مسألة-في-كونه-تعالى-قادراً-على-القبيح

مسألة في كونه تعالى قادراً على القبيح

وهو تعالى قادر على القبح من جنس الحسن ، وإنما يكون قبيحا لوقوعه على وجه ، وحسنا لوقوعه على وجه ، كقول القائل : زيد في الدار فإن كان متعلق الخبر بالمخبر عنه على ما هو به فهو حسن ، وإن كان متعلقه بخلاف ما هو به فهو قبيح ، فلو لم يكن تعالى قادرا على القبيح لم يكن قادرا على الحسن .

وأيضا فلا يخلو القبيح أن يكون جنسا أو وجها ، وكونه تعالى قادرا على جنس ووجوهه ، لقيام الدلالة على كونه قادرا لنفسه ، والقادر لنفسه يجب أن يكون قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا ، لأن كونه قادرا يصحح تعلقه بكل مقدور ، وما صح من صفة النفس وجب ، لأنه لو لم يجب لاستحال من حيث لا مقتضي لوجوب ما جاز في صفة النفس خارج عنها ، فلا يتقدر فرق بين الصحة والوجوب فيها .

ولأن كون القادر قادرا يصحح تعلقه بكل مقدور ، والمقتضي للحصر والتخصيص هو القدر المتعلقة بأجناس مخصوصة يستحيل تعلقها بغيرها ، وبما زاد على الجز الواحد من الجنس الواحد في المحل الواحد والوقت الواحد على ما بينته ، فيجب الحكم فيمن كان قادرا لا بقدرة بكونه قادرا على كل جنس وقدر ووجه ، فإذا ثبت كونه تعالى قادرا لنفسه ، وجب كونه قادرا على القبيح جنسا كان أو وجها .

ولأن خروج القبيح عن كونه مقدورا له سبحانه يخرجه عن كونه قادرا جملة ، لأنا نقدر عليه مع كوننا قادرين بقدر محدثه ، فالقبيح إن كان وجها لجنس فتعذره يقتضي تعذر الجنس ، وإن كان جنسا ضدا للحسن فتعذره يقتضي تعذر ضده ، فيجب الحكم في من لا يقدر عليه بكونه غير قادر ، وقد ثبت كونه قادرا ، فيجب أن يكون قادرا عليه .

ولأنا نقدر على القبيح ، وهو آكد حالا منا في كونه قادرا ، لصحة تعلقه بما لا يقدر عليه من الأجناس والمقادير في كل حال وعلى كل وجه .

وقول النظام : إنه لو كان سبحانه قادرا على القبيح لصح منه وقوعه ، فيقتضي ذلك خروجه تعالى عن كونه عالما أو غنيا ، أو انتقاض دلالة القبيح على ذلك .

يسقط بوجوب كونه قادرا على كل ما يصح كونه كذلك والقبيح من جملته ، وهذا كاف في سقوط الشبهة .

على أنا نستأنف كلاما في إسقاطها ، فنقول : إنا قد علمنا أنه لا يصح وقوع مقدور العالم الذي لا يجوز عليه العبث إلا لداع ، والداعي إلى فعل القبيح المعلوم هو الحاجة ، وهي مستحيلة فيه تعالى ، فلا يتوهم منه تعالى وقوعه على حال ، لعدم ما لا يصح وقوع المقدور المعلوم إلا معه ، كما ( لا ) يقع مع العجز عنه ، وإن اختلف جهتا التعذر ، ألا ترى أنا لا نتوهم وقوع فعل معين ممن أعلمنا الله سبحانه فيه أنه لا يختاره وإن كان قادرا عليه ، ولا فرق بين أن نعلم بخبره تعالى عن حال الغير أنه لا داعي له إلى فعل ما وبين أن نعلم بالدليل أنه لا داعي له إلى القبيح في وجوب القطع على تعذر وقوعه منه .

وإذا صح هذا وعلمنا أنه سبحانه لا داعي له إلى القبيح لكونه عالما بقبحه ، وبأنه غني عنه ، وجب القطع على ارتفاع المقدور على كل حال .

وأيضا فلو فرضنا وقوعه منه مع تعذره لاقتضى ذلك نقض دلالته على الجهل أو الحاجة ، من حيث قدرنا وقوعه من العالم الغني ، كما لو قيل لنا : لو ظهر المعجز على يد كذاب ما كانت يكون حال المعجز فإنما كانت دلالته على الصدق منتقضة .

ولا يلزم على هذا أن يقال لنا : فقولوا الآن بانتقاض دلالتهما .

لأن المفروض محال ، ورد الجواب يحسنه ، والحال الآن بخلاف ذلك ، فلا يجوز لنا الحكم بانتقاض دلالة القبيح ولا المعجز .

المصدر: تقريب المعارف للشیخ أبي صلاح الحلبي