مسيرة تضحيات عقائل الرسالة

إن مسيرة تضحيات عقائل الوحي والنبوة كانت حافلة بالأزمات الحادة والشائكة وقد فرشت لهن الأرض بالأشواك بدل أن تفرش لهن نواعم الحرير إنها مسيرة الألم والمحن والمصائب والصراع الدامي حيث كانت في طليعة هذا الركب الغريب العجيب المهيب فخر المخذرات زينب(ع) وكانت تديره بإحكام وسيطرة برغم نحافتها وألمها وثكلها وغربتها ومشاق السفر الصعبة والعسيرة وسوق العدو لها بالسياط وسوقها مع باقي العلويات بالزجر والقسوة والرعب والإرهاب من قبل شمر وزجر من القساة العتاة الكفرة لكن كل ذلك لم يؤثر في استمرارية ومواصلة جهادهن وتضحياتهن وهذا ماتشير إليه أغلب الروايات التأريخية حقا إنها مسيرة تضحيات عظيمة وجسيمة لركب قافلة الإباء..

قــد ورثت مــن أمها زينب كل الذي جـرى عليها وصار

وزادت البنت علـى أمــهــا من دارها تهدى إلى شر دار(۱)

وبعد كارثة الطف الأليمة انطوى قلب العقيلة زينب(ع) على فواجع الحزن والأسى ، ولكنّها لم تستسلم لضغوط المحنة ، بل استمرت بحمل رسالتها الإعلامية وإحياء الأهداف الكبرى لثورة الحسين (ع) في المجتمع الإسلامي .. فراحت تعرّف بما حلّ بآل البيت النبوي في كربلاء .. والمدينة تتألب على يزيد بن معاوية وتغلي وتتهيّأ للإنفجار .

فاستمرت زينب(ع) تؤلب الناس على السلطة الأموية المجرمة ، وتدعو إلى الثأر لدم الحسين(ع) وقد أصبحت المدينـة مرجلاً يغلي ، وتوشك على الإنفجار.

وذكرت بعض الروايات التأريخية أن عمرو بن سعيد الوالي الأموي على المدينة قد خاف من انطلاق ثورة في المدينة ، نتيجة لما أحدثته العقيلة زينب (ع) من تحريك الرأي العام ضدّ الجريمة الأمـوية البشعة ، وتعاطف كبير مع فاجعة آل البيت النبوي (ع) في كربلاء . فكتب تقريراً عن الوضع السياسي القائم في مدينة الرسول (ص) إلى الخليفة الأموي يزيد بن معاوية ، والدور الخطير الذي تقوم به زينب في المدينة المنورة .. فأصدر إليه يزيد الأوامر بالتفريق بين زينب (ع) والناس .. فأمر الوالي الأموي بإخراج زينب(ع) من المدينة إلى أي بلد تختاره .

فرفضت الخروج وقالت : «قد علم الله ما صار بنا ، وسقنا كما تساق الأنعام وحملنا على الأقتاب ، فوالله لا أخرج ، وان أهرقت دماؤنا ، فقالت لها زينب بنت عقيل : يا ابنة عمّاه ، قد صدقنا الله وعده ، وأورثنا الأرض نتبوّأ منها حيث نشاء ، فطيبي نفساً ، وقرّي عيناً ، وسيجزي الله الظالمين ، أتريدين بعد هذا هواناً ؟!

إرحلي إلى بلد آمن ، ثمّ اجتمعت عليها نساء بني هاشم ، وتلطفن معها في الكلام فاختارت مصر ، وخرجت معها نساء بني هاشم فاطمة بنت الحسين وسكينة فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجّة ، فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه ، فأنزلها داره بالحمراء» .(۲)

هذا على قول ينص على أنها بعد خروجها عليها السلام من مدينة جدها رسول الله صلى الله عليه وآله توجهت إلى مصر وكان مدفنها هناك أما في الحقيقة عن مقام وضريح السيدة زينب عليها السلام حسب مايؤكد المؤرخون الشيعة والعلماء الأعلام جلهم كانوا يؤكدون على أن ضريحها الشريف في الشام في منطقة الغوطة حيث وجود مشهدها المعظم على ماعليه الآن وهو مقصد للوافدين والزائرين من كل أقطار الأرض..

وهذا ماذهب إليه المحقق المازندراني وهو من أعلام الطائفة قال: وجاء في ( الخيرات الحسان ) وغيره : أن مجاعة أصابت المدينة فرحل عنها بأهله عبد الله بن جعفر إلى الشام في ضيعة له هناك ، وقد حمت زوجته زينب ( ع ) من وعثاء السفر أو ذكريات أحزان وأشجان من عهد سبي يزيد لآل الرسول ( ص ) ، ثم توفيت على أثرها في نصف رجب سنة خمس وستين من الهجرة ودفنت هناك حيث المزار المشهور . ..

على أية حال التدقيق والتحقيق في أين دفنت عقيلة الطالبيين والفواطم اللواتي كن معها في السبي هو من الشيء المهم لكن الأهم من ذلك هو الإقتداء بسيرة بطلة كربلاء والدور الذي مثلته وقامت به في تحمل المسئولية الجسيمة لأجل إظهار مظلوميتهم والوقوف في وجه الظلم والطغيان..

فمن زينب وأخواتها العلويات المسبيات نتعلم قوة الإرادة والصير على المحن والأرزاء ومنهن نتعلم دروس الصمود والإباء والعزة والكرامة والحرية …

أين نساء أمتنا الإسلامية اليوم من صبر عقائل الوحي وحرائر الرسالة العظيمات المسبيات المجاهدات الصابرات المحتسبات اللواتي أخذن على عاتقهن أعباء ثقل المسؤلية المحمدية الرسالية فوقفن أمام إرهاصات الدنيا وبهارجها وذكرهن التأريخ في صفحاته البيضاء بالإكبار والإجلال والعفاف والصبر على البلاء والمكاره والتخندق في خنادق الشرف والفضيلة.

أيتها الفاضلات الماجدات يانساء الإسلام ويابنات علي والزهراء وزينب عليهم السلام إن أردتن جميعا الحياة الطيبة والنزيهة عليكن أن تسلكن النهج الذي سلكته بنات الرسالة سبايا آل محمد عليهم الصلاة والسلام في الصون والعفاف والحجاب والصبر والتغلب على الأزمات الصعاب وتدليل العقبات في سبيل إرضاء الله تعالى ولنصرة الدين وخدمة الأمة وصون الأسرة والمجتمع…

أيتها الأم المجيدة والأخت المؤمنة الفاضلة إن عقائل الرسالة اللواتي وقفن يوم الطف مع سيد الشهداء(ع) كان الهدف من وقوفهن المحافظة على شرف الأمة الإسلامية والمحافظة على ماتبقى من الدين من أحكام وأصول وفروع وأركان وواجبات إن تلك الدماء الطاهرة التي أريقت وروت أرض كربلاء كلها أهرقت لأجل المحافظة على الصلاة والعفة والحجاب وعلى العزة والكرامة.

—————————————–

۱- الأبيات : للسيد صالح الحلي رحمه الله

۲- راجع الكامل في التأريخ : ج ۴ ، ص ۸۷

الكاتب : الشيخ مكي فاضل