مسجد الاجابة (المباهلة)

موقع المسجد

يقع هذا المسجد الى الشمال الشرقي من المسجد النبوي، ويبعد عنه بمسافة تقدر بستمائة وخمسين متراً [۱].

وجاء في كتاب معالم مكة والمدينة : يقع هذا المسجد في شمالي البقيع على يسار السالك الى (العريض) فوق تلال هي آثار قرية بني معاوية بن مالك بن عوف من الأوس وهو مسجدهم، وبهم يسمى اليوم[۲].

تسمية المسجد

أـ مسجد الإجابة: اشتهر هذا المسجد بهذا الإسم – يعني الإجابة – لحادثة رواها مسلم في صحيحه حيث قال: روي ان رسول الله (ص) أقبل ذات يوم من العالية حتى مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربّه طويلاً، ثم انصرف الينا، فقال: سألت ربّي ثلاثاً، فاعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته ان لا يهلك أمتي بالسّنة (الجدب، وهو انقطاع المطر) فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالفرق (الفزع، كما في المنجد ص ۵۷۹) فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها [۳].

ب- مسجد المباهلة: وقال ابن هشام: قيل ان المباهلة بين النبي محمد(ص)، ووفد نصارى نجران وقعت في هذا المسجد[۴]، فسمي بمسجد المباهلة.

وقد ذكر الشيخ المفيد قصة المباهلة في كتابه الارشاد حيث قال: … ولما انتشر الاسلام بعد الفتح وما وليه من الغزوات وقوى سلطانه، وفد الى النبي (ص) الوفود فمنهم من أسلم ومنهم من استأمن ليعود إلى قومه برأيه فيهم، وكان في من وفد عليه ابو حارثة اسقف نجران في ثلاثين رجلاً من النصارى، منهم العاقب والسيد وعبد المسيح فقدموا المدينة وقت صلاة العصر وعليهم لباس الديباج والصلب، فصار إليهم اليهود وتساءلوا بينهم، فقالت النصارى لهم: لستم على شيء، وقالت لهم اليهود: لستم على شيء وفي ذلك أنزل الله سبحانه (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) البقرة: آية ۱۱۳٫

فلما صلى النبي (ص) العصر توجهوا إليه يقدمهم الاسقف، فقال له : يا محمد، ما تقول في السيد المسيح؟ فقال النبي (ص): عبد الله، اصطفاه وانتجبه، فقال الاسقف: اتعرف له يا محمد أباً ولده؟ فقال النبي (ص) : لم يكن عن نكاح فيكون له والد؟ قال: فكيف قلت انه عبد مخلوق وأنت لم تر عبداً مخلوقاً إلا عن نكاح وله والد، فانزل الله تعالى الآيات (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) آل عمران الآية: ۵۹-۶۱، فتلاها النبي(ص) على النصارى ودعاهم إلى المباهلة،

وقال: ان الله عز اسمه اخبرني أن العذاب ينزل على المبطل عقيب المباهلة، ويبين الحق من الباطل بذلك: فاجتمع الاسقف مع عبد المسيح والعاقب على المشورة، فاتفق رأيهم على استنظاره الى صبيحة غد من يومهم ذلك، فلما رجعوا الى رحالهم، قال لهم الاسقف: انظروا محمداً في غد، فإن غدا عاد بولده واهله فاحذروا مباهلته، وان غدا بأصحابه فباهلوه فانه على غير شيء..

فلما كان من الغد جاء النبي(ص) آخذاً بيد أمير المؤمنين(ع) علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه يمشيان وفاطمة صلوات الله عليها تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم اسقفهم، فلما رأى النبي (ص) قد أقبل بمن معه سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه علي بن ابي طالب وهو صهره وأبو ولده وأحب الخلق اليه، وهذان الطفلان ابنا بنته من علي وهما من أحب الخلق إليه، وهذه الجارية بنته فاطمة عليها السلام أعز الناس عليه واقربهم إلى قلبه فنظر الاسقف الى العاقب والسيد وعبد المسيح وقال لهم: انظروا إليه قد جاء بخاصته من ولده وأهله ليباهل بهم واثقاً بحقه، والله ما جاء بهم وهو يتخوف الحجة عليه، فأحذروا مباهلته، والله لو لا مكان قيصر لأسلمت له ولكن صالحوه على ما يتفق بينكم وبينه وارجعوا الى بلادكم وارتؤوا لأنفسكم، فقالوا له: انا لرأيك تبع، فقال الأسقف: يا أبا القاسم إنا لا نباهلك ولكنا نصالحك، فصالحنا على ما ننهض به، فصالحهم النبي(ص) على الفيء[۵]. ورضوا بدفع الجزية عن يد وهم صاغرون كما يقول القرآن الكريم.

