مشيئة-اللّه-تعالى-وإرادته

مشيئة اللّه تعالى وإرادته(2)

معنى إرادة الله التشريعية

أي: معنى إرادة الله لأفعال الإنسان الاختيارية:

إرادة الله لأفعال عباده تعني أنّه تعالى يطلب منهم أداء هذه الأفعال على وجه الاختيار (لا على نحو الحتم والإجبار والاضطرار)(1).

حديث شريف :

قال الإمام الرضا(عليه السلام) حول إرادة الله ومشيئته في أفعال العباد: “أمّا الطاعات فإرادة الله ومشيّته فيها الأمر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها. وإرادته ومشيّته في المعاصي النهي عنها، والسخط لها، والخذلان عليها”(2).

معنى إرادة الله التكوينية

أي: معنى إرادة الله لأفعال نفسه:

الرأي الأوّل : تفسير الإرادة بتنزيه الأفعال عن السهو والعبث

ذهب البعض(3) إلى أنّ المقصود من وصفه تعالى بأنّه “مريد” بيان هذه الحقيقة بأنّه تعالى منزّه في أفعاله عن صفة الساهي والعابث، وبيان أنّه غير مغلوب ولا مستكره في أفعاله(4).

____________

1- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 56: باب الاستطاعة، ذيل ح 3، ص 337.

النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: 25.

أوائل المقالات، الشيخ المفيد: القول (9)، ص 53.

كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج1، القول في المريد، ص 83 .

المسلك في أصول الدين، المحقّق الطوسي: النظر الأوّل، المطلب الثاني، ص 50.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الرابع، البحث السابع، ص 171.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث العدل، كونه تعالى مريداً…، ص 269.

2- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 5، ب 1، ح 18، ص 12.

3- ينسب هذا القول إلى “الحسين بن محمّد النجار” من متكلّمي أهل السنة، توفّي حوالي سنة 230 هـ.

انظر: الملل والنحل، أبو الفتح محمّد بن عبدالكريم الشهرستاني: ج 1، الباب الأوّل، الفصل الثاني: الجبرية، 2 ـ النجارية، ص 89 .

4- انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج 1، فصل في المقدّمات في صناعة الكلام، ص 317.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج 1، القول في كونه تعالى مريداً، ص 62.

تلخيص المحصّل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثاني، ص 281.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الثاني، ص 50.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الرابعة، ص 402.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الرابع، البحث الثالث، ص 171.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، إثبات الإرادة لله تعالى، ص 205.

الصفحة 261

يلاحظ عليه :

يبيّن هذا المعنى أوصافاً ملازمة لمعنى “الإرادة”، ولا تعتبر هذه الأوصاف معنىً للإرادة نفسها(1).

الرأي الثاني : تفسير الإرادة بالعلم(2)

الإرادة هي علم الله الموجب لإيجاد فعل معيّن بسبب اشتمال ذلك الفعل على مصلحة داعية إلى إيجاده.

بعبارة أخرى:

معنى كونه تعالى مريداً، أي: عالماً بأنّ المصلحة والحكمة تقتضي صدور هذا الفعل منه بصورة محدّدة ووقت معيّن، فيدعوه هذا العلم إلى إيجاد هذا الفعل بتلك الصورة وفي ذلك الوقت دون غيره.

توضيح ذلك:

إنّ علم الله بوجود المصلحة في صدور فعل معيّن هو الذي يدعو الله إلى إيجاده، فيوجد الفعل بصورة دون غيرها وفي الوقت دون غيره لعلمه تعالى بأنّ هذا الفعل يشتمل على المصلحة في تلك الصورة وذلك الوقت دون غيره.

____________

1-  انظر: إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، إثبات الإرادة لله تعالى، ص 205.

2- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: 25.

عجالة المعرفة، محمّد بن سعيد الراوندي: مسألة في الإرادة، ص 31. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث الرابع، ص 88 ـ 98.

إشراق اللاهوت، عبدالمطلب العبيدلي: المقصد الخامس، المسألة السادسة، ص 215. إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، تحقيق حول الإرادة والكراهة، ص 118 ـ 119.

إثبات الإرادة لله تعالى، ص 204.

الصفحة 262

تفصيل ذلك:

الإرادة ـ كما ورد في تعريفها ـ عبارة عن “مخصّص”.

ويقوم هذا المخصّص بعملية تحديد الفعل وزمانه وكيفية وقوعه.

وبيان ذلك ـ كما ذكرناه سابقاً ـ :

من يمتلك القدرة يكون بين أمرين:

1 ـ إجراء القدرة (ترجيح جانب الفعل).

2 ـ عدم إجراء القدرة (ترجيح جانب الترك).

