مسألة-في-كون-الرئاسة-واجبة-في-حكمته-تعالى

مسألة في كون الرئاسة واجبة في حكمته تعالى

الرئاسة واجبة في حكمته تعالى على كل مكلف يجوز منه إيثار القبيح ، لكونها لطفا في فعل الواجب والتقريب إليه وترك القبيح أو التبعيد منه ، بدليل عموم العلم للعقلاء بكون من هذه حاله عند وجود الرئيس المنبسط اليد الشديد التدبير القوي الرهبة إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ، وكونهم عند فقده أو ضعفه بخلاف ذلك .

وقد ثبت وجوب ماله هذه الصفة من الألطاف في حكمته تعالى ، فوجب لذلك نصب الرؤساء في كل زمان اشتمل على مكلفين غير معصومين .

والمخالف لنا في هذه لا يعدو خلافه أن يكون في الفرق بين وجود الرؤساء وعدمهم في باب الصلاح ، أو في صلاح الخلق برئيس ، أو في وقوع القبح عند وجودهم كفقدهم .

فإن خالف في الأول فيجب مناظرته ، لظهور هينه للعقلاء وعلمهم بكذبه على نفسه فيما يعلم ضرورة خلافه .

وإن خالف في الثاني لم يضر ، لأنا لا نقل إن صلاح الخلق نفع كل رئيس ، وإنما دللنا على كون الرئاسة لطفا في الجملة ، فصلاح العقلاء على رئيس دون رئيس لا يقدح ، على أنا سنبين أن الرئاسة المطلوب بها لا فساد فيها ، لعصمة من ثبتت له وتوفيقه .

وإن خالف على الوجه الثالث لم يقدح أيضا ، لأن الرئاسة لطف وليست ملجئة ، فلا يخرجها عن ذلك وقوع القبيح عندها كسائر الألطاف ، ولأن الواقع من القبيح عندها يسير من كثير ، ولولاها لوقع أضعافه بقضية العادة .

ولا فرق في وجوب الاستصلاح بما يرفع القبح جملة ، أو بعضه ، أو يبعد منه ، أو يؤثر وقوع كل واجب واحد ، أو يقرب إليه .

ولا يقدح في ذلك إيثار بعض العقلاء لرئيس دون رئيس ، واعتقاد الصلاح لفقد الرؤساء .

لأنا لا نستدل بفعلهم ، وإنما استدللنا بقضية العادة الجارية بعموم الصلاح بالرؤساء والفساد بفقدهم ، فحكمنا بوجوب ما له هذه الصفة في حكمته سبحانه وقبح الاخلال به مع ثبوت التكليف ، وليس في الدنيا عاقل عرف العادات ينازع فيما قضينا به من الفرق بين وجود الرؤساء المهيبين وعدمهم ، بل حال ضعفهم .

وفعل العقلاء أو بعضهم بخلاف ما يعلمونه لا يقدح في علمهم ، كما لا يقدح إيثارهم للقبائح وإخلالهم بالواجبات الضرورية في وجوب هذه وقبح تلك .

على أن دعواهم اعتقاد بعض العقلاء حصول الصلاح للخلق بعدم الرؤساء ، كاعتقاد بعضهم عدم الصلاح بوجودهم .

كذب على أنفسهم يشهد الوجود به ، لعلمنا بأنه ليس في الدنيا عاقل سليم الرأي من الهوى يؤثر عدم الرؤساء جملة ويعتقد عموم الصلاح به والفساد بوجودهم ، فالمعلوم من ذلك هو اعتقاد بعض العقلاء حصول الفساد برئاسة ما يختصه ضررها بحسد أو طمع أو خوف ضرر إلى غير ذلك ، دون نفي الرئاسة جملة ، كأهل الذعارة والمفسدين في الأرض الذين لا يتم لهم بلوغ ما يؤثرونه من أخذ الأموال والفساد في الأرض إلا بفقد الرؤساء المرهوبين ، فلذلك آثروا فقدهم واعتقدوا حصول الصلاح لهم بعدمهم ، ولا شبهة في قبح هذا الاعتقاد والإيثار .

وهم مع ذلك غير منكرين لحصول الصلاح بجنس الرئاسة ، ولهذا لا توجد فرقة منهم بغير رئيس مقدم يرجعون إلى سياسته ، كالخوارج وغيرهم من فرق الضلال الذاهبين إلى قبح كل رئاسة تخالف ما هم عليه من النحلة ، كاعتقاد الكفار والمنافقين ذلك في رئاسة الأنبياء والأئمة عليهم السلام .

وإنما كرهوا رئاستهم واعتقدوا حصول الفساد بها والصلاح بعدمها ، لاعتقادهم حصول المفسدة بها لكونها قبيحة ، ولم ينكر أحد منهم وجوب الرئاسة جملة ، ولهذا لم نر فرقة منهم إلا ولها رئيس مطاع .

وكمعتقدي حصول صلاحهم برئاسة ما وعدمه بوجود أخرى ، فهم يكرهون هذه ويؤثرون تلك ، ككراهية قريش ومن وافقها في الرأي رئاسة

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، لاعتقادهم فوت الأماني بثبوتها ، وإيثارهم رئاسة غيره ، لظنهم بلوغ الأغراض الدنيوية بها ، فهؤلاء أيضا لم ينكروا عموم الصلاح بالرئاسة في الجملة ، وإنما كرهوا رئاسته لصارف عنها ، وآثروا آخر لداع إليها .

وكمن حسد بعض الرؤساء وشنأه من العقلاء إنما يكره رئاسته حسدا وبغضا ، ولا يكره رئاسة من لا شنآن بينه وبينه ، كقريش ومن وافقها على حسد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وبغضه في الفضل على جميعهم وتقدمه في الإسلام على سائرهم وعظيم نكايته فيهم ، إنما كرهوا رئاسته لذلك ، ولم يكرهوا رئاسة من لا داعي لهم إلى حسده وعداوته .

وكمن يرى الرئاسة لأنفسهم ويرشحهم لها ، إنما يكرهون كل رئاسة مناكسة لهم ، ويعتقدون حصول الفساد بها فيما يخصهم ، لأن مقصودهم لا يتم إلا بذلك ، ككراهة المستخلفين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعهم من خلفاء بني أمية وبني العباس رئاسة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وذريته عليهم السلام ، لاعتقادهم حصول الفساد بها فيما يخصهم ، لأن مقصودهم من رئاسة الأنام لا يتم إلا بذلك .

