المتفرقة » المقالات » المتفرقة »

مصداقية جائزة نوبل

(جائزة نوبل) هي جائزة مالية ضخمة خصصها أحد العباقرة الراحلين وهو الكيميائي السويدي (الفرد نوبل) فقد كون ثروة أسطورية بسبب هذه المتفجرات التي أخترعها وقد حصدت مئات الآلاف من الأبرياء في الحروب، ولهذا أراد أن يكفر عن ذنبه، فخصص جميع ثروته كجوائز تمنح لأي إبداع مميز في العالم يأتي بشئ جديد في العلوم والآداب والطب وكل نواحي الحياة طالما كان إبداعه طريقاً لرفاهية الشعوب ورفعة الإنسانية وهدفاً لتحقيق السلام العالمي. وقيل إن السبب فيما فعله نوبل من حصر ثروته في هذا الاتجاه هو أنه أحب سكرتيرته ورغب الزواج منها لكنها رفضته معلنة صراحة أنه عدو البشرية لأنه اخترع هذه المتفجرات.
هذه القيم التي ينادي بها دعاة الحضارة والرقي من عدالة وحرية ومساواة اتضح أنها تكيل بمكيالين، فهي أول من انتهك حقوق الإنسان وحريته إذ هيمنت القوى الكبرى على الدول الصغرى وصادرت حرياتها وحقوقها، ومن هنا ليس ثمة حكم نزيه يمكن أن يعتمد عليه في التقييم والاختيار، فاللجنة التي تشرف على توزيع الجوائز تنساق وراء تيارات لها توجهات سياسية معروفة وهي التي تلعب دور كبير في اختيار أسماء الفائزين والدليل على عدم مصداقيتها رفض ((جان بول سارتر)) فيلسوف الوجودية الفرنسي استلام هذه الجائزة عام (۱۹۶۴) لأن اللجنة غير نزيهة وغير عادلة، كذلك رفض استلام الجائزة ولنفس الأسباب الكاتب والأديب الروسي ((بوريس باسترناك)) حينما فاز عام (۱۹۵۸)، وقلة من المبدعين ممن أدركوا اللعبة السياسية وما وراء هذه الجوائز والأوسمة.
ففي عالمنا العربي حيث ملتقى الروائيين العرب في القاهرة عام (۲۰۰۳) يصدح صوتاً نزيهاً هو الروائي المصري ((صنع الله إبراهيم)) محتجاً على عصر الانحطاط والتدهور، رغم ترشحه للجائزة الأدبية أعلن صراحة وبكل جرأة ما قيمة الإبداع في عالم سلم قياده للعدو، وأين هي الكرامة عندما يموت ضمير الأمة فتنصاع إلى جلادها بإذعان وذل، جرح في قلب المثقف لن تستطيع كل جوائز الدنيا أن تطيبه، هذا الأديب الفذ قفز بكل شجاعة على المنصة ليعلن احتجاجه على سياسية التطبيع مع إسرائيل، إنه الموقف الذي حفظ ماء وجه الثقافة العربية.
فالتغيير يحتاج إلى مبادرة وأتت مبادرة صنع الله هزة في ضمائر الكتاب والأدباء. إذ لا يمكن أن نفصل الضمير عن العبقرية فإن فصلهما يعني دمار الإنسانية.
ليس مهماً حصد الجوائز والأوسمة، بل الأهم قيمة العطاء النافع الذي يرتقي بالبشرية، يقول ((طاغور)) الفيلسوف والأديب الهندي في كتابه (قطاف الفواكه): عمل الأديب المبتكر يشبه عمل النحلة، إن النحلة تطوف بمختلف ألوان الزهور وتمتص رحيقها، وقد يكون بين رحيق بعض الزهور ما هو شديد المرارة في مذاقه ولكنها لا تلبث أن تحول كل ذلك إلى شهد حلو عذب المذاق لا علاقة له بمذاق ذلك الرحيق الذي امتص كل زهرة.
فقد أحب ((طاغور)) مهنة التدريس وكان يفعل ذلك دون أي أجر مادي أو طمعاً في جائزة، ولم تكن جائزة نوبل ذات قيمة في معاييره، هذا هو السمو الفكري الذي يصل إليه المثقف عندما يؤمن برسالته، جائزة نوبل بدأت تكشف عن نواياها عاما بعد عام إذ ففقدت مصداقيتها بالنسبة للشرفاء، كترشيح المحامية الإيرانية (شيرين) لجائزة نوبل إذ يعرف الجميع خلفية هذه الشخصية والفبركة الواضحة التي نسجت خيوطها أصابع الغرب بشكل درامي يستفز العالم، فهذه المرأة كانت أداة لتنفيذ مآرب المعارضين للنظام الإيراني وجاءت جائزة نوبل كدعم كبير لمبادئها المزيفة.
أفق يا نوبل من موتك لتعلم أن الجائزة لم تكفّر عن ذنبك، فهناك انفجارات في قيم الإنسان أفتك من البارود وأشد من الألغام.

الكاتبة: خولة القزنيني