ويقتضي إجراء القدرة إلى:

1 ـ تحديد الحالة; لأنّ الفعل يمكنه أن يتّصف بحالات كثيرة.

2 ـ تحديد الوقت; لأنّ الفعل لابدّ أن يتحقّق في وقت دون وقت.

وتخصيص الفعل بحالة دون غيرها وبوقت دون غيره يحتاج إلى مخصّص، وهذا “المخصّص” عبارة عن علمه تعالى بالفعل والوجه والوقت المشتمل على المصلحة، فيكون هذا “العلم” سبباً لصدور الفعل وتخصيصه بوجه دون وجه ووقت دون وقت، فيكون هذا “العلم” هو “الإرادة”.

تنبيهات :

1- ليس المقصود من “العلم” في هذا المقام “العلم المطلق”; لأنّ الله تعالى يعلم بعلمه المطلق كلّ شيء، ولكنّه لا يريد كلّ شيء.

وإنّما المقصود هو العلم الخاص، وهو العلم باشتمال بعض الأفعال على الخير والمصلحة.

2- لا يخفى بأنّ المصلحة التي تدعو الله إلى الفعل ترجع إلى العباد ولا ترجع إلى الله عزّ وجلّ، لأنّ الله تعالى غني بالذات، وهو منزّه عن الاحتياج.

3- تكون الإرادة ـ وفق هذا المعنى ـ من صفات الله الذاتية; لأنّ مرجعها هو “العلم”، والعلم من صفات الله الذاتية، فتكون الإرادة من صفات الله الذاتية(1).

____________

1- انظر: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث الرابع، ص 89 .

الأنوار الجلالية، مقداد السيوري: الفصل الأوّل، ص 89 .

الصفحة 263

4- يعود سبب القول بهذا المعنى إلى الهروب من توصيف الله بأمر حادث يستلزم الفعل والانفعال كما هو الحال في الإرادة الإنسانية.

مناقشة الرأي الثاني (تفسير الإرادة بالعلم) :

1- لا يوجد شك في أنّ الله تعالى عالم بذاته وعالم بالأفعال التي يؤدّي فعلها إلى فعل الأصلح والأنفع، ولكن تفسير الإرادة بالعلم يؤدّي إلى إنكار حقيقة الإرادة، ويؤدّي إلى القول بأنّ الله تعالى موجود غير إرادي يعمل وفق البرمجة المسبقة الكامنة في ذاته، والله تعالى منزّه عن ذلك(1).

2- الإرادة صفة مخصّصة لأحد المقدورين، أي: الفعل والترك. وهذه الصفة مغايرة للعلم.

دليل ذلك :

مفهوم “العلم” يختلف عن مفهوم “الإرادة”(2).

والعلم على رغم كونه مخصّصاً لأحد الطرفين، ولكن لا يصح تسميته بالإرادة وإن اشترك مع الإرادة في النتيجة، وهي تخصيص الفاعل قدرته بأحد الطرفين.

لأنّ الاشتراك في النتيجة لا يوجب أن يقوم “العلم” مقام “الإرادة”.

وما يمكن قوله:

إنّ العلم من الأمور القريبة للإرادة.

والإرادة من الأمور القريبة للفعل(3).

3- سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): لم يزل الله مريداً؟ فقال(عليه السلام): “إنّ

____________

1- انظر: الإلهيات، محاضرات، جعفر سبحاني، بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 1 / 169.

2- أشار العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي إلى هذه الحقيقة بأنّنا إذا أردنا توصيفه تعالى بالإرادة ـ بعد تجريدها من النقائص ـ فلا يمكننا تطبيقها على علمه تعالى; لأنّ ماهية وحقيقة العلم غير ماهية الإرادة.

انظر: نهاية الحكمة، العلاّمة محمّد حسين الطباطبائي: المرحلة الثانية عشر، الفصل الثالث عشر: في قدرة الله تعالى، ص 263.

3- انظر: الإلهيات، محاضرات، جعفر سبحاني: بقلم: حسن محمّد مكي العاملي: 1 / 169.

الصفحة 264

المريد لا يكون إلاّ لمراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً ثمّ أراد”(1).

ويدل هذا الحديث بصورة واضحة على أنّ “الإرادة” غير “العلم” و “القدرة”.

4 ـ سأل أحد الأشخاص الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

“علم الله ومشيئته هما مختلفان أو متّفقان؟ فقال(عليه السلام): العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول: سأفعل كذا إن شاء الله، ولا تقول: سأفعل كذا إن علم الله، فقولك: إن شاء الله دليل على أنّه لم يشأ فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء. وعلم الله سابق للمشيئة”(2).

تنبيه :

لا يصح القول بأنّ حقيقة “إرادة الله” نفس “علم الله” بذريعة أنّ صفات الله الذاتية عين ذاته.

