مسألة في كونه تعالى قديماً

ويجب أن يكون تعالى قديما ، لأنه لو كان محدثا لتعذر عليه تعالى ما يتعذر على المحدث من الأجناس ، وفي اختصاصها به سبحانه دليل على قدمه .

وإسناد ذلك إلى كونه تعالى قادرا لنفسه يقتضي كونه قديما أيضا ، لاستحالة كون المحدث قادرا لنفسه ، لتماثل جنس المحدث القادر ، ووجوب اشتراك المتماثلين في صفة النفس ، وتعذر الحصر والاختصاص في مقدوراته تعالى ، وحصول العلم باختصاص المحدثين ببعض الأجناس ، وانحصار ما يقدرون عليه منها ، ووجود أكثر الجواهر الموجودة غير قادرة .

طريقة أخرى

لو كان فاعل الأجناس محدثا لاحتاج إلى محدث ، وذلك يقتضي وجود ما لا يتناهى ، أو إثبات قديم بغير دليل ، وكلا الأمرين محال .

وقلنا : إن تقدير حدوث فاعل العالم يمنع من إثبات قديم .

بدليل : أنه إذا جاز وجود سائر الأجناس من محدث جاز إسناد إحداثه إلى محدث ، إذ لا يكون المحدث إلا من أجناس المحدثات ، فيتعذر إثبات قديم تستند الحوادث إليه ، فيلزم ما قلناه من وجود ما لا نهاية له ، مع استحالته بدليل وجوب حصر ما وجد .

طريقة أخرى مختصة بالمعاني المذكورة

قد علمنا حدوث الحياة والقدرة والألوان والطعوم وسائر ما ذكرناه من الأجناس المخصوصة ، وأن لما محدثا قادرا عالما حيا موجودا :

لا يخلو أن يكون قادرا لنفسه ، أو بقدرة ، ولو كان قادرا بقدرة لتعذرت عليه سبحانه هذه الأجناس كتعذرها على الأجسام القادرة بقدرة أو . . . منه سبحانه ، فثبت أنه تعالى قادر لنفسه :

لا يخلو أن يكون قديما ، أو محدثا ، وكونه قديما يصحح ما قلناه ، وكونه محدثا يقتضي حاجته إلى محدث بعد محدث ، وقد بينا فساد ما يؤدي إليه ذلك .

ولو صح تقدير قديم تنتهي الحوادث إليه – مع استحالته – لم يقدح في طريقتنا ، لأن كونه فاعلا يقتضي كونه قادرا لنفسه أو بقدرة ، وكونه قادرا بقدرة يحيل تعلق إيجاد حي قادر عليه به ، كتعذر ذلك على كل قادر في الشاهد ، لكونه قادرا بقدرة ، وكونه قادرا لنفسه يقتضي مشاركة فاعل هذه الأجناس له في القدم ، لمشاركته له في صفة النفس .

فصح الاستدلال بهذه الأجناس على جملة المعارف من دون العلم بحدوث الأجسام .

ودل ذلك على حدوث الأجناس على الوجه الذي بيناه ، بضد ما ظنته المعتزلة : من تعذر الاستدلال على حدوثها بغير الأكوان ، وإثبات محدث من دون حدوث الأجسام ، المنافي لما تضمنه القرآن من الاستدلال بتجدد صفات الأجسام ، التي ذكرناها على إثباته تعالى وما يجب كونه عليه سبحانه ويجوز ويستحيل .

كقوله تعالى : ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شئ قدير ). ( 1 )

وأمثال هذه الآيات .

وقد علمنا أن الاستدلال منها بتجدد الجواهر لا يمكن ، لصحة تنقلها في الجهات ، وتجويز كل ناظر لذلك يمنع من القطع على وجودها في الحال بعد عدم .

ولأنه سبحانه كور الاستدلال بصفة متجددة للجواهر بعد صفة ، ولو كان الاستدلال بالجواهر لكان الاقتصار على التراب كافيا ، ولم يكن لتكرير الصفات معنى ، لأن جواهر الموصوف موجودة منذ أخبر سبحانه بالتراب .

ولأن تعليق الاستدلال بالجواهر لا يدل لو دل إلا بذكر التراب دون ما بعده ، لكون جواهر النطفة هي جواهر التراب ، وجواهر العلقة هي النطفة ، والمضغة هي العلقة ، والعظم هو المضغة .

فلم يبق لاستدلاله سبحانه بالآيات إلا التنبيه على تجدد الأجناس التي ذكرناها ، الحالة في الجواهر ، الدالة بتجددها على أن لها مجددا ، وبتعذرها على الأجسام على كونه سبحانه مخالفا لها ، وبكونها محدثة على أنها مربوبة له .

بخلاف ما ذهبت إليه المعتزلة من الفتيا القادحة في حجة القرآن وحكمة منزله ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا .

وإنما قلنا بتعذر جنس الجواهر – وما ذكرناه من أجناس الأعراض ومقاديرها ووجوهها الدالة على كون فاعلها عالما على الحي القادر من الأجسام – لتوفر دواعيه إليها ، وخلوصها من الصوارف في أكثر الأحوال ، وتعذر تحصيلها من غير مانع معقول ، وما تعذر لا لمانع فإنما تعذر للاستحالة ، إذ بها حصل الفرق بين المستحيل والجائز .

وإلا قد بينا أن الجسم لا يكون إلا قادرا بقدرة ، والقدر من حيث كانت قدرا يستحيل بها فعل شئ من هذه الأجناس لا مباشرة ولا متولدة ، بدليل استعمال محل القدرة والاعتماد في سائر الجهات ، ولا يحصل شئ من هذه الأجناس .

