imam_ali_wallpapers-normal-450x353

معانات الإمام علي(ع) وأهل بيته من معاوية

سخَّر معاوية جميع أجهزته للحطِّ من قيمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم وديعة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والعصب الحساس في هذه الأمة .

وقد استخدام أخطر الوسائل في محاربتهم ، وإقصائهم عن واقع الحياة الإسلامية ، وكان من بين ما استخدمه في ذلك ما يلي :

أولاً : تسخير الوعاظ

فسخَّر معاوية الوعاظ في جميع أنحاء البلاد ، لِيحوِّلوا القلوب عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويذيعوا الأضاليل في انتقاصهم تدعيماً للحكم الأموي .

ثانياً : استخدام معاهد التعليم

واستخدم معاوية معاهد التعليم وأجهزة الكتاتيب لتغذية الناشئين بِبُغضِ أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وخلق جيل مُعادٍ لَهُم .

وقد قامت تلك الأجهزة بدور خطير في بَثِّ روح الكراهية في نفوس الناشئين لِعِترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

ثالثاً : افتعال الأخبار

وأقام معاوية شبكة لوضع الأخبار ، وكانت تعد من أخطر الشبكات التخريبية في الإسلام .

فعهد إليها بوضع الأحاديث على لِسَان النبي ( صلى الله عليه وآله ) لِلحَطِّ من قيمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

أما الأعضاء البارزون الذين سخَّرهم معاوية في تلك الشبكات التخريبية فهم :

۱ – أبو هريرة الدُّوسي .

۲ – سمرة بن جندب .

۳ – عمرو بن العاص .

۴ – المغيرة بن شعبة .

وقد افتعلوا آلاف الأحاديث على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وقد كانت عِدَّة طوائف مختلفة ، وذلك بحسب التخطيط السياسي للدولة ، هي :

الطائفة الأولى

وضع الأخبار في فضل الصحابة ، لجعلهم قِبَال أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد عَدَّ الإمام الباقر ( عليه السلام ) أكثر من مِائة حديث منها :

۱ – ( إنَّ عُمَر مُحدَّث ) ، – بصيغة المفعول – ، أي : تُحدِّثُه الملائكة .

۲ – إن السَّكِينة تُنطق على لِسان عُمر .

۳ – إنَّ عُمَر يُلقِّنُه المَلَك .

۴ – إن المَلائكة لَتَستحي من عُثمان .

كما وضعوا في فضل الصحابة الأحاديث المماثلة للأحاديث النبوية في فضل العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) ، مثلاً : ( إنَّ سيدَي كُهول أهل الجنة أبو بكر وعمر ) .

وقد قال ( صلى الله عليه وآله ) عن الحسن والحسين ( عليهما السلام ) : ( الحَسن والحُسَين سيدا شباب أهل الجنة ) .

الطائفة الثانية

وضع الأخبار في ذمِّ العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) ، والحطِّ من شأنها .

فقد أعطى معاوية سمرة بن جندب أربع مِائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام ، ويروي لهم أن الآية الكريمة نزلت في الإمام علي ( عليه السلام ) ، وهي قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ) البقرة ۲۰۴ – ۲۰۵ .

فروى لهم سمرة ذلك ، وأخذ العِوَض الضخم من بيت مال المسلمين .

ومِمَّا رووا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال في آل أبي طالب : ( إن آل أبي طالب ليسوا بأولياء لي ، إنما وليِّي اللهُ وصالحُ المؤمنين ) .

وروى الأعمش أنه لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ( سنة ۴۱ هـ ) جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جَثَا على ركبتيه ، ثم ضرب صَلعته مراراً ، وقال : ( يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأحرق نفسي بالنار ؟!! لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول :

( إنَّ لكل نبيٍّ حَرماً ، وإِنَّ حَرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيهما حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأشهد بالله أن عَلياً أحدث فيها ) ، فلما بلغ معاوية قوله ، أجازه وأكرمه ، وولاَّه إمارة المدينة .

إلى كثير من أمثال هذه الموضوعات التي تقدح في العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) التي هي مصدر الوعي والإحساس في العالم الإسلامي .

الطائفة الثالثة

افتعال الأخبار في فضل معاوية ، لمحو العار الذي لحقه ولحق أباه وأسرته في مناهضتهم للإسلام .

