مرقد الإمام الحسين(ع) عبر القرن الأول الهجري

إن مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ظل منذ أن احتضنته أرض كربلاء قبله لملايين الأباة والأحرار، ومهوى لجميع المۆمنين والموالين باختلاف ألسنتهم وقومياتهم على مر العصور، ورغم محاولات الطغاة لطمسه إلا انه بقي مركز إشعاع للعالم حيث مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.

لقد أصبح المرقد الحسيني الشريف حربة ذا حدين يستخدمها السلاطين والأمراء، والرۆساء والوزراء كأداة داعمة من جهة، ووسيلة دامغة من جهة أخرى، وعلى أثره صنع تاريخ مرقده الشريف، الذي نحاول إلقاء الضوء عليه واستعراض ما يمكن استعراضه بشكل موجز وسريع جداً.

القرن الأول الهجري:

أول من أقام رسما لقبر الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) هو الإمام السجاد علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) مع بني أسد، حين دفنوا الإمام الحسين (عليه السلام) وأجساد الشهداء من أهله وأنصاره وذلك يوم الثالث عشر من شهر محرم الحرام عام 61ه ‍ الموافق لـ(15/10/680م.

وذلك تطبيقاً لما روته السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) في حديثها إلى الإمام السجاد (عليه السلام) حيث قالت: (لقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمة وهم معروفون من أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يعفى رسمه، على مرور الليالي والأيام…

ثم يبعث الله قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشاركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية فيوارون أجسامهم ويقيمون رسما لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء يكون علماً لأهل الحق وسبباً للمۆمنين إلى الفوز) (كامل الزيارات: لابن قولويه 262- 265).

ولعل القبر الشريف كان في بداية الأمر مرتفعاً وبارزاً قليلاً عن الأرض، كما يظهر من كلام جابر الأنصاري حين زار القبر الشريف في الأربعين الأول حيث قال: (ألمسوني القبر) (مدينة الحسين: لمحمد حسن بن مصطفى الكليدار: 1/ 19)، بل يۆيد ذلك ما يروى من أن السيدة سكينة (عليها السلام) ضمت قبر أبيها الحسين (عليه السلام) عند رجوعها من الشام، وقيل إن بني أسد حددوا له مسجداً وبنوا على قبره الشريف سقيفة وقيل إنهم وضعوا على القبور الرسوم التي لا تبلى (تاريخچة كربلاء: محمد بن أبي تراب كرباسي حائري: 56).

وما بين عامي 61 – 63هـ ‍ يذكر محمد باقر بن عبد الحسين مدرس: (أنهم بنوا في العهد الأموي مسجداً عند رأس الحسين (عليه السلام)… ثم شيِّد القبر من قبل الموالين) (شهر حسين: 160) وأما عن عام 64ه ‍ يقول الرحالة الهندي محمد هارون: (أول من بنى صندوق الضريح بهيئة حسنة وشكل مليح بنو نضير وبنو قينقاع) (مجلة الموسم الهولندية: عدد 14، ص329).

ويظهر أن التوابين عندما قصدوا زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) في ربيع الأول من عام 65ه ‍ قبل رحيلهم إلى عين الوردة طافوا حول هذا الصندوق وكان عددهم يقارب أربعة آلاف رجل.. (مدينة الحسين: محمد حسن بن مصطفى الكليدار 1/ 20).

وفي سنة 66ه ‍ وعندما استولى المختار بن أبي عبيدة الثقفي على الكوفة عمّر على مرقده الشريف قبة من الجص والآجر، وقد تولى ذلك محمد بن إبراهيم بن مالك الأشتر، واتخذ قرية من حوله، وكان للمرقد بابان شرقي وغربي وبقي على ما قيل حتى عهد هارون العباسي (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار 160) وإلى هذا يشير السماوي في أرجوزته:

وجاء بعد ذلك المختار حين دعاه والجنود الثار وعمر المسجد فوق الجدث فهو إذاً أول شيء محدث وبقي المسجد حول المرقد إن كان قد أسس للتعبد ولم يزل يزار في جناح حتى أتى الملك إلى السفاح (مجالي اللطف: 2/ 18).

ويذكر المۆرخ السيد عبد الجواد الكليدار تفصيل حول مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ومقاساته وشكله وموقعه ومن جملة كلامه (…فيلمع للناظر عن بعيد كبيضة نعامة في وسط الصحراء، وفوق هذا البناء الجميل البسيط تستقر سقيفة تعلوها قبة هي أول قبة من قباب الإسلام الخالدة التي خيمت لأول مرة في الجانب الشرقي من الجزيرة العربية بين ضفة الفرات وحافة الصحراء في الاتجاه الشمالي…الخ) (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: 81).