ولم ينكر أحد منهم الرئاسة ، وكيف ينكرونها مع حصول العلم بمثابرتهم عليها ، ومنافستهم فيها ، واستحلالهم بعد استقرارها لهم ذم القادح فيها ، ومظاهرتهم بأن نظام الخلق وصلاح أمرهم لا يتم إلا بطاعتهم والانقياد لهم ، واستصلاحهم رعاياهم بالرؤساء ، واجتهادهم في تخير ذوي البصائر لسياسة البلاد ومن فيها بالتأمير على أهلها ، وكراهية رعية الظلمة من الرؤساء المسرفين في الفساد لرئاستهم لما فيها من الضرر دينا ودنيا ، واعتقادهم الصلاح بفقدها لذلك .

ولا يكره أحد من هؤلاء رئاسة ذوي العقل والإنصاف ، ولا يعتقد حصول الفساد بها ، بل يتمناها ، لعلمه بما فيها من الصلاح .

وعلى هذا يجري القول في كل طائفة من العقلاء كرهوا رئاسة رئيس ، إنما يكرهونها لأمر يخصهم نفعه وضرره ، فليتأمل يوجد ظاهرا ، وشبهة الخصم به مضمحلة ، ومن المقصود في إيجاب الرئاسة العامة أجنبية ، والمنة لله .

ولا يقدح في الاستصلاح بالرئيس ووجوب وجوده لذلك عقلا قولنا : إن العقاب لا يستحقه بعضنا على بعض .

لأن المقصود يصح من دون ذلك ، من حيث كان علم المكلف أو ظنه بأنه متى رام القبيح منعه منه الرئيس بالقهر صارفا له عنه ، بل ملجئا في كثير من المواضع ، ولأن العقاب وإن لم يستحقه بعضنا على بعض ، فالمدافعة حسنة بكل ما يغلب في الظن ارتفاع القبح به ، وإن ، تلفت معه نفس المدافع .

فإذا كان هذا ثابتا عقلا ، وعلم المكلف بكون الرئيس القوي منصوبا لمدافعة مريدي الظلم عن المظلوم ، صرفه ذلك عن إيثاره .

على أنا و ( أن ) منعنا من كون العقاب مستحقا بعضنا ونفينا استحقاق القديم له قطعا ، فإنا نجيز استحقاقه منه سبحانه على القبح عقلا ، وتقطع به سمعا ، وتجويز المكلف كون الرئيس الملطوف له به منصوصا له عقاب العاصي كاف في الزجر .

ولا يقدح فيما ذكرناه القول : بأن الصلاح الحاصل بالرؤساء دنيوي ، فلا يجب له نصبهم .

لأنا قد بينا تخصصه بالدين وإن اقترن به الدنيوي ، على أن وجودهم إذا أثر صلاح الدنيا – كالأمن فيها ، والتصرف في ضروب المعايش بمنع الرؤساء المفسدين ، وصرف من يتوهم منه الفساد عنه بالرهبة ، وارتفاع هذا الصلاح الدنيوي بعدمهم يقهر الظالمين وأخافهم ذوي السلامة – عاد الأمر إلى الصلاح الديني بوجودهم المؤثر ، لوقوع الحسن وارتفاع القبح ، وفساد الدين بعدمهم ، ولم ينفصل من الصلاح الدنيوي بغير إشكال .

ولا يقدح في ذلك دعوى الالجاء لخوف الرئيس إلى فعل الواجب وترك القبح على ما اعتمده المتأخرون من مخالفينا .

لأن ذلك يسقط ما لا يزالون يمنعون منه من تأثير الرئاسة في وقوع الواجب وارتفاع القبح ، من حيث كان الشئ لا يكون ملجئا إلا بعد كونه غاية في التأثير ، فكيف يجتمع القول بذلك مع نفي التأثير جملة لذي عقل سليم .

وبعد فالملجئ إلى الفعل والترك هو ما لا يبقى معه صارف عن الفعل ولا داع إلى الترك ، فيجب إذ ذاك وقوع هذا وارتفاع ذاك ، والرئاسة بخلاف ذلك ، لعلمنا ضرورة بتردد الدواعي إلى الواجب والقبيح والصوارف عنهما ، ووقوع كثير من القبيح ، وارتفاع كثير من الواجب عند وجود الرؤساء المهيبين ، واستحقاق فاعل القبح والمخل بالواجب الذم والاستخفاف ، واستحقاق مجتنب هذا وفاعل ذلك المدح ، وكل هذا ينافي الالجاء بغير شبهة .

ولا يمنع من عموم اللطف بالرئاسة تقدير وجود واحد منفرد لا يتقدر منه ظلم أحد ، لأن من هذه صفته إذا كان الظلم مأمونا منه صح منه العزم على فعله متى تمكن منه ، لأن العزم على القبح لا يفتقر إلى التمكن منه في الحال ، لصحة عزم كل من جاز منه القبح على ما يقع بعد أحوال متراخية على العزم .

وإذا صح هذا ، فعلم هذا المفرد أن من ورائه رئيس متى رام الظلم منعه منه بالقهر أو أنزل به ضررا مستحقا أو مدافعا به ، صرفه ذلك عن العزم عليه ، كما يصرف ظن كل عاقل عن العزم على قتل السلطان أنه متى رام ذلك منع منه ، ولا فرق والحال هذه بين كون الرئاسة لطفا في أفعال القلوب أو الجوارح .

وهذا التحرير يقتضي كون الرئاسة لطفا في الجميع ، لأن الصارف عن أفعال الجوارح صارف عن العزم عليها ، كما أن الداعي إليها داع إلى العزم ، والعزم على الشئ جز منه أو كالجزء في الحسن والقبح .

ولا قدح بعموم المعرفة للأزمان والتكاليف والمكلفين في اللطف ، وخصوص الغنى والفقر في تميز الرئاسة منهما فيما له كانت لطفا ، لأن قياس الألطاف بعضها على بعض لا يجوز ، لوقوف كونها ألطافا على ما يعلمه سبحانه ، وإثبات أعيانها وأحكامها بالأدلة .