وإخفاء ما أُثِر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذَمِّهم ، وهذه بعض الأخبار المفتعلة :

۱ – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( معاوية بن أبي سفيان أحْلَم أُمَّتي وأجودها ) .

۲ – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( صاحبُ سِرِّي معاوية بن أبي سفيان ) .

۳ – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللَّهُمَّ عَلِّمهُ الكتاب – يعني معاوية – ، وقِهِ العذاب ، وأدخله الجنة ) .

۴ – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه ، فإنه أمين هذه الأمة ) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة ، التي تعكس الصراع الفكري ضد الإسلام عند معاوية ، وأنه حاول جاهداً مَحْو هذا الدين والقضاء عليه .

وقد امتُحِن المسلمون امتحاناً عسيراً بهذه الموضوعات التي دُوِّنت في كتب السنة ، وظنَّ الكثيرون من المسلمين أنها حق .

فأضفوا على معاوية ثوب القداسة ، وألحقوه بالرعيل الأول من الصحابة المتحرِّجين في دينهم ، وهم من دون شَكٍّ لو علموا واقعها لتبرَّؤوا منها ، كما يقول المدايني .

ولم تقتصر الموضوعات على تقديس معاوية والحطِّ من شان أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وإنما تدخلت في شؤون الشريعة ، فأُلصقت بها المتناقضات والمستحيلات ، مِمَّا شوَّهت الواقع الإسلامي ، وأفسدت عقائد المسلمين .

سَبّ الإمام علي ( عليه السلام )

وتمادى معاوية في عدائه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأعلَنَ سَبَّه ولعنه في نواديه العامة والخاصة ، وأوعز إلى جميع عُمَّاله وولاته أن يذيعوا سَبَّه بين الناس .

وسرى سَبُّ الإمام ( عليه السلام ) في جميع أنحاء العالم الإسلامي .

وقد خطب معاوية في أهل الشام فقال لهم : ( أيها الناس ، إن رسول الله قال لي : إنك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدَّسة – يعني الشام – ، فإن فيها الأبدال ، وقد اخترتكم ، فالعنوا أبا تراب ) .

وعجَّ أهل الشام بِسَبِّ الإمام ( عليه السلام ) .

وخطب أيضاً في أولئك الوحوش فقال لهم : ( ما ظنكم برجل – يعني : علياً – لا يصلح لأخيه – يعني : عقيلاً – ، يا أهل الشام ، إن أبا لهب المذموم في القرآن هو عم علي بن أبي طالب ) .

ويقول المؤرخون : إنه كان إذا خطب ختم خطابه بقوله : ( اللَّهم إن أبا تراب أَلْحَدَ في دينك ، وصَدَّ عن سبيلك ، فالعنه لعنا وبيلاً ، وعَذِّبه عذاباً أليما ) .

وكان يُشاد بهذه الكلمات على المنابر ، ولما ولي معاوية المغيرة بن شعبة إمارة الكوفة كان أهم ما عهد إليه أن لا يتسامح في شتم الإمام ( عليه السلام ) ، والترحُّم على عثمان ، والعيب لأصحاب علي وإقصائهم .

وأقام المغيرة والياً على الكوفة سبع سنين ، وهو لا يدع ذمُّ علي ( عليه السلام ) والوقوع فيه .

وقد أراد معاوية بذلك أن يصرف القلوب عن الإمام ( عليه السلام ) ، وأن يحول بين الناس وبين مبادئه التي أصبحت تطارده في قصوره ، لأن مبادئه ( عليه السلام ) في الحكم ، وآراءه في السياسة ، كانت تنغِّصُ عليه – على معاوية – في موته ( عليه السلام ) ، كما كانت في حياته ( عليه السلام ) .

لقد عادت اللَّعَنات التي كان يَصبُّها معاوية وولاته على الإمام بإظهار فضائله ، فقد برز الإمام ( عليه السلام ) للناس أروع صفحة في تاريخ الإنسانية كلّها .

وظهر للمجتمع أنه المنادي الأول بحقوق الإنسان ، والمؤسس الأول للعدالة الاجتماعية في الأرض .

وقد انطوت السنون والأحقاب ، واندكَّت مَعالم تلك الدول التي ناوئت الإمام ( عليه السلام ) ، سواء أكانت من بني أمية ، أم من بني العباس ، ولم يبق لها أثر .

