مشاهد من الإنتفاضة الشعبانية في كربلاء المقدسة

۱۴۱۱هـ / آذار ۱۹۹۱م
تعاقبت الحكومات العراقية على معاداة اتباع اهل البيت (ع) ومحاربتهم ، فكريا وعسكريا باستخدام أقسى وسائل العداء والإبادة. لكن لم هذا الرعب ضد هذه الطائفة المغلوبة على أمرها؟.
والجواب دون أي تردد هو ذاته في الأمس واليوم وغداً .. الخوف من الحناجر المؤمنة الصادحة في كل موقف .. ( ياحسين ) الممتزجة بخليط الولاية والبيعة (أبد والله ما ننسى حسينا) . لتكون مزيج العاطفة والولاء ، و يقينا ان نتائج الانتفاضة تبلورت عن تلك الشعارات إيمانا منها بالقضية الحسينية ، لتنبثق النار من خدرها الكائن على هاويات التدمير البعثي. واذ نتحدث اليوم عن هذه الذكريات التـي سطر فيها ابناء هذا البلد الجريح بحروف من ذهب اروع البطولات والمواقف الخالدة ..فكانت بحق نبراسا تستضيء به الاجيال الصاعدة وهي تقرأ تاريخها فتقف عندها بجلال واكبار لكل قطرة من تلك الدماء الزاكية التي رو ت ارض الوطن ..نتحدث اليوم عن واحدة من المدن الثائرة هي مدينة ضمت بين جنبتيها جسد ابي الاحرار وسيد الشهداء الامام الحسين (ع) فاستمدت منه عزمها وانطلقت صادحة بـ (لا ) التـي قالها قبل اكثر من الف عام رافضا الظلم والاستبداد ..انها مدينة كربلاء المقدسة ، مدينة الشهادة ..

صور من الانتفاضة

لجأ الاجرام الصدامي الى استخدام المدافع الثقيلة لقمع الانتفاضة الباسلة ..حيث صفـّت على محيط كربلاء ببعد يتراوح (۶- ۸) كم من المدينة، لتسقط الآلاف من القذائف المدفعية في عملية تدمير وتهديم البنية التحتية للمدينة وابادة سكانها الملتجئين في ملاجىء الابنية الكونكريتية ، واللائذين بـ(سراديب) الدور التي يعتبر البعض منها كالقشة على ورقة شجر في مهب الريح. واعترف احد ضباط المدفعية وهو برتبة عقيد – بعد انتهاء صفحة الانتفاضة المشرقة – باصدار اوامره التي يتلقاها أصلا من جهاز الامن الخاص المرافق لقوات الحرس الجمهوري الخاص الى قوته المدفعية في رشق مدينة كربلاء بـ(۴۰۰) قذيفة مدفع لكل (۱۰) دقائق وخلال (۲۴) ساعة ، فتخيلت – والكلام للضابط – سندخل مدينة تم هدمها بالكامل، وما ان دخلنا المدينة أصابتنا الدهشة فهي مدينة لم تؤثر بها تلك القذائف التي اتخذت من حافات الارصفة وشرف الابنية وستائر السطوح موضعا لسقوطها الذي لم يسفر عنه الا اصابات محدودة.
ويضيف ضابط اخر ممن شاركوا في قمع الانتفاضة وهو (برتبة عميد درع) : (كنت انوي دخولي الى المدينة على الطريق المحيط بمنطقة العباسية الشرقية وانا على الدبابة الرابعة. تقدمت أمامي الدبابات الثلاثة ، وفجأة تحطمت الدبابة الاولى فاستطلعت المكان واذا بي أشاهد امرأة تجلس القرفصاء وعلى كتفها السلاح المضاد للدبابات (RBG7 ) وبجوارها ولد صغير يعبأ لها الحشوة ، فصعقت لما أرى وكأنني احاول امعان النظر بفلم سينمائي للاكشن الامريكي، ولكنها امرأة بعبائتها السوداء، ورمت القذيفة الثانية لتدمر الدبابة الثانية ثم الثالثة ليأتي دوري ، ولكن عتادها خان بها عندها صرخت بولدها للاسراع بالهروب ..وتبقى هي تنتظروابل الرصاص من رشاشة الدبابة لتسقط قتيلة بقرب (موقف السيارات العام) ، ولا يمكن ان انسى بطولة كهذه).
تلك صورتين من آلاف صور الانتفاضة في مدينة كربلاء الباسلة في كل شيء… انتفاضاتها ، حروبها ، مقاومتها ، تعاضدها ، تواجدها على سوح البطولات في الحروب والمقاومة ، وتوديع ابنائها فوق مشانق الاستبسال.