فعموم المعرفة لعموم مقتضيها وأحكامها بالأدلة وخصوص الغنى والفقر لاختصاص موجبهما ، لا لكونهما لطفا في الجملة ، واختصاص الرئاسة بمن يجوز منه فعل القبيح في أفعال الجوارح وما يتعلق بها من أفعال القلوب ، وبكل زمان وجد فيه مكلفون بهذه الصفة بحسب ما اقتضته الأدلة فيها ، ولا يخرجها ذلك عن كونها لطفا لمخالفتها باقي الألطاف ، كما لم يخرج كل لطف خالف لطفا سواه في مقتضاه عن كونه كذلك .

اشتراط العصمة في الرئيس

وهذا اللطف لا يتم إلا بوجود رئيس أو رؤساء لا يد على أيديهم ترجع إليه أو إليهم الرئاسات ، ولا يكون كذلك إلا بكونه معصوما ، لأنا قد بينا وجوب استصلاح كل مكلف غير معصوم بالرئاسة ، فاقتضى ذلك وجوب رجوع الرئاسات إلى رئيس معصوم ، وإلا اقتضى وجود ما لا يتناها من الرؤساء ، أو الاخلال بالواجب في عدله تعالى ، وكلاها فاسد .

ولنا تحرير الدلالة على وجه آخر ، فنقول : العلم بوجوب الحاجة إلى رئيس لا ينفصل من العلم بوجه الحاجة ، لأنا إنما علمنا حاجة المكلفين إلى رئيس من حيث وجدناه لطفا في فعل الواجب واجتناب القبيح ، وهذا لا يتقدر إلا في من ليس بمعصوم ، فصار العلم بالوجوب لا ينفصل من العلم بوجهه .

وترتيب الأول أولى ، لبعده من الشبهة وإسقاطه الاعتراض بعصمة كل رئيس ، وافتقار هذا إلى استئناف كلام لإسقاط ذلك .

ما يتعلق بالرئيس

ولا بد من كون الرئيس أعلم الرعية بالسياسة ، لكونه رئيسا فيها ، وقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه .

ولا بد من كونه أفضلهم ظاهرا ، لهذا الوجه بعينه .

وأكثرهم ثوابا ، لوجوب تعظيمه عليهم وخضوعهم له ، والتعظيم قسط من الثواب واستحقاق ذمته منه ما لا يساويه فيه أحد من الرعية يقتضي كونه من أفضلهم بكثرة الثواب .

ولا سبيل إلى تميزه إلا بمعجز يظهر عليه ، أو نص يستند إلى معجز ، لما قدمناه من وجوب صفاته ، لمتعذر علمها على غير القديم تعالى .

ولا اعتراض بما لا يزالون يهذون به : من كون الاختيار طريقا إذا علم سبحانه اتفاق اختيار المعصوم .

لأن هذا أولا لا يتقدر من دون نص على اختيار الرئيس ، ونحن في أحكام عقلية فبل السمع ، وبعد فما له قبح تكليف اختيار الأنبياء عليهم السلام والشرائع وإن علم اتفاق إصابة المختارين للمصلحة يقتضي قبح تكليب اختيار الرئيس .

وأيضا فتكليف ما لا دليل عليه ولا إمارة تميزه بصفته قبل وقوعه قبيح ، وإذا فقد المكلف الأدلة والأمارات المميزة لذي الصفة المطلوبة بالاختيار قبح تكليفه ، ولم ينفعه علمه بعد وقوع الاختيار بصفة المختار .

على أن هذا المعلوم لا يخلو أن يختصه تعالى دونهم ، أو ينص لهم على أن اختيارهم يوافق المعصوم ، والأول لا يؤثر شيئا فيما قصدوه ، والثاني نص على عين المعصوم ، لأنه لا فرق بين أن ينص سبحانه على عينه أو على تميزه بفعل غيره .

ويصح هذا اللطف برئيس واحد في الزمان بهذه الصفة ، ويستصلح أهل الأصقاع بأمرائه الملطوف لهم ، ويجوز كونه بوجود عدة رؤساء بالصفات التي بيناها في وقت واحد .

ويجب ذلك في كل صقع في ابتداء الرئاسة ، وفي كل حال تعذر العلم بوجود الرئيس المخصوص فيها ومن قبله من الأمراء ، لأن تعذر العلم في ابتداء الرئاسة لطف فيه .

وإن كنا قد أمنا هذا التجويز والقطع في شريعتنا ، لحصول العلم بأن الرئيس واحد ، وأنه لا مكلف تكليفا عقليا ولا سمعيا خارج عن تكليف نبوة نبينا وإمامة الأئمة عليهم السلام وما جاء به من الشرعيات ، وأن التكليف من دون المعلم أو إمكانه قبيح ، فاقتضى ذلك رفع الجائز العقلي وما ابتنى عليه من الوجوب .

تقسيم الرئاسة إلى نبوة وإمامة

وهذه الرئاسة قد تكون نبوة ، وكل نبي رسول وإمام إذا كان رئيسا ، وقد تكون إمامة ليست بنبوة .

ومعنى قولنا : نبي ، يفيد الإخبار من أنبأ ينبئ ونبا بالتشديد ، من التعظيم ، مأخوذ من النبوة ، وهو : الموضع المرتفع .

وفي عرف الشرائع : المؤدي عن الله بغير واسطة من البشر ، وهذه الحقيقة الشرعية تتناول المعنيين المذكورين ، لأن المؤذي عن الله تعالى مخبر ومستحق في حال أدائه التعظيم والاجلال .

وأما رسول ، فمقتض لمرسل وقبول منه للارسال ، كوكيل ووصي .

وهو في عرف الشرائع مختص بمن أرسله الله تعالى مبينا لمصالح من أرسل إليه من مفاسده .

وفي عرف شريعتنا : مختص بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلوات الله عليه وآله ، لأنه لا يفهم من قول القائل : قال رسول الله صلى الله ( عليه وآله ) وروي عن الرسول ، غيره .

والإمام هو : المتقدم على رعيته المتبع فيما قال وفعل .

الغرض من بعثة النبي

والغرض في بعثة النبي – زائدا على الاستصلاح برئاسته إن كان رئيسا عقليا من الوجه الذي ذكرناه – بيان مصالح المرسل إليهم من مفاسدهم التي لا يعلمها غير مكلفهم سبحانه ، وهو الوجه في حسن البعثة ، لكون اللطف غير مختص بجنس من جنس ، ولا بوجه من وجه ، ولا وقت من وقت ، وإنما يعلم ذلك عالم المصالح .

