مرقد الإمام الحسين(ع) عبر القرن الثالث الهجري

القرن الثالث الهجري:

يقول سلمان آل طعمة: (إن الشائع على ألسنة الباحثين والمۆرخين أن كربلاء كانت في القرن الثالث مملوءة بالأكواخ وبيوت الشعر التي كان يشيدها المسلمون الذين يفدون إلى قبر الحسين (عليه السلام) (تراث كربلاء: 231) إلى جانب بيوت المجاورين له.

هذا ولم يتعرض مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في عهد المعتصم العباسي والواثق العباسي إلى الهدم والتخريب، كما لم يتعرض الموالون لأهل البيت (عليهم السلام) للاضطهاد بسبب اضطراب الوضع السياسي (شهر حسين: محمد باقر بن عبد الحسين مدرسي:202).

ولما كانت سنة 232ه ‍ تولى الحكم المتوكل العباسي وكان شديد البغض للإمام أمير المۆمنين علي (عليه الصلاة والسلام) ولذلك عمد إلى هدم قبر الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أربعة مرات (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 19).

أ) المرة الأولى:

عام 233ه ‍ وذلك إثر ذهاب إحدى جواريه المغنيات إلى زيارة شعبان في كربلاء (موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء: جعفر الخليلي: 258)، فأنفذ عمر بن فرج الرخجي لهدم ما عمره المأمون العباسي وأمر بتخريب قبر الحسين (عليه السلام) وحرثه، فلما صار إلى الناحية أمر بالقبر فمر بها على القبور كلها فلما بلغت قبر الحسين (عليه السلام) لم تمر عليه (بحار الأنوار: للمجلسي 45/ 398: ح8).

ثم إن الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) رغم الاضطهاد والتنكيل عمدوا إلى تعمير مرقده الشريف وإنشاء البيوت من حوله (شهر حسين: محمد باقر عبد الحسين مدرس: 207).

ب) المرة الثانية:

سنة 236ه ‍ حيث عمد المتوكل أيضاً إلى هدم الضريح المطهّر وملحقاته وزرعه بعد تسوية أرضه، كما أمر بهدم ما حوله من المنازل والدور ثم منع زيارة المكان وغيره من البقاع الشيعية المقدسة (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 205) (مروج الذهب للمسعودي: 4/ 51).

وهدد الزوار بفرض عقوبات صارمة عليهم، فنادى بالناس: من وجدنا عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق (موسوعة العتبات المقدسة قسم كربلاء: جعفر الخليلي: 258 – 93).

وأوعز مهمة الهدم لرجل يهودي اسمه إبراهيم الديزج فبعثه المتوكل إلى كربلاء لتغيير قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وإن الديزج حسب أمر المتوكل لم يكتف بهدم القبر وإنما ضرب ما حوله فهدم مدينة كربلاء كلها وأنه أوكل في أطرافها المسالح لمنع الزائرين من الزيارة بالعنوة وبعقاب القتل (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 203).

وجعل المتوكل عقوبة على زائري الإمام الحسين (عليه السلام) وهي قطع يده للمرة الأولى، ورجله للمرة الثانية (دراسات حول كربلاء ودورها الحضاري: 628).

والتقى أبو علي العماري بإبراهيم الديزجٍ وسأله عن صورة الأمر، فقال له: أتيت في خاصة غلماني فقط، وأني نبشت فوجدت بارية جديدة عليها بدن الحسين بن علي، ووجدت منه رائحة المسك فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه وأطلقت عليه الماء، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفت لغلماني بالله وبالإيمان المغلظة لئن ذكر أحد هذا لأقتلنه (بحار الأنوار للمجلسي: 45/ 394: ح2).

ويصف السماوي الحادثة كلها ومنها يقول : ثم حرثنا الأرض لكن القبر تأتي إلى ذاك المقام وتذر وكلما تضرب للكراب تقهقرت تمشي على الأعقاب ثم مخرنا الماء فوق القبر فحار عنه واقفاً لا يجري (مجال اللطف: 2/ 26).

ويبدو أن محبي أهل البيت (عليهم السلام)، لم يتركوا قبر إمامهم على حاله بل عمروه بما يتناسب على رغم تضييق السلطات عليهم.