فالاختراع متعذر بجنس القدر ، بدليل افتقارها في التأثير إلى استعمال محلها على طريقة واحدة ، ولما يجده الحي من عظيم المشقة في مباشرة بعض الأفعال لمحل القدر ، ولو كان الاختراع مقدورا للقدر لم يكن لقادر إلى تحمل المشاق داع .

وليسر لأحد أن يقول : إن المانع من حصول هذه الأجناس من المحدث هو فقد علم ، أو آلة ، أو بنية ، أو قدرة لو فعلت للمحدث لتأتي بها ما تعذر .

لأن العلم والآلة والبنية إنما يحتاج إليها في وجه الفعل دون حدوث جنسه ، فلا يجوز أن يكون فقدها مؤثرا في تعذر الجنس والمقدور .

يوضح ذلك : صحة وقوع الأجناس المقدورة المفتقر حصولها على الوجوه إلى العلم والبنية والآلة من دونها ، ولأن العلم وأكثر الآلات مقدور به للجسم ، فلو كان التعذر مستندا إليها لصح من بعض الأجسام تحصيلها ، ولم يتعذر بهما إيجاد الجواهر والحياة وسائر الأجناس ، ويفعل له القديم سبحانه ما لا يقدر عليه من الآلات والبنى ، فيصح ذلك منه ، والمعلوم خلاف ذلك .

والقدر وإن اختلفت فمقدورها متفق ، بدليل تساوي أحوال القادرين بقدر فيها يصح من كل منهم ويتعذر عليه ، ولو صح اختلاف متعلقها لجاز وقوع قادرين على الأكوان دون الأصوات ، وعلى الإرادات دون الاعتقادات ” والمعلوم خلاف ذلك .

ولأن تقدير قدرة يصح بها ما يتعذر بهذه القدر ينقض أحكام سائر الأجناس ، وما يستند به كل جنس منها من الحكم الراجع إلى ذاته ، فيصح وجود كون يصح به الفعل ، وطعم يتعلق بالمعلومات ، وقدرة وعلم يوجبان للمحل حكم الطعم واللون ، وإن كان الموجود من هذه الأجناس بخلاف ذلك ، وهذا غاية في التجاهل .

ولأن ذلك يصحح وقوع الجواهر والحياة في أكثر الأجسام ، بأن يفعل لها قدر يصح بها . . . ، وهو محال .

ولأن القدر لو اختلف متعلقها لصح بالقدرة الواحدة حمل الحمل ، ولتعذر ببعضها ما يصح بالبعض ، فيكون بعض القادرين مختصا ببعض المقدورات ، وذلك بسط الفساد .

وبهذا نعلم تعذر إضافة ما عليه الأجسام من الصفات المخصوصة إليها ، لأن تعذر الأجناس منها يحيل تعلق وجوهها ومقاديرها التي لها اختلفت الأجسام ، لأنه لا يقدر على تحصيل الذات على وجه ، ويوجد من الجنس مقدارا دون مقدار من لا يقدر على ذواتها ، ونقلها من محل إلى محل مستحيل .

وليس لأحد أن يعترضنا لإدخال العلم الضروري في جملة الأجناس المتعذرة على المحدث ، مع كونه مقدور الجنس لكل محدث .

لأن العلم وإن كان مقدورا للمحدث ففعله في غيره مستحيل ، بدليل توفر الدواعي إلى تعلم من يهم تعليمه ، وتعذر ذلك لغير وجه معقول إلا الاستحالة ، ولأن العلم منا لا يقع إلا متولدا أو مستندا إلى توليد ، ولا سبب له إلا النظر ، والنظر من أفعال القلوب ، ولا جهة له ، وما لا جهة له لا تعدى به الأفعال .

وإذا تعذر فعل العلم في الغير على المحدث لم يجز إسناد العلوم الضرورية إلى غير العالم بها من المحدثين ، ولا إضافتها إليه ، لكونه مضطرا إلى معلومها وحصولها له ابتداء من قصد ، وإذا تعذرت إضافتها إلى العالم بها وغيره من المحدثين ، ثبت اختصاصها بالقديم سبحانه .

وكذلك القول في الألم المبتدأ تستحيل إضافتها إلى المحدث ، لأنه لا يقدر عليه إلا متولدا عن الوهي بغير شبهة ، فإذا علمنا وجود آلام مبتدأة غير متعلقة بنا علمنا أنها جارية مجرى العلوم الضرورية والحياة والأجناس المذكورة ، فدلت كدلالتها .

وإذا ثبت كونه سبحانه قديما لم يخل أن يكون قديما لنفسه ، أو لمعنى قديم ، أو محدث ، أو بالفاعل .

وكونه كذلك لمعنى محدث أو بالفاعل محال ، لتجدد مقتضى ذين الصفتين ، وحصول الوجود للقديم فيما لم يزل .

وإسناد ذلك إلى معنى قديم لا يصح ، لأن القول فيه ، ولم كان كذلك ؟ كالقول في فاعل العالم سبحانه ، فإما وجود ما لا نهاية له من المعاني القديمة ، أو الانتهاء إلى قديم لنفسه يجب معه كون القديم سبحانه كذلك من دون معنى قديم .

____________

( 1 ) الحج 22 : 5 – 6 .

المصدر: تقريب المعارف للشيخ أبي صلاح الحلبي