وقد بينا وجوب فعل ما يعلمه لطفا من فعله سبحانه ، وبيان ما يعلمه كذلك من أفعال المكلف ، فيجب متى علم أن من جنس أفعاله ما يدعوه إلى الواجب ويصرفه عن القبيح ، أو يجتمع له الوصفان ، أو يكون مقربا أو مبعدا ، أن يبين ذلك للملطوف له بالإيحاء إلى من يعلم من حاله تحمله بأعباء البلاغ ، وكونه بصفة من تسكن الأنفس إليه ، وإقامة البرهان على صدقه متى علم تخصص المصلحة ببيانه عليه السلام دون فعله تعالى العلم بذلك في قلبه ، أو خطابه على وجه لا ريب فيه ، أو ببعض ملائكته ، أو كونه نائبا في بيان المصلحة مناب ما تصح النيابة فيه .

صفات الرسول

والصفات التي يجب كون الرسول عليه السلام عليها ، هي أن يكون معصوما فيما يؤدي ، لأن تجويز الخطأ عليه في الأداء يمنع من الثقة به ، ويسقط فرض اتباعه ، وذلك ينقض جملة الغرض بإرساله ، وأن يكون معصوما من القبائح لكونه رئيسا وملطوفا برئاسته لغيره حسب ما دللنا عليه ، ولأن تجويز القبيح عليه ينفر عن النظر في معجزه ، ولأنه قدوة فيما قال وفعل ، وتجويز القبيح عليه يقتضي إيجاب القبيح ، ولأن تعظيمه واجب على الإطلاق والاستخفاف به فسق على مذاهب من خالفنا وكفر عندنا ، ووقوع القبيح منه يوجب الاستخفاف ، فيقتضي ذلك وجوب البراءة منه مع وجوب الموالاة له .

المعجز وشرطه

والطريق إلى تميزه المعجز أو النص المستند إليه ، لاختصاصه من الصفات بما لا يعلمه إلا مرسله تعالى .

ويفتقر المعجز إلى شروط ثلاثة :

منها : أن يكون خارقا للعادة ، من فعله تعالى ، مطابقا لدعواه .

واعتبرنا فيه خرق العادة ، لأن دعوى التصديق بالمعتاد لا تقف على مدع من مدع ، ولا تميز صادقا من كاذب وإن كان من فعله تعالى ، كطلوع الشمس من المشرق ومجئ المطر في الشتاء والحر في الصيف ، وطريق العلم بذلك اعتبار العادات وما يحدث فيها ، وخروج الفعل الظاهر على يد المدعي عن ذلك .

واعتبرنا كونه من فعله تعالى ، لجواز القبيح على كل محدث ، وجوازه يمنع من القطع على صدق المدعي وكون ما أتى به مصلحة ، وطريق العلم بذلك أن يختص خرق العادة بمقدوراته تعالى ، كإيجاد الجواهر وفعل الحياة ، أو يقع الجنس من مقدورات العباد على وجه لا تمكن إضافته إلى غيره ، كرجوع الشمس وانشقاق القمر وأمثال ذلك .

واعتبرنا كونه مطابقا للدعوى ، لأنه متى لم يكن خرق العادة متعلقا بدعوى مخصوصة لم يكن أحد أولى به من أحد .

فإذا تكاملت هذه الشروط ، فلا بد من كونه دلالة على صدق المدعى ، لكون هذا التصديق نائبا مناب لو قال تعالى : صدق هذا فيما يؤذيه عني ، كما لا فرق في كون الملك الحكيم مصدقا لمدعي إرساله له بين أن يقول : صدق علي ، أو يفعل ما ادعى كونه مصدقا له به مما لم تجر عادة الملك بفعله .

فإن كان ما ذكرناه مشاهدا ، ففرض المشاهد له النظر فيه ، لكونه خائفا من فوت مصالح وتعلق مفاسد ، وإن كان نائيا عن حدوث المعجز أو موجودا بعد تقضيه ، فلا بد مع تكليف ما أتى به النبي عليه السلام من نصب دلالة على صدقه وصحة ما أتى به ، لقبح التكليف من دونهما .

وذلك يكون بأحد شيئين : إما قول من يعلم صدقه وإن كان واحدا ، أو تواتر نقل لا يتقدر في ناقليه الكذب بتواطئ وافتعال ، أو إنفاق لبلوغهم حدا في الكثرة وتنائي الديار والأغراض ، أو وقوع نقلهم على صفة يعلم الناظر فيها تعذر الكذب في مخبرهم من أحد الوجوه بقضية العادة وإن قلوا ، وإن كانت هذه الطبقة تنقل عن غيرها وجب ثبوت هذه الصفات في من ينقل عنه ، ثم كذا حتى يتصل النقل بجماعة شاهدت المعجز لا يجوز على مثلها الكذب .

وذلك لا يتم إلا بتعين الأزمنة للناظر في النقل وتميز الناقلين ذوي الصفة المخصوصة في كل زمان ، لأن الجهل بأعيان الأزمنة يقتضي الجهل بأهلها ، وتعين الأزمنة مع الجهل بأعيان الناقلين الموصوفين يقتضي تجويز انقطاع النقل وتجويز افتعاله واستناده إلى معتقدين دون الناقلين .

فمتى اختل شرط مما ذكرناه ارتفع الأمان من كذب الخبر المنقول ، ومتى تكاملت الشروط حصلت الثقة بالمنقول .

وهذه الصفات متكاملة في نبينا صلوات الله عليه ، ومن عداه من الأنبياء عليهم السلام ، فطريق العلم بنبوتهم إخباره عليه السلام ، لكونهم غير مشاهدين ، ولا تواتر بمعجز أحد منهم ، لافتقار التواتر إلى الشروط المعلوم ضرورة تعذرها في نقل من عدا المسلمين .

وإذا وجب ذلك اقتضى القطع على نبوة من أخبر بنبوته من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء على التفصيل والجملة ، وكونهم بالصفات التي دللنا على كون النبي عليها ، وتأول كل ظاهر سمعي خالفها بقريب أو بعيد ، لوقوف صحته على أحكام العقول وفساد تضمنه ما يناقضها ، إذ كان تجويز انتقاضها به يخرجها من كونها دلالة على فساد سمع أو غيره ، وهذا ظاهر الفساد .