تجديد المسجد عبر التاريخ

جاء في كتاب المدينة المنورة معالم وحضارة: قام عمر بن عبد العزيز[۶] بتجديد مسجد الإجابة عندما كان والياً على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك [۷].

يقول ابن النجار(المتوفى سنة ۶۴۳هـ): لم يبق من مسجد الاجابة الا بعض الآثار التي تعود إلى الأعمدة والمحراب، كما أكد السمهودي المتوفى سنة ۹۱۱هـ في كتابه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ما نقله ابن النجار من الخراب والآثار البسيطة التي رآها[۸].

وجدد المسجد في عهد العثمانيين، وكان بناؤه العثماني مكوناً من قسمين: القسم الامامي وفيه المحراب والقسم الخلفي، وكانت عليه قبة، وتهدم المسجد بعد ذلك، وكاد يزول أثره[۹].

المسجد في الوقت الحاضر

قامت وزارة الاوقاف السعودية بدمج القسمين(الامامي والخلفي) في بناء واحد واعتنت بتشييده وفرشه وصيانة مرافقه، ونظافته وتكييفه، وانارته انارة حديثة جعلته بهجة للناظرين وراحة قلبية للمصلين [۱۰]. ووصف صاحب كتاب المدينة المنورة مبنى المسجد الحالي فقال: وهو عبارة عن إنشاء هيكلي من الخرسانه المسلحة (البناء الكونكريت)، ويتكون من رواقين وصحن، وقد وضعت المئذنة في الركن الشمالي الغربي، وهي قصيرة … ولها شُرفة مثمنة.

وقد ألحق بالمسجد بالجهة الشمالية ميضأة (محل الوضوء) ودور مياه. ونظمت في حوائط المسجد شبابيك مستطيلة يعلوها كورنيش بشكل عقد مثلث وقد تأكد مكان المحراب عن طريقة إبرازه بالواجهة الجنوبية [۱۱].

أهميته

تبين لنا من السطور الماضيّة اهمية مسجد الاجابة لامرين هما: صلاة النبي (ص) به، والثانية قصة مباهلة النبي(ص) نصارى نجران في هذا المكان. وقد ذكر الشيخ عباس القمي الحادثتين في كتابه مفاتيح الجنان (في صفحة ۲۸۱) وقال: اليوم الرابع والعشرون من ذي الحجة هو يوم المباهلة، باهل فيه رسول الله(ص) نصارى نجران [۱۲].

ولهذا اليوم فضيلة خاصة وصلوات خاصة ذكرتها كتب (الادعية والزيارات)[۱۳].
_____________________

[۱] – المساجد والاماكن الاثرية في المدينة المنورة: ص ۱۵٫

[۲] – معالم مكة والمدينة بين الماضي والحاضر: ص ۳۶۹٫

[۳] – المساجد والاماكن الاثرية في المدينة المنورة: ص ۱۶٫

[۴] – سيرة ابن هشام: ۲/۱۶۰، منقولاً عن المساجد والاماكن الاثرية في المدينة المنورة: ص۱۷٫

[۵] – الارشاد للمفيد: ۱/۱۶۶-۱۶۸(طبع مؤسسة آل البيت لاحياء التراث).

[۶] – تولى عمر بن عبد العزيز المدينة من سنة ۸۷-۹۳هـ، المدينة المنورة تطورها العمراني وتراثها المعماري لصالح لمعي: ص۲۰۵٫

[۷] – المدينة المنورة معالم وحضارة لمحمد السيد الوكيل: ص۴۳٫

[۸] – مترجم يتصرف عن مدينة شناسي (بالفارسية) ص ۱۶۵-۱۶۶٫

[۹] – المدينة المنورة معالم وحضارة: ص ۴۳٫

[۱۰] – المصدر السابق.

[۱۱] – المدينة المنورة تطورها العمراني وتراثها المعماري: ص ۲۰۶٫

[۱۲] – التاريخ الأمين: ص ۳۷۹٫

[۱۳] – راجع المصباح للكفعمي ص ۹۱۱ بالاضافة الى مفاتيح الجنان.

الكاتب: أبو زينة