الأسرة الشيعية » الأطفال »

مرحلة الاستكشاف عند الطفل

تتخذ ظاهرة الاستكشاف لدى الطفل أهميَّة بالغة بعد السنة الأولى ، إذ يشرع في مواجهة مواقف وأشخاص جُدُد يؤثِّرون في تجاربه التعلُّمية الأولى من مختلف النواحي ، ومهما يكن من أمر فالاستكشاف يرتبط بظاهرة أخرى ، ألا وهي التضاؤل التدريجي لتعلُّق الطفل بأمِّه ، ويزداد التعلق الخاص بأشخاص معينين بصورة فورية بعد بروز هذه الحاجة لديه ، ويتناقص عنده التعلق بأشخاص معينين مع مرور الزمن .

وذلك على نقيض القدرات الأخرى التي يتعلمها الطفل ، والتي تتزايد مع تقدُّمه في السن ، إذ يصبح الطفل مع الزمن قادراً بصورة متزايدة على تصور أمِّه ، ويتخذ من شكلها وسلوكها وجه مقارنة في تجاربه الجديدة ، ولا يعود وجودها ضرورياً له ، فيشرع الطفل بالابتعاد عنها بصورة تلقائية ، ويزداد هذا الابتعاد بصورة تدريجية .

وفي هذه المرحلة ينبغي للأم أن تضطلع بأصعب دور لها ، فالأم هي التي يتوجب عليها – وإن بدا ذلك متناقضاً مع طبيعتها – أن تدفع طفلها إلى الانفصال عنها ، حتى يكتسب معرفة بالعالم الخارجي ، ولربما بدا ذلك سهلاً في بادئ الأمر ، ولكن التجربة أثبتت أن الأم هي التي تحول دون تحرر طفلها ، وربما كان ذلك دون قصد منها .

والحق أنّ عملية الانفصال عن الطفل أمر صعب دائماً ، وإن كانت مقرونة بمراقبة الأم لطفلها ولتصرفاته ونموه عن كثب .

وفي الشهور الأولى من حياة الطفل توفر الأم له الحوافز اللازمة الملائمة لسنِّه ، وواقع الأمر أن مواقف المجازفة والمغامرة التي يقفها الطفل تعتمد بصورة مبدئية على علاقته بشخص راشد ، يدفعه أو يحفزه تقريباً على الإفادة من جميع الفرص المتوافرة في البيئة التي يعيش فيها .

وبعد شهور معدودات ، وإذ يشرع الطفل في إبداء قدرته على التصور ، فإنه يستطيع أن يشعر وحده بدوافع جديدة ، كما يستطيع كذلك أن يبدأ في استكشاف بيئته ، وفي أثناء السنة الأولى من حياة الطفل يرتبط أمنه النفسي وسعادته كل منهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً ، والحقيقة أنه من غير المحتمل أن يتوقَّع من الطفل أن يبدأ بمواجهة بيئته إذا لم يطمئن إلى وجود أمِّه .

وجدير بالذكر أن على الأم أن توقظ في نفس طفلها المحاولات الأولى لديه ، وأن تحافظ على هذه المحاولات ، فغياب الأم يؤدِّي إلى كَبح مبادرات الطفل ومحاولاته الأولى ، وفضلاً عن ذلك ، فإن المغامرات التي يباشرها الطفل تختلف باختلاف الشعور بالثقة الذي تمكنت الأم من غرسه في نفسه .

وتتمثل أهمية العلاقة بين الأم وطفلها في الحماسة ، والمشاركة والدوافع ، والمقترحات التي يبديها الطفل بمساعدة أمّه ، فالأمّ المُثلى توفِّر لطفلها بيئات جديدة ، وألعاب وألواناً ، وأجواءً نفسية ومشاعر ، أجل إنَّها توفر له كل ما يشجعه ويشغل وقته بصورة كاملة في آن واحد .

وينبغي للأم – فضلاً عن تأسيس علاقة المشاركة هذه في عملية الاستكشاف التي يباشرها الطفل والموافقة عليها – أن تنشئ لطفلها – ولا سيَّما في البيت – عالماً مادياً يثير فضوله ، وهو عالم مهم جداً بالنسبة إلى طفل في السنة الأولى من العمر ، فينبغي لها مثلاً أن تملأ حجرة طفلها بعديد من الأشياء الصغيرة ، والتماثيل والألعاب الجذَّابة ، التي يسهل على الطفل استعمالها ، وتثير فيه شغفاً بالاستكشاف اللَّمسي والمرئي .

ومن جهة أخرى ينبغي كذلك عدم الاستخفاف بحاسة السمع لدى الطفل ، بل يجب تنبيهها ببضعة أجراس أو أصوات عذبة .

ثم إن نمو قدرات جسمية جديدة لدى الطفل يبرز حاجة الطفل إلى الحرية من أجل مواجهته الواقع الخارجي الذي يجذبه ، وهي حاجة جديدة مُلحَّة ، وفي هذا المجال ينبغي للأم ألا تفرط في تقديم المساعدة لطفلها ، إذ يكفي أن ترشده إلى مرحلة الاستكشاف من دون أن تتتبع أعماله خطوة بعد خطوة .