ماذا حدث

الانتفاضة في طريقها الى العاصمة بغداد؟!.أصيب صدام بالانهيار العصبي لشدّة المقاومة ضد أزلامه في كربلاء؟!. ما هو العامل الذي ساعد على قمع الانتفاضة؟.برغم شحّة السلاح والعتاد والجهد الكبير الذي عانى منه الكربلائيون في القتال على جبهات القتال الواسعة، وعمليات انقاذ الاطفال والنساء – المحفوفة بالمخاطر – من محاولات القتل الجماعي في عملية القصف المدفعي لقوات الحرس الجمهوري الخاص .. استطاع الكربلائيون التوصل الى سلاح عبوات البنزين التي صنعت النساء منه مئات العبوات الحارقة.
وتبهرني صورة حقيقية حين وصلت الدبابات الى باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (ع) فخرجت الجموع دون سلاح تمتلكه او حارقات البنزين. لقد خرج الشباب حاملين (النعل).. وأقول (النعل!!) … لقد حملوها بيد وعلى راحة اليد الاخرى اليقين والاخلاص لله في صد عدوان الطاغية صدام… خرجوا من اجل نسف الدبابة التي وصلت الى رصيف الحائر العباسي ، فنقل لي أحد شهود العيان : ان أحد الابطال الذي يصدون الهجوم من فوق سور الروضة العباسية سحب صاعق رمانة يدوية وقذف نفسه وايّاها من السور ليسقط شهيدا على حطام الدبابة ، وليشتعل وقودها بارادة الله. ان الصور القتالية في تلك المدينة ممتدة الى عمق الرسالة الحسينية والايمان العميق الصادق بتضحيات الشهداء فمدّت الجسور وشقّت أنهار الدماء لتصب في نبع البطولة والتضحيات والفداء. أصبحت قوة الانتفاضة تطرق ناقوس خطر السقوط الصدامي اذا ما وضعت أقدامها الايمانية الثابتة على عتبة بوابة بغداد.

الاثنين ۱۱ آذار ۱۹۹۱

التقى صدام بأبرز رجال عصابته حسين كامل – وزير الصناعة والتصنيع العسكري – وهو القائد الميداني لقمع انتفاضة الكربلائيين. ويقول الخبر: استمع صدام حسين الى شرح مفصل عن واقع الخدمات المقدمة للمواطنين في محافظة كربلاء والجهود المبذولة للنهوض بما يتماشى مع توجيهات سيادته لتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين. ان هذا اللقاء جزء من اللقاءات الصدامية المستمرة مع كادره الاجرامي حيث كلف عزت الدوري لقيادة قمع الاكراد في الشمال واستقر في كركوك ، وعلي الكيمياوي في البصرة ومحمد حمزة الزبيدي في الناصرية ، والخبر يتناقل بنفس الصيغ والتعابير الخارجة من ديوان الرئاسة لتصنع في كل المحافظات اعمال الابادة الشاملة. لقد كان هذا اللقاء حاسما في ابادة قوة الانتفاضة وسكان كربلاء ، وحصول الموافقة الصدامية باستخدام الاسلحة الكيمياوية وشتى انواع الاساليب الاجرامية على انها تتماشى مع التوجيهات الرئاسية الصدامية.
سقطت على المدينة مئات الآلاف من ذخائر المدفعية التي خزّنت لحماية بغداد ، وبشكل التربيع المدفعي. ولم تسلم الروضتين الشريفتين منها فضربت قبّة مرقد أبي الفضل العباس(ع) والصحن الحسيني الشريف بأمر المجرم حسين كامل وله قول شهير في ضرب الباب الخشبي لباب قبلة الامام الحسين (ع) بقذيفة دبابة كان يقودها في شارع القبلة الحسيني : (أنا حسين وانت حسين). فقد تطاولت يده لقصف العتبات المقدسة التي يؤمها الملايين من الزوار سنويا من خارج العراق وداخله. وكان القصف المدفعي الذي طال القبة العباسية المطهرة رمزا للالحاد البعثي ووصمة عار في جبينه. لم تكتف القيادة الصدامية بذلك … فقصفت في ۱۱ /۳ /۱۹۹۱ مقام كف العباس (ع) الايمن والدور السكنية التي حوله، ثم اتجهت الى قصف الصحن الحسيني الشريف ونسف باب القبلة الشريفة في محاولة الاجتياح للفتك بمن لاذ في الروضة المطهرة.
اتجه الاجرام البعثي الصدامي في استخدام القصف المدفعي والصواريخ وقذائف الهاون من قبل البعثيين الذين يختبئون في الخرائب والبساتين المجاورة لمركز المدينة ، فكان القصف يشمل السكان اللاجئين في الروضتين الشريفتين وهم على علم بعدم وجود اليد التي تطول العتبات المقدسة ، فهي الملاذ الآمن لهم … وكانت الاوامر الصدامية للجلاد حسين التكريتي ادت الى تصدع الروضتين وهدم أماكن منها ، واصيب العشرات من اللائذين بسقوف الروضتين لتبقى دمائهم صرخة في الوجود حيث لم يستطع ازلام النظام البعثي ازالتها فيما بعد مما دعى بطاغيتهم ادعاء الافتراء والكذب وترويج القصة على انها دماء بعثية تم اعدامهم داخل المرقد المطهر.
لقد سقطت الصواريخ الصدامية في مناطق متفرقة من المدينة بما فيها الاسلحة الكيمياوية ، وادى ذلك القصف الى انهيار الصفوف القتالية في جبهات المدينة مع تراص الصفوف في البقاء بثبات وعزم في المقاومة المدفعية بين الحرمين والتراص المنضبط في الروضتين الشريفتين. وتداعيات الانهيار في الصفوف القتالية جاء نتيجة توجه الثوار الى انقاذ عوائلهم الى مناطق بعيدة عن مركز المدينة ، بعد ان استطاعت قوات الحرس الجمهوري من قمع الانتفاضة في بعض المدن العراقية. ومن جراء الاقتتال ونتائج القصف تم فتح قاعة كبيرة في الروضة الحسينية المطهرة لتستخدم كمستشفى ميداني ، ولكنه يعاني من شحّة واضحة جدا في مواد الاسعافات الاولية، وتعدى عمله الى اجراء العمليات الجراحية دون تقديم البنج حتى في بتر الاطراف المتهشمة.

الکاتب: سمير خليل