طريق العلم بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم

وطريق العلم بنبوته عليه السلام من وجهين :

أحدهما : القرآن .

والثاني : ما عداه من الآيات ، كانشقاق القمر ، ورجوع الشمس ، ونبوع الماء من بين أصابعه ، وإشباع الخلق الكثير باليسير من الطعام ، وغير ذلك .

والقرآن يدل على نبوته عليه السلام من وجوه :

أحدها : حصول العلم باختصاصه به عليه السلام ، وتحديه الفصحاء به ، وتقريعهم بالعجز عن معارضته ، كما يعلم ظهوره عليه السلام ودعواه النبوة ، وقد تضمن آيات التحدي بقوله : ( فأتوا بعشر سور ) ( 1 ) ، ( فأتوا بسورة من مثله ) ( 2 ) ، ثم قطع على مغيبهم فقال سبحانه : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) ( 3 ) ومعلوم توفر دواعيهم إلى معارضته ، وخلوصها من الصوارف وارتفاعها .

فلا يخلو أن تكون جهة الإعجاز تعذر جنس الكلام ، أو مجرد الفصاحة والنظم ، أو مجموعهما ، أو سلب العلوم التي معها تتأتى المعارضة .

والأول ظاهر الفساد ، لكون كل محدث سليم الآلة قادرا على جنس الكلام ، ومن جملته القرآن ، ولهذا يصح النطق بمثله من كل ناطق .

والثاني يقتضي حصول الفرق بين قصير سورة وفصيح الكلام على وجه لا لبس فيه على أحد أنس بموضع الفصاحة ، لكون كل سورة منه معجزا وما عداه معتادا ، كالفرق بين انقلاب العصا حية وتحريكها ، وفلق البحر والخوض فيه ، وظفر البحر وجدوله.

وفي علمنا بخلاف ذلك وأنا على مقدار بصيرتنا بالفصاحة نفرن بين شعر النابغة وزهير وشعر المتنبي فرقا لا لبس فيه ، مع كونهما معتادين ، ولا يحصل لنا مثل هذا بين قصير سورة وفصيح كلام العرب ، مع وجوب تضاعف ظهور الفرق بينهما ، لكون أحدهما معجزا والآخر معتادا ، دليل على أنه لم يخرق العادة بفصاحته .

ولا يجوز كون النظم معجزا ، لأنه لا تفاوت فيه ، ولهذا نجد من أنس بنظم شئ من الشعر قدر على جميع الأوزان بركيك الكلام أو جيده ، وإنما يقع التفاوت بالفصاحة .

ولا يجوز أن يكون الإعجاز بمجموعهما من وجهين :

أحدهما : أنا قد بينا تعلق الفصاحة والنظم بمقدور العباد منفردين ، وذلك يقتضي صحة الجمع بينهما ، لأن القادر على إيجاد الجنس على وجهين منفردين يجب أن يكون قادرا على إيجاده عليهما مجتمعين ، إذ كان الجمع بينهما صحيحا ، لولا هذه لخرج عن كونه قادرا عليهما .

الثاني : أنه لو كان نظم الفصاحة المخصوصة يحتاج إلى علم زائد ، لكان علمنا بأن العرب الفصحاء قد نظموا ما قارب القرآن في الفصاحة تسعرا وسجعا وخطبا دليلا واضحا على كونهم قادرين على نظم فصاحتهم في مثل أسلوب القرآن ، لأنا قد بينا أن القدرة على نظم واحد تقتضي القدرة على كل نظم .

وإذا بطلت سائر الوجوه ثبت أن جهة الإعجاز كونهم مصروفين ، وجرى ذلك مجرى من ادعى الإرسال إلى جماعة قادرين على الكلام والتصرف في الجهات ، وجعل الدلالة على صدقه تعذر النطق بكلام مخصوص وسلوك طريق مخصوص ، في أن تعذر ذين الأمرين مع كونهم قادرين عليهما قبل التحدي وبعد تقضي وقته من أوضح برهان على كونه معجزا ، لاختصاصه بمقدوره تعالى وتكامل الشروط فيه .

إن قيل : بينوا جهة الصرف وحاله ، وعن أي شئ حصل ؟

قيل : معنى الصرف هو : نفي العلوم بأضدادها ، أو قطع إيجادها في حال تعاطي المعارضة التي لولا انتفاؤها لصحت منهم المعارضة ، وهذا الضرب مختص بالفصاحة والنظم معا ، لأن التحدي واقع بهما ، وعن الجمع بينهما كان الصرف .

وأيضا فلو لا ذلك لكان القرآن معارضا ، لأنا قد بينا عدم الفرق المقتضي للاعجاز بينه وبين فصيح كلامهم ، وكون النظم والفصاحة والجمع بينهما مقدورا ،

ولأنه عليه السلام جرى في التحدي على عادتهم ، ومعلوم أن معارض المتحدي بالوزن المخصوص لا يكون معارضا حتى تماثل في الفصاحة والوزن والقافية ، وإنما وجب هذا لتعلق التحدي بالرتبة في الفصاحة والطريقة في النظم .

ولا يملان أحدا دعوى معارضة للقرآن .

لأنه عليه السلام لو عورض مع ظهور كلمة المعارض وضعفه عليه السلام لكانت المعارضة أظهر من القرآن ، وما وجب كونه كذلك لا يجوز إستاره فيما بعد على مجرى العادات .

ولأنه لو عورض لكانت المعارضة هي الحجة والقرآن هو الشبهة ، وذلك يقتضي ظهورها ، ليكون للمكلف طريق إلى النظر يفرق ما بين الحق والباطل .

وليس لأحد أن يقول : إنما لم يعارضوا لأنهم ظنوا أن الحرب أحسم .

لأن الحرب لم تكن إلا بعد مضي الزمان الطويل الذي تصح في بعضه المعارضة بلا  مشقة ولا خطر وفيها الحجة ، والحرب خطر بالأنفس والأموال ولا حجة فيها ، والعاقل لا يعدل عن الحجة مع سهولتها إلى ما لا حجة فيه مع كونه خطرا إلا للعجز عن الحجة ، ولهذا لو رأينا متحديا ذوي صناعة بشئ منها ومفاخرا لهم به ، ومدعيا التقدم عليه فيها ، ثم تحداهم به فعدلوا عن معارضته إلى شتمه وضربه ، لم تدخل علينا شبهة في عجزهم عما تحداهم ، ولا ريب في عنادهم ، وهذه حال القوم المتحدين بالقرآن بلا قبح .

