مراعاة-أمير-المؤمنين(ع)-القوم-لا-تقدح-في-إمامته

مراعاة أمير المؤمنين(ع) القوم لا تقدح في إمامته

ولا يمكن القدح في ثبوت إمامته عليه السلام : بإمساكه عن النكير ، ومبايعته للقوم ، وإظهار التسليم ، وحضور مجالسهم ، والصلاة خلفهم ، وأخذ عطائهم ، والنكاح من سبيهم ، وإنكاح عمر ابنته ، وقول العباس له عند وفاة النبي عليه السلام : ألا يدخل بنا إليه فنسأله : هل لنا في هذا الأمر شئ ؟ ولو كان النص ثابتا لم يجهله العباس ، وامتناعه بعد وفاته صلى الله عليه وآله من مبايعة العباس وأبي سفيان وهما سيدا بني عبد مناف ، ودخوله في الشورى ، وتقلده الأمر بعد عثمان بالاختيار ، وتحكيم الحكمين .

لأن هذه الأمور أجمع غير قادحة في شئ من أدلة النص ، ومع ذلك فهي ساقطة على أصول المسؤول عنها والسائل ، ولا شبهة في سقوط ما هذه حاله من الشبه وسقوط فرض الإجابة عنه .

أما سلامة النص من القدح بها ، فلسلامة الظواهر الدالة عليه من الكتاب والسنة منها ، إذ كانت أجمع لا تخرج شيئا من نصوص الكتاب والسنة عن اقتضائه للنص بغير شبهة على تأمل ، وسلامة الظاهر من القدح بشئ مما ذكر مقتض للمصير إلى موجبها من القول بإمامته عليه السلام ، وسقوط اعتراضهما بشئ لا تعلق له بهما .

ولأن ثبوت النص على علي عليه السلام بالإمامة يقتضي ثبوت إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله وإلى حين وفاته عليه السلام ، وثبوت ذلك في هذه الحال يقتضي القطع على استمرار عد الله فيها – لو لم تكن العصمة من شروط الإمامة ، والحكم لجميع أفعاله بالحسن – لإجماع الأمة على فساد إمامة الإمام بما يقع من فسق ، فسقط لذلك أيضا جميع ما اعترضوا به ، ولم يبق إلا الرجوع إلى المنازعة في ظواهر النصوص ، فيكون ذلك رجوعا ( لما ) سلموه وإسقاطا لما اعترضوا به ، وهو المقصود ، واستينافا لاعتراض النصوص المحروسة بالحجة من كل شبهة على ما سلف بيانه ، والمنة لله سبحانه .

وأما سقوط هذه الاعتراضات على أصولنا ، فما بيناه من كون النص بالإمامة كاشفا عن عصمة المنصوص عليه ، ولا شبهة في سلامة أفعال المعصوم من القدح ، والحكم لجميعها بالحسن ، ولعد معترضها عن الصواب .

وأما سقوطها على أصولهم ، فلأنهم قد أجمعوا أن عليا عليه السلام منرؤساء المجتهدين ، وممن لا يعترض اجتهاده باجتهاد واحد سواه ، ومن كانت هذه حاله فغير ملوم في شئ من اجتهاداته عند أحد منهم ، ولا مأزور عند الله تعالى ، فكيف يوسع لمن هذه أصوله واعتقاداته في علي عليه السلام أن يقدح في عد الله بما اجتهد فيه – مع قولهم بصواب كل مجتهد وإن بلغ غاية في التقصير – لولا قلة الإنصاف .

وليس لهم أن يقولوا : لسنا نخطئه عليه السلام في شئ مما ذكرناه ، وإنما نفينا به ما تدعونه من النص عليه .

