مسألة في ما يصح تعلق إرادته وكراهته به وما لا يصح

قد بينا كونه تعالى مريدا أو كارها ، فينبغي أن نبين ما يصح تعلق إرادته به وكراهته وما لا يصح ذلك فيه .

وكون المريد مؤثرا مختص بحدوث الفعل ، لكون هذه الحال وجها لوقوع الفعل على صفة دون صفة ، ووجه الفعل كيفية لحدوثه ، فيجب أن يكون ما أثره مصاحبا لحدوثه ، فإذا اختص تأثيرها بالحدوث .

والمحدثات على ضربين :

أفعاله تعالى ، وهو على ضربين :

مفعول لغرض يخصه ، كالواجب في حكمته ، والاحسان إلى خلقه ، وكلاهما مراد ، لأن العالم بالفعل المخلى بينه وبين إرادته القاصد بفعله غرضا يخصه لا بد من كونه مريدا له ، لولا ذلك لم يكن بأن يفعله لذلك الغرض دون غيره .

والثاني : مفعول لغرض يخص غيره كالإرادة ، وما هذه حاله لا يجب كونه مرادا ، لأن الداعي إلى المراد داع إلى إرادته ، فهي كالجزء منه ، فلا يفتقر إلى إرادة يخصها .

ولا يصح أن يكره شيئا من أفعاله ، لأن كونه سبحانه كارها لشئ يقتضي قبحه ، وهو لا يفعل القبيح ، ولأن الواقع من مقدوراته تعالى قد بينا وجوب كونه تعالى مريدا ( له ) ، فلا يجوز أن يكون كارها ( له ) ، لأن ذلك يقتضي كونه مريدا كارها لشئ واحد ، وهو محال .

وأفعال عباده سبحانه على ضربين : واقع عن إلجاء ، وإيثار .

وما وقع بإلجائه تعالى لا بد من كونه مريدا له ، لأنه بإلجاء في حكم فعله ، ولا بد من وقوع ما هذه حاله ، لكونه جاريا مجرى فعله الذي لا بد من وقوعه متى أراده ، فلا مجوز إلجاؤه إلى قبيح ، لأن ذلك مقتض لكونه فاعلا له ، وقد بينا فساد ذلك .

وما وقع بإلجاء غيره تعالى حكمه حكم ما اختاره العبد الملجأ من حسن وقبح ، وسنبينه .

وعلى كلا الوجهين لا تجد من كون الملجأ مريدا لما ألجئ إليه ، إذ معنى كونه ملجأ توفر دواعيه لخوف الضرر ، أو لرجاء النفع ، وخلوص الدواعي إلى الفعل يقتضي كون القادر مريدا .

والواقع عن إيثار على ضروب : واجب ، وندب ، وقبيح ، ومباح .

فالواجب والندب مرادان له تعالى بغير شبهة ، لأنه قد أمر بهما ورغب فيهما ” والأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة ، لعلمنا بوجود جنسه وصيغته وليس بأمر ، ولتجدد إرادته تعالى لذلك حال الأمر به ، وتعلقها بالمراد المكلف فعله على جهة الإيثار له المصحح لغرض المجري بالتكليف إليه ، لافتقار ما يجب فعله أو تركه أو الترغيب فيه في كونه كذلك إلى تعلق إرادته سبحانه على وقوعه على هذا الوجه .

ولا يجوز أن يكره شيئا مما أراده من أفعال عباده الواجبة والمندوبة ، لأن كراهيته تقتضي قبح المكروه ، وقد علمنا حسن هذه الأفعال عبادة الواجبة  تعالى مريد لما على ما دللناه عليه ، فلا يجوز أن يكون كارها لما ، لأن ذلك يقتضي كونه تعالى مريدا كارها للشئ الواحد مع استحالته .

وأما القبيح فهو سبحانه كاره له ، لأنه قد نهى عنه ، والنهي لا يكون نهيا إلا بالكراهة ، لوجود الجنس والصيغة فيما ليس بنهي ، ولأنه تعالى لا يجوز أن يريد القبيح لما بينته ، ولا يجوز أن يكون غير مريد له ولا كاره ، لأن ذلك يخرجه عن حد التكليف ، فلم يبق إلا كونه كارها له ، وإذا ثبت أنه تعالى كاره لقبائح العباد ، لم يجز أن يريد شيئا منها ، لأن ذلك يقتضي كونه مريدا كارها لها ، مع فساد ذلك .

وأيضا فإن إرادة القبيح قبيحة ، لأن كل من علمها إرادة قبيح علم قبحها ، يوضح ذلك : توجه ذم العقلاء إلى مريد القبيح كفاعله ، فلو أراد تعالى القبيح لم يرده إلا بإرادة يفعلها على ما بيناه من وقوف كونه مريدا على فعله الإرادة له ، وهذا يقتضي كونه فاعلا للقبح ، وقد بينا فساد ذلك .

وتعلق المجبرة في كونه تعالى غير مريد لها لم يقع من الطاعات ، ومريدا لما يقع من القبائح ، بأنه لو أراد ما لا يقع فوقع ما لا يريد وارتفع ما أراد للحقه نقص ، كالملك المريد من عبيده نصرته متى لم يقع منهم ، ما أراد كان مغلوبا .

ظاهر السقوط ، لأن وقوع المكروه وارتفاع المراد إنما يدل على نقص المريد الكاره إذا كان في ذلك نفع له وفي خلافه ضرر عليه ، وهو قادر على المنع مما كره والحمل على ما أراد ، كإرادة الملك من أنصاره الذب عن دولته وكراهية القعود عن نصرته ، فيه نفع له وفي خلافه ضرر عليه ، فمتى لم يقع ما أراد ويرتفع ما كونه لحقه نقص ، لتعلق الضرر به وعجزه عن دفعه عنه .

والتكليف بخلاف ذلك ، لأنه لا يتعلق به تعالى منه نفع ولا ضرر بل هما مختصان بالمكلف ، وإن كان فعل ما أراده وترك ما كرهه مختصا بنفع المأمور المنهي ، وكان هذا النفع مختصا بوقوع ذلك وارتفاع هذا بإيثاره ، وهو قادر على إلجائه إلى فعل المراد وترك المكروه ، كإرادة سلطان الإسلام وأنصاره من أهل الذمة الإيمان ، وكراهيتهم منهم الكفر ، لما لهم في ذلك من النفع المختص بإيثارهم دون إلجائهم ، مع كونهم قادرين على إلجائهم إليه واصطلامهم دونه ، لم يكن في ذلك نقص على المريد الكاره ، ولم يصفه أحد بالغلبة .

وهذه صفة ما أراده تعالى وكرهه من عباده ، لأن نفعه مختص بهم وهو موقوف على حصول ذلك عن إيثارهم دون قهرهم ، مع كونه سبحانه قادرا عليه وإن لم يفعله ، فلا يجوز وصفه تعالى – لوقوع القبائح التي كرهها ، وارتفاع الطاعات التي أرادها منهم – بصفة نقص ، تعالى عن ذلك ، ولا وصفهم بأنهم غالبون له تعالى ، كما لا يصف أحد أهل الذمة بكونهم غالبين لسلطان الإسلام وأنصاره ، لإيجادهم خلاف ما أراد منهم .

وأما المباح من أفعالهم فلا يصح كونه مريدا له ولا كارها ، لأن كونه مرادا يقتضي كونه طاعة ، وكونه مكروها يقتضي كونه قبيحا ، وذلك يخرجه عن صفة الإباحة .

المصدر: تقريب المعارف للشيخ أبي صلاح الحلبي