ج) الثالث:

عام 237ه ‍ حين بلغ المتوكل أن أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) فيصير إلى قبره منهم خلق كثير فأنفذ قائداً من قواده واسمه هارون المعري وضم الوزير معه وغيرهم إضافة إلى إبراهيم الديزج لينفذ الهدم والحرث إضافة إلى الجند، ليشعِّث قبر الحسين (عليه السلام) ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره، ففعلوا ما أمروا به (بحار الأنوار: للمجلسي 45/397 ح5- 45/395/ح3).

ويعلق عبد الجواد الكليدار (إن الطاغية لم يوفق في هذه المرة إلى مثل ما ارتكبته يداه في المرات السابقة وذلك تأثير الرأي العام من جهة ومن جهة أخرى تجاه المقاومة الفعلية الشديدة التي لاقاها جنوده من قبل الأهلين) (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 209) ولم يزل زواره (عليه السلام) يقصدونه ويصلحون قبره الشريف عن الهدم المتكرر.

وفي سنة 240ه ‍ توجه الأشناني وهو من محبي أهل البيت (عليهم السلام) إلى زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) سراً برفقة أحد العطّارين فلما وصلا القبر الشريف جعلا يتحريان جهة القبر حتى عثرا عليه وذلك لكثرة ما كان قد مخر وحرث حوله فشاهداه وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه واحرق، وأجري عليه الماء فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق حول القبر ولما أتما مراسيم الزيارة نصبا حول القبر علامات شاخصة في عدة مواضع من القبر (تاريخ الحركة العلمية في كربلاء: نور الدين بن محمد الشاهرودي: 16).

ويصف الأشناني الوضع الأمني آنذاك بقوله: (… فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا فجعلنا نشمه…الخ) (مقاتل الطالبيين: علي بن الحسين الأصفهاني: 479).

د) الرابع:

سنة 247ه ‍ كان قد بلغ المتوكل مرة أخرى مسير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وانه قد كثر جمعهم لذلك، وصار لهم سوق كبير فأنفذ قائداً في جمع كثير من الجند وأمر منادياً ينادي ببراءة الذمة ممن زار قبره، ونبش وحرث أرضه وانقطع الناس عن الزيارة، وعمل على تتبع آل أبي طالب والشيعة فقتل منهم جمعاً كثيراً (بحار الأنوار: للمجلسي: 45/ 397 ح5).

وإن هدم المتوكل لقبر الإمام الحسين (عليه السلام) في المرة الرابعة صادف في النصف من شعبان حيث كان الناس يتوافدون بكثرة على زيارة كربلاء في مثل هذا الوقت (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 214).

وقد تولى الهدم في هذه المرة إبراهيم الديزج أيضاً حيث يقول: إن المتوكل امرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين فأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر، فوافيت الناحية مساءً ومعنا الفعلة ومعهم المساحي والمرود، فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر وحرث أرضه فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت فذهب بي النوم، فإذا ضوضاء شديدة وأصوات عالية، وجعل الغلمان ينبهوني، فقمت وأنا ذعر فقلت للغلمان: ما شأنكم؟ قالوا: أعجب شأن؟!

قلت: وما ذاك؟ قالوا: إن بموضع القبر قوماً قد حالوا بيننا وبين القبر وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب، فقمت معهم لأتبين الأمر، فوجدته كما وصفوا، وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض، فقلت: ارموهم، فرموا فعادت سهامنا إلينا فما سقط سهم منا إلا في صاحبه الذي رمى به فقتله، فاستوحشت لذلك وجزعت وأخذتني الحمّى والقشعريرة ورحلت عن القبر لوقتي، ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم إلي به (بحار الأنوار: للمجلسي: 45/ 395/ ح4).

وانتشر ظلم المتوكل وذاع خبر هدمه قبر سبط الرسول (صلى الله عليه وآله) بين الناس فتألم المسلمون لذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان، وهجاء الشعراء. ولقد وضع المتوكل يده على أوقاف الحائر وصادر أموال خزينة الحسين (عليه السلام) ووزعها على جنوده قائلاً: (إن القبر ليس بحاجة إلى الأموال والخزائن) (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 163).