وبقى الإمام ( عليه السلام ) وحده قد احتلَّ قمة المجد ، فها هو رائد الإنسانية الأول ، وقائدها الأعلى .

وإذا بحكمه ( عليه السلام ) القصير الأمد يصبح طغراء في حكام هذا الشرق .

وإذا بالوثائق الرسمية التي أُثِرت عنه ( عليه السلام ) تصبح مناراً لكل حكم صالح ، يستهدف تحقيق القضايا المصيرية للشعوب .

وإذا بحكم معاوية أصبح رمزاً للخيانة ، والعَمَالة ، ورمزاً لاضطهاد الشعوب واحتقارها .

ستر فضائل أهل البيت ( عليهم السلام )

وحاول معاوية بجميع طاقاته حجب فضائل آل البيت ( عليهم السلام ) ، وستر مآثرهم عن المسلمين ، وعدم إذاعة ما أُثِر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في فضلهم .

يقول المؤرخون : إنه بعد عام الصلح حَجَّ معاوية بيت الله الحرام ، وإلتقى عبد الله بن عباس وقال له : إنا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته ، فَكُفَّ لسانك يا بن عباس .

فانبرى ابن عباس بفيض من منطقه وبليغ حُجَّته ، يُسدِّد سهاماً لمعاوية قائلاً : فتنهانا عن قراءة القرآن ؟

قال معاوية : لا .

فقال ابن عباس : فتنهانا عن تأويله ؟

قال معاوية : نعم .

فقال ابن عباس : فنقرأه ولا نسأل عَمَّا عنى اللهُ به ؟

قال معاوية : نعم .

فقال ابن عباس : فأيهما أوجب علينا ، قراءته أو العمل به ؟

قال معاوية : العمل به .

فقال ابن عباس : فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟

قال معاوية : اقرأوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً مما أنزل الله فيكم ، ومما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيكم ، وارووا ما سوى ذلك .

فسخر منه ابن عباس ، وتلا قوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) التوبة ۳۲ .

وصاح به معاوية : ( اكفني نفسك ، وكفَّ عنِّي لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سِراً ، ولا تُسمِعُه أحداً علانية ) .

ودلَّت هذه المحاورة على عمق الوسائل التي اتَّخذها معاوية في مناهضته لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وإخفاء مآثرهم ، حتى بلغ الحقد به على الإمام ( عليه السلام ) أنه لما ظهر عمرو بن العاص بِمِصر على محمد بن أبي بكر وقتله ، استولى على كُتُبه ومذكَّراته ، وكان من بينها عهد الإمام له ، وهو من أروع الوثائق السياسية ، فرفعه ابن العاص إلى معاوية ، فلما رآه قال لخاصَّته :

( إنا لا نقول هذا من كتب علي بن أبي طالب ، ولكن نقول : هذا من كتب أبي بكر التي كانت عنده ) .

التحرُّج من ذكر الإمام ( عليه السلام )

وأسرف الحكم الأموي إلى حَدٍّ بعيد في محاربة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقد عهد بقتل كل مولود يُسمَّى عَلياً ، فبلغ ذلك علي بن رياح فخاف ، وقال : لا أجعل في حِلٍّ من سَمَّاني عَلياً ، فإن اسمي : عُلِي – بضم العين – .

ويقول المؤرخون : ( إن العلماء والمحدِّثين تحرَّجوا من ذكر الإمام علي ( عليه السلام ) والرواية عنه ، خوفاً من بني أمية ، فكانوا إذا أرادوا أن يرووا عنه يقولون : روى أبو زينب ) .

وروى معمر ، عن الزهري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنَّ الله عزَّ وجلَّ منع بني إسرائيل قطر السماء لسوء رأيهم في أنبيائهم ، واختلافهم في دينهم ، وإنه أخذ على هذه الأمة بالسنين ، ومنعهم قطر السماء ببغضهم علي بن أبي طالب ) .

قال معمر : حدثني الزهري في مَرْضَةٍ مَرِضَها ، ولم أسمعه يحدث عن عكرمة قبلها ولا بعدها ، فلما أبل من مرضه ندم على حديثه لي ، وقال :

يا يماني ، أكتم هذا الحديث واطوِهِ دوني ، فإن هؤلاء – يعني بني أمية – لا يعذرون أحداً في تقريض علي وذكره .

هذه بعض المِحَن التي عاناها المسلمون في مَوَدَّتِهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، التي هي جزء من دينهم .