لأنهم متى لم يفرضوا قبح هذه الأمور مع تسليم النص لم يصح القدح بها في إمامته عليه السلام ، إذ لا قدح بشئ من الأفعال الحسنة في إمامة منصوص عليه ولا مجتاز على أن هذه الأفعال إذا كانت حسنة عند الجميع ، فلا منافاة بينها وبين النص الكاشف عندنا عن عصمة المنصوص عليه وعن علو رتبته في الاجتهاد عندهم ، وليس بموجب عليه عندنا ولا عندهم تقلد الأمر على كل حال ، وإنما يتعين هذا الفرض بشرط التمكن المرتفع بالاضطرار إلى سقوطه وما تبعه من الأمور المذكورة وغيرها ، فكيف ظن مخالفونا في الإمامة منافاة النص لما ذكروه من الأمور لولا بعدهم عن الصواب .

على أنا نتبرع بذكر الوجه في جميع ما ذكروه مفصلا ، وإن كنا مستغنين عنه بما ذكرناه :

أما ترك النكير ، ففرضه متعين بمجموع شروط يجب على مدعي تكاملها في علي عليه السلام إقامة البرهان بذلك ، وهيهات.

أن الممكن فعله من النكير قد أدلى به عليه السلام ، وهو التذكار والتخويف والتصريح باستحقاقه الأمر دونهم ، وما زاد على ذلك من المحاربة موقوف على وجود الناصر المفقود في الحال بغير إشكال ، وكيف يظن به عليه السلام تمكنا من حرب المتقدمين على من رآه لا يستطيع الجلوس في بيته دونهم لولا قبيح العصبية وشديد العناد .

وأما البيعة ، فإن أريد بها الرضا فمن أفعال القلوب التي لا يعلمها غيره تعالى ، بل لا ظن بها فيه ، لفقد أمارتها وثبوت ضدها .

وإن أريد الصفقة باليد فغير نافعة ، لا سيما مع كونها واقعة عن امتناع شديد ، وتخلف ظاهر ، وتواصل إنكار عليه ، وتقبيح لفعله ، وموالاة مراجعة بتهديد تارة وتخويف أخرى وتحشيم وتقبيح ، إلى غير ذلك مما هو معلوم ، ودلالة ما وقع على هذا الوجه على كراهية المبايع واضحة .

وأما إظهار التسليم ، فعند فقد كل ما يظن معه الانتصار ولهذا صرح عليه السلام عند التمكن من القول بوجود الأنصار بأكثر ما في نفسه من ظلم القوم له وتقدمهم عليه بغير حق ، وسنورد طرفا منه فيما بعد إن شاء الله ، وذلك مانع من وقوع تسليمه عن رضى .

وأما حضور مجالسهم ، فللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتمكن منه ، وتنبيه الغافل وإرشاد الضال ، وتعليم الجاهل واستدراك الفائت ، وهذه أمور يختص وجوبها  به ) مضافا إلى غيرها ، تمكن منها ومنع من تلك ، فوجب عليه فعل ما تمكن منه ويسقط عنه فرض الممنوع منه .

وأما الصلاة خلفهم ، فلا دلالة على كونه عليه السلام مقتديا بهم ، لكون الاقتداء من أفعال القلوب ، ولأنه أقرء القوم وأفقههم ، فلا يجوز له الاقتداء بهم حسب ما نص عليه شارع الجماعة صلى الله عليه وآله ، ولأنه إمام الذي لا يجوز التقدم عليه ، ولا يجوز له اتباع رعيته .

فهذه أصولنا الموافقة للأدلة تمنع من كونه عليه السلام مقتديا بغيره .

فأما أصول القوم ، فإنهم يجيزون الصلاة خلف الفاسق ، فكيف تكون صلاة المسلم خلف أبي بكر دلالة على إمامته أو فضله ، أو قادحة في عدالة المصلي أو إمامته ، لولا غفلة السائل وجهله بأصوله وأصول خصمه .

وأما أخذ العطاء ، فليسوا بذي مال يخصهم إعطاؤه ، وإنما هو مال الله الذي جعله لأنصار الإسلام ، وأمير المؤمنين علي عليه السلام زعيم النصرة وأحق الأنصار به .

