جبال ألبرز.

وكان لهذه المدينة- كما لها اليوم- منذ القديم موقع تجاري واقتصادي مهم لأنها كانت تربط مدينة (الري) التي كانت عاصمة في صدر الاسلام ( وهي تقع الآن في نواحي طهران الجنوبية) بمدينة اصفهان، وسائر مدن ايران الجنوبية والوسطى.

ومدينة قم في الوقت الحاضر- كما كانت من قبل- شأنها شأن المدن الاسلامية المقدسة مطمح انظار المسلمين من الشيعة في ايران وفي سائر أقطار العالم الإسلامي وبالخصوص بعد انتصار الثورة الاسلامية التي قادها الامام الخميني(قدس سره) فيأتيها طول السنة الآلاف من الزائرين قاصدين مرقد السيدة فاطمة المعصومة بنت الامام موسى بن جعفر (عليهم السلام)، وأخت الامام الرضا (عليه السلام) لغرض التبرك بقبرها وقبور بعض أولاد الأئمة الاطهار (عليهم السلام).

ويأتيها الزوار أمّا بالسيارات على اختلاف انواعها أو بالقطار. والطرق الموصلة غليها معبّرة تقطعها السيارات من طهران إلى قم بمعدل ساعة ونصف تمر فيها بتلال تحيط بها وهي قليلة الارتفاع أمّا عن المناخ في مدينة قم فهو حار جاف صيفاً بارد قارص شتاءً تسقط فيه الثلوج أحياناً وفي سائر الفصول جوها معتدل. يبلغ تعداد نفوس قم (أكثر من مليون نسمة) عدا آلاف الزوار والسواح والمهاجرين.

ومن أهم المحصولات الزراعية التي تشتهر بها المدينة هي: القطن والرمان والبطيخ والتين والفستق والكمثرى والحبوب وبعض الفواكه الأخرى.

ومن صناعاتها البارزة: صناعة السجاد اليدوي الثمين بالاضافة الى صناعة الأواني الخزفية والرخاسية وصناعة الحلويات.

وتسقى أراضي قم من النهر الذي يمر بالمدينة والذي ينبع في أصوله من جبال البختياريّة في اواسط ايران.

والمدينة الآن مقسمة إلى قسمين شأنها شأن المدن القديمة فهي ذات طابعين:

الأول: يشمل الأحياء السكنية ذات الطرق الملتوية والأزقة الضيقة والاسواق المظلمة، وتقع بين هذه الأحياء المقابر والمساجد والمعابد الأثريّة.

الثاني: فيشمل الاحياء الجديدة ذات الشوارع العريضة والبنايات الحديثة والأزقة المستقيمة.

هذا وقد عثر مؤخراً في القسم الشمالي من المدينة وعلى بعد عشر كيلو مترات منها على آبار نفطية عزيرة (۱۶).

________________

۱- مترجم بتصرف عن كتاب حضرة معصومة سلام الله عليها لمحمد محمدي اشتهاردي ص ۱۷ (بالفارسية).

۲- المصدر السابق ص ۱۸٫ منقولاً عن انوار المشعشعين: ۱/۱۵ (بتصرف).

۳- المصدر السابق ص ۱۹٫

۴- جولة في الاماكن المقدسة للسيد ابراهيم الزنجاني: ص ۱۷۳٫

۵- نفس المصدر السابق.

۶- نفس المصدر السابق.

۷- دائرة المعارف الاسلامية الشيعية لحسن الامين: المجلد الثالث، الجزء الثاني عشر، ص ۲۲۹-۲۳۱٫

۸- المصدر السابق ص ۲۲۹-۲۳۰٫

۹- مترحم بتصرف عن كتاب حضرة معصومة عليها السلام ص ۵۴، منقولا عن تاريخ قم القديم ص ۲۷۸ (بالفارسية).

۱۰-بحار الأنوار للمجلسي: ۶۰/ ۲۱۳٫

۱۱-مترجم بتصرف عن كتاب حضرة معصومة سلام الله عليها : ص ۵۹٫

۱۲-مترجم بتصرف عن مجله نور علم (عدد ۷ شهر مرداد ۱۳۶۴ش) بالفارسية.

۱۳-بحار الأنوار: ۶۰/۲۱۴٫

۱۴-المصدر السابق ص ۲۲۸٫

۱۵-مناقب آل أبي طالب: ۴/۴۵۸٫

۱۶-دائرة المعارف الاسلامية الشيعية: المجلد ۳، الجزء ۱۲، ص۲۳۲-۲۳۳ (بتصرف يسير).

الكاتب: أبو زينة