وببعض هذا تسقط شبهة من يقول : إنه عليه السلام شغلهم بالحرب عن معارضته ، لأن الحرب لا تكن إلا بعد مضي أزمنة يصح في بعضها وقوع المقدور الذي صارف عنه مع خلوص الدواعي إليه ، ولأن الحرب لا تمنع من الكلام ، ولهذا اقترنت بالنظم والنثر ولم تنقص رتبة ما قالوه من ذلك في زمنها في الفصاحة عما قالوه في غيرها ، على أن الحرب لم تستمر ، وإنما كانت أحيانا نادرة في مدة البعثة ومختصة في حالها بقوم من الفصحاء دون آخرين .

ومن وجوه إعجاز القرآن : قوله تعالى : ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا )(4)، فقطع على عدم له ، فكان كما أخبر ، وهذا يقتضي اختصاص هذا الإخبار بالقديم تعالى المختص بعلم الكائنات القادر على منعهم من التمني بالقول ، ويجري ذلك مجرى لو قال لهم : الدلالة على صدقي أنه لا يستطيع أحد منكم أن ينطق بكذا ، مع كونهم قادرين على الكلام ، في ارتفاع اللبس أن تعذره يقتضي كون ذلك معجزا .

ومنها : ما تضمنه من أخبار الأمم السالفة وقصص الرسل ، مع حصول نشوئه عليه السلام بعيدا عن مخالطة أهل الكتب والكتابة أميا فيها ، نائيا عن سماع أخبار الأنبياء .

ومنها : ما تضمنه من الإخبار عن بواطن أهل النفاق وإظهارهم خلاف ما يبطنون ، والعلم في النفوس موقوف عليه تعالى ، فيجب كونه دلالة على نبوته .

ومنها : ما تضمنه من الإخبار عن الكائنات ، ومطابقة الخبر المخبر في قوله تعالى : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر )(5)، و ( لتدخلن المسجد الحرام )(6) ( ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) (7)، وقوله تعالى : ( لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ) (8)، وقوله : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض )(9) الآية ، وقوله : ( إذا جاء نصر الله والفتح )(10).

وأمثال ذلك من الآيات والأخبار بما يكون مستقبلا ، ووقوع ذلك أجمع مطابقا للخبر ، مع علمنا بوقوف ذلك عليه تعالى .

وهذه الأخبار إنما تدل على صدق المخبر بعد وقوع المخبر عنه ، ولا يجوز أن يجعلها دلالة على افتتاح الدعوة ، لتأخر ( ها ) عنها .

وأما دلالة الآيات الخارجة من القرآن الدالة على نبوته عليه السلام ، فتفتقر إلى شيئين :

أحدهما : إثبات كونها .

الثاني : كونها معجزات .

والدلالة على الأول : أنا نعلم وكل مخالط لأهل الإسلام تعين الناقلين من فرق المسلمين وانقسامهم إلى شيعة وغيرهم ، وبلوغ كل طبقة في كل زمان حدا لا يجوز معه الكذب ، وإخبار من بينا من الفريقين عن أمثالهم ، وأمثالهم عن أمثالهم ، حتى يتصلوا بمن هذه صفته من معاصري النبي عليه السلام .

وأنه انشق له القمر ، وردت الشمس ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وأشبع الجماعة بقوت واحد ، مع حصول العلم بتميز أزمانهم ووجود من هذه صفته في كل زمان ، ( و ) ذلك يقتضي صدقهم ، لأن الكذب لا يتقدر فيمن بلغ مبلغهم إلا بأمور :

إما باتفاق من كل واحد ، أو بتواطؤ ، أو بافتعال من نفر يسير وانتشاره فيما بعد .

والأول ظاهر الفساد ، لأن العادة لم تجر بأن ينظم شاعر بيتا فيتفق نظم مثله لكل شاعر في بلده فضلا من شعراء أهل الأرض .

والثاني يحيله تنائي ديارهم واختلاف أغراضهم وعدم معرفة بعضهم لبعض ، ولو جاز لوقع العلم به ضرورة ، لأنه لا يكون إلا باجتماع في مكان واحد أو بتكاتب وتراسل ، وكل منهما لو وقع من الجماعات المتباعدة الديار لحصل العلم به لكل عاقل .

وافتعاله ابتداء بنفر يسير وانتشاره فيما بعد يسقط من وجهين :

أحدها : تضمن نقل من ذكرناه صفة الناقلين واتصالهم بالنبي لصفتهم المتعذر معها الافتعال في المنقول ، فما منع من كذبهم في النقل للخبر يمنع منه في صفة الناقلين .

والثاني : أن النقل لهذه المعجزات لو كان مفتعلا من نفر يسير ثم انتشر لوجب أن نميزهم بأعيانهم ، ونعلم الزمان الذي افتعلوه فيه ، حسب ما جرت به العادات في كل مفتعل مذهبا : كملكا ويعقوب ونشطور ومنتحلي الإنجيل كمتا ولوقاوينا، وكمنشئي القول بالمنزلة بين المنزلتين من واصل وعمرو بن عبيد ، وما أفتاه جهم بن صفوان ، وما ابتدعه أبو الحسن الأشعري ، وما اخترعه ابن كرام ، وتميز الأوقات بذلك وتعين المحدث فيها .

وإذا وجبت هذه القضية في كل مفتعل ، وفقدنا العلم والظن بمفتعل هذه الآيات وزمان افتعالها ، بطل كونها مفتعلة ، وإذا تعذرت الوجوه التي معها يكون الخبر كذبا في مخبر الناقلين لأيام النبي ، ثبت صدقهم .

وأما الدلالة على الثاني فهو : أن كل متأمل يعلم تعذر رد الشمس وانشقاق القمر على كل محدث ، وأما نبوع الماء من بين الأصابع فمختص بإيجاد الجواهر وما فيها من الرطوبات التي لا يتعلق بمقدور محدث ، وكذلك القول في إشباع الخلق الكثير بيسير الطعام وهو لا محالة مستند إلى ما لا يقدر عليه غيره تعالى ، لرجوعه إلى إيجاد الجواهر المماثلة للمأكول ، مع علمنا بتعذرها على المحدثين .