على أن فرض تصريف هذا المال مردود إليه جملة ، فتمكنه من البعض لا يقتضي رضاه بالمنع من البعض الآخر ، ولو كان العطاء من مالهم لم يدل على صواب رأيهم في الإمامة بإعطائه ، ولا خطأ علي بأخذه ، كسائر العطايا .

وأما نكاحه من سبيهم ، فبنوا حنيفة لا يعدون أمرين : إما كونهم مستحقين المسبي في الله ، أو غير مستحقين .

وكونهم مستحقين يقتضي إباحة ملك سبيهم ، وإن كان السابي ظالما ليس بإمام ولا بمأموم عدل ، لولا ذلك يحرم نكاح المسبي في كل زمان لا إمام فيه منصوص عليه ولا مجتاز ، وقد أجمع المسلمون على خلاف ذلك .

وكونهم غير مستحقين يقتضي كونه عليه السلام عاقدا على خولة الحنفية ، لكونه عالما بما يحل ويحرم ، وممن لا يقدم على ما يعلمه حراما باتفاق .

وأما مناكحة عمر ، فالتقية المبيحة للامساك عن النكير – لما فعلوه من تقلد أمر الإمامة – مبيحة لذلك ، لكونه مستصغرا في جنبه .

على أن حال عمر في خلافه لا تزيد على حال عبد الله بن أبي السلول وغيره من المنافقين ، وقد كانوا يناحكون في زمن النبي صلى الله عليه وآله ، لاظهار الشهادتين وانقيادهم للملة ، وهذه حال عمر .

وعلم علي عليه السلام بالدليل كفر عمر كعلم النبي صلى الله عليه وآله بالوحي كفر ابن أبي السلول وغيره ، فكما لا يمنع ذلك من مناكحتهم ، فكذلك هذا .

وأما ما روي عن العباس من قوله لعين عليه السلام : أدخل بنا إلى النبي صلى الله عليه وآله – الحديث – فغير معلوم ، فيلزم تأوله ، والأشبه أن يكون كذبا ، من حيث كان ظاهره يقتضي جهل العباس رضي الله عنه بالنص المعلوم لنا اليوم ولمن يتجدد إلى يوم القيامة ، حسب ما وضحت الحجة به لكل متأمل لا يجوز على العباس جهلها .

على أنه لو كان ثابتا لكان الوجه في سؤاله لعلي عليه السلام استعلام النبي صلى الله عليه وآله عن الأمر ، وهل يصير إلى المستحق له بالنص أم يدفع عنه ؟ فامتنع عليه السلام من ذلك ، لعلمه بإعلام النبي صلى الله عليه وآله له بخروج الأمر عنه إلى القوم المخالفين لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله من خلافته عليهم ، لئلا يخبر به النبي صلوات الله عليه وآله ظاهرا فيظن من لا بصيرة له أن ذلك نص ، فتحصل شبهة ، فلذلك ما عدل عن إجابة العباس رضي الله ( عنه ) إلى ما سأل ، وليس في امتناعه عليه ولا قول العباس له دلالة على عدم النص ، لما بيناه من ثبوته ، واحتمال قول العباس لما يوافق الثابت بالأدلة .

وأما امتناعه من بيعة العباس وأبي سفيان ، فلأنه عليه السلام رأى بشاهد الحال فسادا في بيعتهم ، إما لأنه صلى الله عليه وآله لو بايع للزمه القيام بما لا ناصر له عليه ، أو لخوف ضرر ممن تم له السلطان بمظاهرته بالمناقشة له .

في سلطانه ببيعة ذين الرجلين المعظمين في قومهما ، ألا ترى إلى لجاجهم في بيعته خوفا منه وإلجائه إليها مع إظهار الامساك ولزوم منزله ، فكيف به لو علم كونه مبايعا لنفسه ، فلذلك ما عدل عن بيعتهما .