وروي لما أجري الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوماً وانمحى اثر القبر فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذه قبضة قبضة ويشمه حتى وقع على قبر الحسين (عليه السلام) وبكى، وقال بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً ثم بكى وانشأ يقول:

أرادوا ليخفوا قبره عن وليه*** فطيب تراب القبر دل على القبر

(ترجمة ريحانة الرسول المستل من تاريخ دمشق لابن عساكر: 275).

ولقد أراد المتوكل محو ذكر الإمام الحسين (عليه السلام) ولكنه قُتِلَ عام 247ه ‍ وعلى فراشه وذلك من قواده الأتراك بإشارة من ابنه المنتصر ولم يتم له ما قدره (تراب كربلاء: سلمان بن هادي آل طعمة: 35).

ولما استقر الحكم للمنتصر في نفس السنة وبلغ مسامع الأشناني توجه من ساعته إلى كربلاء ومعه جماعة من الطالبيين والشيعة – وذكر أنه كان برفقة إبراهيم بن محمد العابد ابن الإمام الكاظم (عليه السلام) المعروف بسيد إبراهيم المجاب (عليه السلام) فلما وصلوا كربلاء أعادوا للقبر معالمه القديمة (تاريخ الحركة العلمية في كربلاء: نور الدين بن محمد الشاهرودي: 15).

وعند ذاك أي عام 248ه ‍ أمر المنتصر العباسي ببناء مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) وإعادته إلى ما كان عليه (العراق قديماً وحديثاً: عبد الرزاق الحسيني: 129) ونصب على قبره الشريف علماً طويلاً ليستهدي الناس إليه ودعا إلى زيارته (عليه السلام) وعطف على آل أبي طالب وأحسن إليهم وفرق فيهم الأموال وارجع إليهم الأوقاف الخاصة بهم كما أرجع فدكاً إليهم (تاريخچة كربلاء: محمد بن أبي تراب كرباسي حائري: 59).

وذلك ما اقتضته سياسته لتنفيذ أطماعه، فهب الشيعة إلى زيارته باطمئنان وراحة بال وجاوروه، وفي ذلك يقول السماوي في أرجوزة:

حتى إذا ما انتصر المنتصر ** وآمن الناس أعيد الأثر

وعادت السكان والديار ** وشيد المقام والمزار (مجالي اللطف: 2/ 20).

ولعل أقدم شخصية علوية سكنت كربلاء وهو السيد إبراهيم المجاب (عليه السلام) وابنه محمد الحائري (تراث كربلاء: سلمان بن هادي آل طعمة: 35) وقبل عام 271 ه ‍ زار الحائر الشريف الداعي الكبير الحسن العلوي ملك طبرستان وديلم فباشر بتشييد الحضرة الحسينية واتخذ حولها مسجداً ولم يكن الزمن كفيلاً بإنجازه حيث توفي عام 271هـ.

وتولى بعده أخوه الملقب بالداعي الصغير محمد العلوي الذي ملك طبرستان وديلم وخراسان (تراث كربلاء: سلمان بن هادي آل طعمة: 78) وفي سنة 273ه ‍ تهدمت بناية المنتصر ومات جمع كثير من الزائرين لازدحام الروضة بالزوار لأنه صادف سقوطه في يوم عرفه أو العيد من ذي الحجة وقيل إن الموفق كان وراء ذلك فقام على اثر ذلك الداعي الصغير محمد بن زيد أمير حرجان بزيارة الحائر وأمر بعمارة المرقد الشريف فانتهى من بنائه عام 280ه ‍ فوضع قبة شامخة على المرقد وبابين وبنى للمرقد إيوانين كما بنى سوراً حول الحائر ومنازل للزائرين والمجاورين (تراث كربلاء: سلمان بن هادي آل طعمة: 36 – 38).

وفي سنة 282ه ‍ أرسل محمد بن زيد مبلغ اثنين وثلاثين ألف دينار ذهبي لمساعدة العلويين والأشراف عبر واليه محمد بن ورد القطان بل وجعلها عليهم سنوية فاجتمعت الشيعة من جديد وبنت دوراً حول مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، ويذكر أن الداعي بالغ في فخامة البناء وحسن الزيارة ودقة الصنعة في عمارة الحائر (تاريخ كربلاء وحائر الحسين: عبد الجواد بن علي الكليدار: 169).