أما إذا أثقل الأبوان على طفلهما بحضورهما الدائم ، وتقديم اقتراحاتهما وحمايتهما التي كان الطفل بحاجة إليها في بادئ الأمر ، فذلك يثير في الطفل عصبية وأثراً معاكساً ، فيوحي إليه بأنه قد فقد الحرية التي كان يحسب أنه قد أكتسبها ، وعلى هذا النحو يشعر الطفل بشيء من الاضطهاد من جانب أبويه ، وينتهي به الأمر إلى صراع دائم بين حقوقه أو التضحية بإرادته وشخصيته في سبيل رغبات الآخرين ، وذلك بقبوله تدخلاتهم المستمرة في شؤونه.

والحقيقة أن النشاط الذي ينبغي للطفل ممارسته وحده من دون تدخل من الآخرين هو استكشاف بيئته ، ومن هنا فإن الطفل الذي تلقى تدريباً حسناً وطمأنة من أمِّه يثق بقدرته ، ويرغب في إثبات ذلك ، ولكن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بالأنشطة الاجتماعية التي يمارسها الطفل ، والتي تتصل باكتشاف أناس آخرين .

فالطفل يشعر بالحاجة إلى شخص مألوف قريب منه ، يستطيع أن يساعده في مجال يتعرَّض فيه لكثير من المآزق العاطفية ، وعلى هذا نقتصر على أمرين مختلفين ، يحتاجهما الطفل خلال السنة الثانية من عمره :

أوَّلهما : رغبته في استكشاف عالمه الجديد بنفسه ، وثانيهما : حاجته إلى جماعة حوله ، نتيجة شعوره العميق بعدم الأمن ، وحقيقة الأمر أن الطفل لا يشرع فقط في استكشاف العالم الخارجي ، بل يحاول كذلك السيطرة على جسمه وإمكاناته الباطنة ، ولهذا السبب فإن كل ما اعتاد الطفل لا يكفيه بعد بلوغه الشهر السابع أو الثامن ، وتصبح حظيرته النقالة التي كان يلعب فيها ضيِّقة .

كما تغدو الدمى التي كان يقضى أيّاماً كاملة في النظر إليها واللعب بها غير ممتعة بالنسبة إليه ، وفي الحقيقة يشرع الطفل في التماس الحرية للتحرك في أرجاء البيت ، ومن الطبيعي أن يمنح الطفل هذه الحرية وتحت إشراف أمه ، لمدة ساعات معدودات كل يوم ، ولكن لا ينبغي للأم منحه الحرِّية الكاملة ، فوضعه الجسمي لا يساعده على السيطرة على حركاته ، فقد يوقعه في مواقف مغيظة خطرة عليه وعلى الأشياء المحيطة به .

ومن الجدير بالذكر أن منح الحرية للطفل بصورة مفرطة ربما كان له أثر سلبي في شخصيته ، فقد يدفعه ذلك إلى الوحدة ، ويوقع الكآبة في نفسه ، ويشعره بهجر الناس له ، وربما كان الحل الأمثل الوسط بين حجز الطفل في الحظيرة النقالة ومنحه الحرية المطلقة هو إنشاء ركن كبير في حجرته ، يقضي فيه أوقاته ، أو في أي مكان تقضي فيه الأم عادة معظم وقتها .

وينبغي أن يكون هذا الركن حافلاً بالأشياء الممتعة غير المؤذية ، وينبغي للأم كذلك إبعاد الأشياء الحادة عنه ، فربما أصابت عينيه بالأذى ، أو ربما ارتطم رأسه بها ، ولعلّ من المستحسن أن تضع الأم سجادة أو بطانية تحميه من السقوط المباشر على الأرض الباردة ، وتخفف من وطأة سقوطه عليها ، ومن العوامل المهمة الأخرى أيضاً هو توفير دعائم للطفل ، تسهل حركاته الأولى .

ومن الجدير بالذكر أن الحياة العصرية والبيوت الحديثة أصبح إنشاؤها يعتمد على المنطق بصورة متزايدة ، كما أصبحت محدودة المساحة ، فالضِّيق النسبي في الأمكنة المكشوفة – كالحدائق والحقول التي يستطيع الطفل التحرك فيها بحرية واستقلال منذ السنة الأولى من عمره فصاعداً – تحدُّ في الواقع من الاكتشافات والتجارب التي كانت مألوفة في السابق .

وهكذا فقد أصبح الطفل في العصر الحديث ضحية لمقتضيات البيئة والمجتمع الراهن ، ولذلك كان واجب الأم حماية طفلها قدر ما تستطيع ، وبذل كل ما يمكنها لإنشاء مكان خاص به يستطيع أن يطوّر فيه استقلاله وينمّي الثقة في نفسه وفي قدراته .