وأما دخوله في الشورى ، فللضرورة الداعية إلى ذلك ، إذ كان العاقد لها موجبا على القوم الذين يخبرهم الدخول فيها ، وهو ممن قد علمت حاله وشديد إقدامه وتهجمه على مخالفه .

وليحتج صلى الله عليه وآله على القوم بمناقبه وذرائعه إلى الخلافة ، وما أنزل الله فيه ، وذكره رسوله صلى الله عليه وآله من النصوص الدالة على إمامته ، وما كان متمكنا لولا دخوله في الشورى من ذلك ، فصار دخوله لهذا الوجه واجبا ليس يقدح في إمامته ، ولا منصوب لعاقد الشورى .

وليتوصل عليه السلام بالدخول مع القوم إلى القيام بما جعل إليه النظر فيه من الأمور الدينية التي من أوضح برهان على ما تقولها الشيعة من مشاركة عمر للقوم في سوء الرأي في الإسلام وأهله ، واتفاقهم على عداوة النبوة وأهلها والمتحققين بولايتها لمن أنصف نفسه وتأمل هذه الحال .

ومنها: يمينه سالما مولى أبي حذيفة ، وإخباره أنه لو كان حيا ما يخالجه في تقليده أمر الإمامة شك .

وخطأه في هذا من وجوه :

أولها : أنه إخبار عن إيجابه إمامة سالم من غير روية ولا مشاورة ، مع العلم بأن فعلة ليس بحجة ، وإيجاب ما ليس على إيجابه دليل قبيح .

وثانيها : أنه نقيض لاحتجاجه يوم السقيفة على الأنصار باختصاص الإمامة بقريش ، ومبطل لإمامة أبي بكر المبنية على سقوط حجة الأنصار بالقربى وإمامته لكونها فرعا لإمامة أبي بكر بإجماع ، ومفسد للظاهر من مذاهب الخصوم في مراعاة القرشية في صفات الإمام .

ثالثها : حصول العلم الضروري بفساد رأي من رجح سالما على علي بن أبي طالب عليه السلام والعباس رضي الله عنه والمختارين الشورى ووجوه بني هاشم وأعيان المهاجرين والأنصار في شئ من أحواله فضلا عن جميعها ، ومن تأمل خطاب هذا القائل علم أن مقصوده الوضع من الصحابة والقرابة واستخفافه بأقدارهم ، وتهاونه بنكيرهم عليه وقلة نكره بالمناقضة بينهم بأدنى تأمل .

ورابعها : أنه تحقيق لما ترويه الشيعة من تقدم المعاهدة منه ومن صاحبه وأبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة على نزع هذا الأمر من بني هاشم لو قد مات محمد صلى الله عليه وآله ، لولا ذلك لا يكن ليمينه سالما وإخباره عن فقد الشك فيه مع حضور وجوه الصحابة وأهل السوابق والفضائل والذرائع التي ليس لسالم منها شئ وجه يعقل ، وكذلك القول في يمينه أبا عبيدة بن الجراح على الرواية الأخرى .

وليس لأحد أن يجعل سكوت الصحابة عنه دلالة على صوابه فيما ذكرناه عنه من المطاعن عليه .

لأن السكوت لا يدل على الرضى بجنب الاحتمال لغيره ، وهو ها هنا محتمل للخوف وحصول المفسدة كاحتماله للرضي ، فلا يجوز القطع إلا بدلالة .

ولأن البرهان واضح يخطبه فيما قدمناه ، والأمر ظاهر على وجه لا لبس فيه من المناقصة للظاهر والتحجر والأمر بقتل من لا يستحق القتل على رأي أحد ، وإيجاب قول المشهود له بضعف الرأي والدين ، ويمين الموالي الفجار والشك في رجوه الأبرار فلا اعتبار في شئ من ذلك بسكوت محتمل .

على أن تأمل هذا يوضح عن فساد طريقتهم في كون الامساك عن النكير حجة في الدين ، لحصوله مع ما يعلم قبحه بقريب من الاضطرار.

المصدر: تقريب المعارف للشيخ أبي صلاح الحلبي