ولا يقدح في نقل هذه الآيات اختصاصه بالدائنين به ، لأن المعتبر في صدق الناقل وصحة المنقول ثبوت الصفة التي معها يتعذر الكذب وإن كان الناقل فاسقا ، وقد دللنا على ثبوتها لناقلي المعجزات ، فيجب القطع على صدقهم وسقوط السؤال .

على أن النقل مفتقر إلى داع خالص من الصوارف ، ولا داعي لمخالف الإسلام الراكن إلى التقليد العاشق لمذهب سلفه لنقل ما هو حجة عليه مفسد لنحلته ، بل الصوارف عنه خالصة من الدواعي ، فلذلك لم ينقل مشاهدو المعجزات من مخالفي الله لما شاهدوه ونشأ خلفهم عن سلف لم ينقلوها إليهم ، فانقطع نقلها منهم ، ولا يقيم هذا عذرهم لثبوت الحجة بنقلها ممن بيناه ، مع كونهم مخوفين من العذاب الدائم بجحدها .

ويقلب هذا السؤال على مثبتي النبوات من مخالفي الإسلام ، بأن يقال :

لو كانت المعجزات اللاتي يدعون ظهورها على إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ثابتة لنقلها كل مخالف ، فمهما انفصلوا به كان انفصالا منهم .

وإذا ثبتت بنبوة نبينا عليه السلام وجب اتباعه والعمل بما جاء به على الوجه الذي شرعه ، والحكم بفساد كل ما خالفه من النحل ، وضلال مخالفه والقطع على كفره ، لكون ذلك معلوما من دينه عليه السلام .

في النسخ

ولا يقدح في ثبوت النبوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يقوله بعض اليهود : من أن النسخ يؤدي إلى البداء .

لأن الفعل لا يكون بداء إلا أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه ، وأن يكون المكلف واحدا ، والوقت واحدا ، والوجه واحدا ، لأنه لا وجه للنهي عن المأمور به مع تكامل الشرائط المذكورة إلا أن الآمر ظهر له ما كان مستترا ، وهذا مستحيل فيه تعالى ، لكونه عالما لنفسه ، ومتى اختل شرط واحد لم يكن بداء بغير شبهة ، بل تكليف حسن .

وما أتى به نبينا عليه السلام ليس ببداء ، لأن المنهي عنه به عليه السلام غير المأمور به موسى ، والمكلف غير المكلف ، والوقت غير الوقت ، والوجه والصفة غير الوجه والصفة ، وإنما هو تكليف اقتضت المصلحة بيانه .

وقد بينا أن الوجه في البعثة بيان المصالح من المفاسد ، وما هو كذلك موقوف على ما يعلمه سبحانه ، فمتى علم اختصاص المصلحة بفعل أو ترك مدة ، وكون ذلك بعد انقضائها مفسدة أو لا مصلحة فيه ، فلا بد من اختصاص المصلحة بفعل أو ترك مدة ، وكون ذلك بعد انقضائها مفسدة أو لا مصلحة فيه ، فلا بد من إسقاطه ، وإلا كان نبوته مفسدة أو ظلما لا يجوزان عليه سبحانه .

ولذلك متى علم سبحانه في عمل معين كونه مصلحة لمكلف ومفسدة لآخر وجب أمر أحدها به ونهي الآخر عنه ، وإن علم في فعل معين كونه مصلحة لمكلف وفي فعل آخر مفسدة له فلا بد من أمره بأحدهما ونهيه عن الآخر ، وإن علم أن الفعل في وقت مصلحة وفي آخر مفسدة فلا بد من أمره به في وقت المصلحة ونهيه عن مثله في وقت المفسدة ، وإن علم أن إيقاع الفعل على وجه يكون مصلحة وعلى آخر يكون مفسدة فلا بد من الأمر بإيقاعه على وجه المصلحة والنهي عن وجه المفسدة .

الدلالة على حسن التكليف مع هذه الوجوه قبح ذم من كلف مع تكاملها أو بعضها ، ولأن تجويز قبح التكليف والحال هذه ينقض النبوات ، لأنه لا وجه لها إلا ما ذكرناه ، ولا انفصال من الملحدة والبراهمة فيما يقدحون به – من اختصاص الامساك بالسبت دون الأحد ، ووجوب العبادة في وقت معين وقبحها في غيره ، وتحليل مثل المحرم في وقتي الصوم والافطار وفي تحريمه مثل المحلل على كل حال ، كالشحم والمختلط باللحم والمتميز منه ، ووجوب السبت على من بعث إليه موسى دون غيره ممن تقدم أو عامر أو تأخر – إلا بإسناد ذلك إلى المصلحة الموقوفة على ما يعلمه سبحانه .

وإذا تقرر هذا ، وكان ما أتى به نبينا عليه السلام من الشرائع مغايرا لأعيان ما كلفوه ، وفي غير وقته ، وعلى غير وجهه ، وبغير مكلفيه حسب ما بيناه ثبت حسنه ووجوبه ، لكونه مصلحة معلومة بصدق المبين .

أما إن قيل : بينوا لنا ما النسخ لنعلم تميزه من البداء ؟

قيل : هو كل دليل رفع ، مثل الحكم الشرعي الثابت بالنص بدليل لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه .

وقلنا : رفع مثله .

لأن رفع عين المأمور به بداء .

وقلنا : شرعي .

لأنه لا مدخل للنسخ في العقليات .

وقلنا : ثابتا .

لأنه لا يرفع ما لم يجب مثله .

وقلنا : بدليل .

لأن سقوط التكليف بعجز أو منع أو فقد آلة أو غير ذلك من الموانع لا يكون نسخا .

وقلنا : مع تراخيه عنه .

لأن المقارن لا يكون نسخا ، لو قال تعالى : صل مدة سنة كل يوم ركعتين ، لم يكن سقوط هذا التكليف بانقضاء الحول نسخا .

ومتى تكاملت هذه الشروط كان نسخا ، والمرفوع منسوخا ، والرافع ناسخا .

وتأمل كل ناسخ ومنسوخ في شرعنا يوضح عن تكامل هذه الشروط فيه .