دليل ذلك :

ليس المقصود من كون صفات الله الذاتية عين ذاته إرجاع مفهوم كلّ واحدة من هذه الصفات إلى الأخرى، وأن يقال ـ على سبيل المثال ـ علمه قدرته، وقدرته حياته و … ; لأنّ لازم ذلك إنكار جميع هذه الصفات، بل المقصود إثبات حقيقة بسيطة اجتمعت فيها الحياة والعلم والقدرة من دون أن يحدث في الذات تكثّر وتركّب(3).

النتيجة :

الإرادة صفة غير العلم،: وهي صفة زائدة على ذاته تعالى.

الرأي الثالث حول معنى إرادة الله لأفعال نفسه : تفسير الإرادة بالخلق والإيجاد

إرادة الله لشيء تعني نفس عملية الخلق والإيجاد لذلك الشيء.

فعندما نقول: أراد الله شيئاً، أي: خلقه وأوجده.

____________

1- الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب: الإرادة أنّها من صفات الفعل، ح 1، ص 109.

2- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 11، ح 16، ص 142. الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب: الإرادة أنّها من صفات الفعل، ح 2، ص 109.

3- انظر: معارف القرآن، الجزء الأوّل: في معرفة الله، محمّد تقي المصباح، تعريب: محمّد عبدالمنعم الخاقاني: إرادة الله وكلامه، ص 165.

الصفحة 265

وعندما نقول: أراد الله كذا ولم يرد كذا، أي: فعل كذا ولم يفعل كذا(1).

قال تعالى: { إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [ النحل: 85 ](2)

قال الشيخ المفيد: “إنّ إرادة الله تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله،… وبهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمّد”(3).

حديث شريف :

قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل. وأمّا من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غير ذلك; لأنّه لا يروّي(4) ولا يهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي من صفات الخلق.

فإرادة الله هي الفعل لا غير ذلك.

يقول له: كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان، ولا همّة، ولا تفكّر، ولا كيف لذلك، كما أنّه بلا كيف”(5).

الآيات القرآنية المشيرة إلى إرادة الله التكوينية :

1 ـ { إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } [ يس: 82 ]

2 ـ { إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } [ النحل: 40 ]

3 ـ { وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له } [ الرعد: 11]

4 ـ { إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن

____________

1- انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج 1، القول في المريد، ص 83 .

2- تنبيه: ليس المقصود من هذه الآية أنّه تعالى يخاطب شيء غير موجود، بل الآية من باب المجاز، والمقصود أنّه تعالى إذا أراد شيئاً فإنّ هذا الشيء سيوجد بسهولة ومن دون أي مانع أو تأخير.

انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: ج 1، فصل مما ورد في القرآن في هذا المعنى، ص 57 ـ 58.

3- أوائل المقالات، الشيخ المفيد: القول (19): القول في الصفات، ص 53.

4- روّى في الأمر: نظر فيه وتفكّر.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 11، ح 17، ص 142.

الصفحة 266

ممسكات رحمته } [ الزمر: 38 ]

5-  { قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً } [ المائدة: 17 ]

الآيات القرآنية المشيرة إلى إرادة الله التشريعية :

-{ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم } [ الأنفال: 67 ]

– { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً } [ النساء: 27 ]

أقسام إرادة الله التكوينية :

1 ـ زمن صدور الإرادة وتحقّقها واحد

أي: تصدر الإرادة الآن لتتحقّق في نفس وقت صدورها. (ومعنى صدورها نفس تحقّقها في الواقع الخارجي).

مثال ذلك قوله تعالى: { إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } [ يس: 82 ]

2 ـ زمن صدور الإرادة وتحقّقها مختلف

أي: تصدر الإرادة الآن لتتحقّق في المستقبل. (ومعنى صدورها تسجيلها في اللوح المحفوظ أو لوح المحو والإثبات)

وتنقسم هذه الإرادة إلى قسمين:

1- إرادة حتم (الإرادة الحتمية): وهي الإرادة التي لا يطرء عليها تغيير، ولابدّ من تحقّقها في المستقبل.

2- إرادة عزم (الإرادة غير الحتمية): وهي الإرادة التي قد يطرء عليها تغيير، فيعتريها البداء ولا تتحقّق في المستقبل(1).

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): “إنّ لله إرادتين: إرادة حتم وإرادة عزم، إرادة حتم لا تخطىء،

____________

1- للمزيد راجع في هذا الكتاب: الفصل الثالث عشر، المبحث الرابع والثامن.

الصفحة 267

وإرادة عزم تخطىء وتصيب(1)…”(2).

____________

1- أي: إرادة عزم قد لا تقع وقد تقع .

2- بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج 5، ب 3، ح 73، ص 124.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون