مسألة-في-الألم

مسألة في الألم

الألم : ما أدرك بمحل الحياة فيه ، وهو : جنس ، وغير جنس :

فالمدرك بمحل الحياة فيه – كالحادث عند الحي ، وفي رأس المصدع – جنس .

والمدرك بمحل الحياة في غيره – كالحرارة ، والبرودة ، والطعم – ليس بجنس غير هذه المدركات . وقلنا ذلك .

لأن الحي يجد من طريق الإدراك عند قطع بعض أعضائه ما لم يكن يجده ، ويفصل بين تألمه من ناحية ذلك العضو وبين غيره .

والادراك يتعلق بأخص صفات المدرك ، ولا يجوز تعلقه بتفريق البنية ، لأن الأكوان غير مدركة بمحل الحياة ولا غيره ، والميل والنفور غير مدركين ، ولأن حال كل منهما يحصل للحي ، وهو غير آلم ولا ملتذ ، فثبت وجود منى تعلق الإدراك به .

وليست هذه حاله عند إدراك الحرارة والطعم وغيرهما ، لأن الإدارك تعلق بجنس معلوم ، فلا حاجة بنا إلى إثبات غيره ، لما فيه من الجهالة .

وسمي هذا المعنى ألما إذا أدركه الحي وهو نافر ، ويسمى لذة إذا أدركه وهو مشته .

والشهوة والنفار معنيان مغايران للألم واللذة ، مختصان بالقديم تعالى .

والألم مقدور للمحدث ، ولا يصح منه إلا متولدا عن الوهي ، وتقع منه تعالى متولدا ومبتدأ ، كحصوله للمصدع والمنفرس .

وإذا ثبت أن الألم جنس الفعل بطل قول من زعم أنه قبيح لكونه ألما ، من حيث كان الشئ لم يقبح لجنسه ، لأن ذلك يقتضي اختصاص القبح بجنس معين ، أو يماثل سائر الأجناس ، لصحة الاشتراك في صفة القبح ، ويتعذر الجنس في شئ من أعيان الجنس ، وإنما يقبح لوقوعه على وجه ، ولهذا يقبح بعض الأكوان يحسن بعض .

والوجه الذي عليه بقبح الألم هو كونه ظلما بتعريه من نفع يوفى عليه ، ودفع ضرر هو أعظم منه ، واستحقاق ، وكونه مدافعة ، وكونه عبثا بتعريه من عوض مثله ، أو أنفع ( لا ) يحسن إيصاله إلى المؤلم من دونه ، أو لدفع ضرر يندفع بغيره ، أو كونه استفسادا بأن يكون داعيا إلى قبيح ، أو صارفا عن حسن .

والوجه الذي عليه يحسن هو أن يكون فيه نفع ، أو دفع ضرر أعظم ، أو عن استحقاق ، أو مدافعة .

وقلنا بقبحه لتلك الوجوه ، وحسنه لهذه .

لحصول العلم الضروري لكل عاقل بذلك من غير نظر ولا تأمل ، ويقوم الظن في جميع ذلك مقام العلم ، لعلمنا باتباع الحسن والقبح له .

والوجه الذي يصح منه تعالى الايلام أن يكون مستحقا أو لطفا ، وهذان الوجهان ثابتان فيما يفعله في الدنيا ، فأما ما يفعله تعالى في الآخرة فمختص بالاستحقاق ، لأن اللطف فيها غير متقدر .

وقلنا باختصاص إيلامه في الدنيا بالوجهين .

لأن الوجوه التي يقبح عليها الألم لا تصح منه تعالى ، لما بيناه من حكمته تعالى .

ولدفع الضرر قبيح منه وإن حسن منا على وجه ، لأن الإيلام لدفع الضرر لا يحسن إلا بحيث لا يندفع الأعظم إلا به .

يوضح ذلك : أن كسر يد الغريق لتخليصه لا يحسن مع غلبة الظن بخلاصه بمجرد الجذب ، ويحسن إذا غلب الظن أنه لا يتخلص إلا به ، والقديم تعالى قادر على دفع كل ضرر من غير إضرار ، فلا وجه له منه تعالى .

ولمجرد النفع لا يحسن ، لكونه عبثا ، لأن من استأجر غيره لنقل الرمل من جهة إلى أخرى لنفعه بالأجرة حسب يستحق الذم لكونه عبثا .

وإذا فعل سبحانه الألم لاعتبار المفعول في المؤلم أو غيره ، فلا بد من عوض ينغمر في جنبه ، ليخرج به عن كونه ظلا ، ولهذا حسن ما يقع منه سبحانه من إيلام ، ولم يحسن ما يقع منا عريا من النفع ودفع الضرر والاستحقاق والمدافعة ، وهو الظلم ، وإن كان في مقابلته عوض لا بد من إيصاله إلى المظلوم .

ولا فرق في حسن الألم للطف بين أن يكون اللطف مختصا به ، أو مع مساواة النفع له في ذلك ، لأنه بالعوض المستحق عليه قد لحق بالنفع وزاد عليه ، فحاله تعالى في التخيير بينهما بخلاف حالنا ، لأنا لا نقدر ولا نعلم من الأعواض ما يحسن له الألم ، ولذلك لم يحسن منا الاستصلاح به بحيث يقوم النفع مقامه .

والوجه في حسن إيلام الأطفال كونه لطفا للعقلاء ، وفي البهائم كونه كذلك ، وللانتفاع به في الدنيا ، فيخرج بذلك عن حد العبث ، وعليه عوض يخرجه عن كونه ظلما .

وقلنا ذلك .

لأن إضافته إلى الطبائع ، أو الكواكب ، أو الظلمة ، أو الشيطان ، أو القديم تعالى على وجه يقبح لا يصح على ما دللنا على فساده .

وكونه لذة معلوم ضرورة خلافه ، وكونه للاستحقاق يقتضي مصاحبة الذم له ، ومعلوم قبحه وتقدم تكليف قبل زمانه ، وذلك يقتضي حصول الذكر له .

ولأن القائلين بذلك يبنونه على قبح الايلام لغير الاستحقاق ، وقد بينا حصول العلم الضروري بحسنه ، للنفع ودفع الضرر والمدافعة .

ولأنه يوجب عليهم تقدم تكليف على تكليف إلى ما لا نهاية له ، أو الانتهاء إلى تكليف غير مستحق ، فيسقط معه مذهبهم ، ويقتضي كون التكليف عقابا ، وذلك محال .

وبهذا يسقط مذهب القائلين بالتناسخ ، ويسقطه أيضا قيام الدلالة على أن الحي هو الجملة دون بعضها أو غيرها ، واستحالة كون زيد قردا ، وإنما كان يصح ذلك لو كان الحي غير الجملة ، وقد أفسدناه ، وإن كانوا لا يهتدون إلى هذا الذي لا يتقدر تناسخ من دونه ، ولأنه يقتضي تكميل عقل المنسوخ ليعلم كونه معدولا فيه معدنا ، والمعلوم ضرورة خلاف ذلك ، ولأنه كان يجب ذم كل مؤلم لكونه عقابا وإن كان نبيا أو صديقا .

واعتذارهم في عدم الذكر بالموت لا يغني سببا ، لأن فقد العلم في مدته لا يمنع عند الإحياء وإكمال العقل من الذكر ، بل يجب كالنوم وحال العقلاء في البعث ، ولأن الموت غير متقدر على مذاهبهم ، وإنما هو انتقال الروح أو الحي ، فإن فهموا مذهب القائلين به من جملة إلى جملة فعلى هذا ما حاله في التنقل في الهياكل إلا كالتنقل في الأماكن ، فكما يجب العلم بحمل أحوال المنتقل عن بلد إلى أخر فكذلك يجب ما قلناه .

المصدر: تقريب المعارف للشيخ أبي صلاح الحلبي