وامتناعهم من النظر في دعوتنا وتحرزهم من تخويفنا – بدعواهم أن موسى عليه السلام أمرهم بإمساك السبت أبدا وتكذيب من نسخه – إخلال بواجب التحرز ، واعتصام بغير حجة ، لأنه لا طريق لهم إلى العلم بصحة هذا الخبر ، بل لا طريق لهم إلى إثباته واحدا ، وإنما يخبرون عن اعتقادات متوارثة عن تقليد ، لافتقار ثبوت النقل المتواتر وما ورد من طريق الآحاد إلى العلم بأعيان الأزمنة وتعيين الناقلين في كل زمان ، لأن الجهل بالزمان يقتضي الجهل بمن فيه وتعذر العلم به ، وفقد العلم بثبوت الناقلين فيه يمنع من العلم بالتواتر والآحاد بغير إشكال .

وهذان الأمران متعذران على اليهود ، لأنه لا يمكن أحدا منهم دعوى حصول النص بأعيان الأزمنة متصلة بوجود اليهود فيها إلى زمن موسى ، وإن ادعاه طولب بالحجة ، ولن يجدها بضرورة ولا دلالة ، والأزمان المعلوم وجود اليهود فيها لا سبيل لمم إلى إثبات ناقلين من جملتهم آحاد فضلا عن متواترين .

وإذا تعذر الأمران لم يبق لاعتقادهم صحة هذا الإخبار إلا التقليد الذي لا يؤمن مخوفا ولا يقتضي تحرزا .

ولأن وجوب التحرز من تخويفنا ضروري ، والعلم بما تخوف منه ممكن لكل ناظر في الأدلة ، وما يدعى على موسى إذا لم يكن إثباته على ما أوضحناه قبح التكليف معه ، وهو سبحانه لا يكلف على وجه يقبح ، فيجب لذلك القطع على سقوط تكليف شرعهم وفرض التمسك به بخبر غير ثابت بعلم ولا ظن ، مع الخوف العظيم من المتمسك به .

على أن الخبر المذكور من جنس الأقوال المحتملة للاشتراط والتخصيص والتقييد والتجوز بغير إشكال ، والمعجز بخلاف ذلك ، فلو فرضنا صحته لوجب تخصصه أو اشتراطه أو تقييده أو نقله عن حقيقة إلى المجاز لثبوت النسخ لشرعهم بالمعجز الذي لا يحتمل التأويل ، إذ لا فرق بين تخصيص القول أو اشتراطه أو نقله عن أصله بالدليل الأصلي واللفظ والعقلي ، بل العقلي آكد ، وإذا جاز نقل الألفاظ عن موضعها بمثلها ، فبالأدلة العقلية أجوز .

على أن موسى عليه السلام إن كان قال هذا لم يخل من أحد وجهين :

إما أن يريد الامتناع بالنسخ وتكذيب من أتى به وإن كان صادقا بالمعجز .

أو يريد ذلك مع فقد علم التصديق .

وإرادة الأول لا يجوز لكونه قادحا في نبوته ، بل في جميع النبوات ، لوقوف صحتها على ظهور العلم بالمعجز وفساد كونه دالا في موضع دون موضع .

فلم يبق إلا أنه عليه السلام إن كان قال ذلك فعلى الوجه الثاني الذي لا ينفعهم ولا يضرنا .

وليس لمم أن يتعذروا مما لزمناهم : بفقد دليل على نبوة من ادعى نسخ شرعهم .

لأن فقد ذلك ليس بمعلوم ضرورة ، فيجب عليهم أن يجتنبوا السكون إلى ما هم عليه حتى ينظروا فيما يدعوا إليه وبخوفوا منه ، ومتى فعلوا الواجب عليهم علموا صحة نبوة نبينا عليه السلام وفساد ما يدينون به ، لأنا قد دللنا بثبوت الأدلة الواضحة على نبؤته عليه السلام ، وإلا يفعلوا يؤتون في فقد العلم بالحق من قبل أنفسهم وبسوء اختيارهم والحجة لازمة لهم .

ثم يقال لهم : دلوا على نبؤة من تزعمون أنكم على شرعه .

فإن فزعوا إلى ترتيب العبارة عن الاستدلال بالتواتر بمعجزات موسى عليه السلام ، طولبوا بإثبات صفات التواتر ، فإنهم لا يجدون سبيلا إليها حسب ما أوضحناه ، وإذا تعذر ذلك سقط دعواهم ولزمتهم الحجة .

ثم يسلم لهم دعوى التواتر وتقابلوا بالنصارى ، فلا يجدون محيصا عن التزام النصرانية وتصديق عيسى ، أو تكذيبه وموسى عليهما السلام ، إذ إثبات أحد الأمرين والامتناع من تساويهما لا يمكن .

وكل شئ يقدحون به في نقل النصارى يقابلون بمثله من البراهمة ، وللنصارى أكبر المزية ، لحصول العلم للأكل مخالط باتصال وجودهم في الأزمنة إلى من شاهد المعجزات وتعذر مثل ذلك فيهم ، ولا انفصال لهم من النصارى بضلالهم في إلهية المسيح عليه السلام ، أو القول بالنبوة ، أو الاتحاد ، لتميز النقل من الاعتقاد بصحة دخول الشبهة في الاعتقاد وارتفاعها عن التواتر ، وثبوت صدق المتواترين وإن كانوا ضلالا أو اعتقدوا عند هذا النقل ضلالا .

ألا ترى إلى وجود كثير من العقلاء قد ضلوا عند ظهور المعجزات على الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، فاعتقدوا لذلك إلهيتهم ، ولم يمنع ذلك من صدقهم فيها ، لانفصال أحد الأمرين من الآخر .

وإلزامهم على هذه الطريقة نبوة نبينا عليه السلام لتواتر المسلمين في الحقيقة بالمعجزات الظاهرة عقيب دعواه أبلغ في الحجة ، لأنه لا يمكنهم القدح في نقل المسلمين بشئ مما قدحنا به في نقلهم وما قدحوا به على النصارى .

وهذا كاف ، والمنة لله .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) هود 11 : 13 .

( 2 ) البقرة 2 : 23 .

( 3 ) الإسراء 17 : 88 .

( 4 ) البقرة 2 : 94 – 95

( 5) القمر 54 : 45 .

( 6 ) الفتح 48 : 27 .

( 7 ) الروم 30 : 1 – 3 .

( 8 ) الحشر 59 : 12 .

( 9 ) النور 24 : 55 .

( 10 ) النصر 110 : 1 .

المصدر: تقريب المعارف للشيخ أبي صلاح الحلبي