المتفرقة » المقالات » السيرة »

معجزة اسمها زينب( س)

تعالوا أولاً نتصور المشهد التالي:

حاكم ظالم متجبر يحمل سوطاً يتوسط مجلسه في قصر الامارة في الشام، وقد التف حوله عدد كبير من الجلاوزة لحمايته وتقديم ما لذّ وطاب من الطعام والشراب، له ولضيوفه من مندوبين اجانب ووزراء ومسؤولين في الدولة، بانتظار ان يستعرض انتصاراته العسكرية الباهرة التي حققها في العراق على فئة صغيرة من الرجال والشباب والصغار..

في الاثناء، يدخل ركب من السبايا، يتالف من مجموعة من النساء والاطفال، ومعهم رجل مريض انهكته (الجامعة) التي طوقت يديه ورجليه، مشدودة الى رقبته النحيفة.

في الركب إمرأة تسمى زينب بنت علي بن ابي طالب بنت فاطمة الزهراء بنت محمد بن عبد الله رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فجأة ومن دون سابق انذار، اذا بهذه المراة تنتفض واقفة بشموخ وهيبة امام (الحاكم) المنتصر وجميع الحضور، تخاطبه من دون استئذان، قائلة: بعد ان ذكرت الله تعالى وحمدته وصلت على رسول الله وآل بيته الكرام الطيبين الطاهرين، وتلت الاية الكريمة ﴿ثم كان عاقبة الذين اساؤوا السوءا ان كذبوا بايات الله وكانوا بها يستهزؤون﴾:

“أظننت يا يزيد حين اخذت علينا اقطار الارض وآفاق السماء، فاصبحنا نساق كما تساق الاسارى، أن بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وان ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بانفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حين رايت الدنيا لك مستوسقة والامور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا، أنسيت قول الله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا انهما نملي لهم خير لانفسهم، انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين﴾”؟ لتنزل هذه الكلمات، كالصاعقة التي احرقت عرش الظالم ودمرت كبرياءه.

والى هنا تكون زينب قد تحدت الحاكم في عقر داره مرتين، وامام مرأى ومسمع ضيوفه واركان دولته، المرة الاولى عندما تحدثت قبل ان تستأذنه، والثانية عندما خاطبته باسمه من دون ان تسبقه باية صفة من تلك الصفات التي يسطرها المتحدثون عادة في مجالس الحكام، خاصة مجالس الطغاة، وعلى وجه الخصوص عندما يكونون في موقف المنتصر عسكرياً في معركة او حرب ما، لاستدرار نظرة عطف من الحاكم لهم، فيغدق عليهم بصرة من مال او منصب في الدولة او ما اشبه.

اما زينب المنتصرة، فليست من هذه النماذج ابدا، واقول منتصرة ليس بالسيف او في ساحة المعركة ابدا، وانما تمثل انتصارها بقول كلمة حق عند سلطان جائر، وتلك هي قمة الانتصار، فعندما يتجلد المرء بالصبر عند الهزيمة المادية، ولا ينحني للظالم او ينكسر امامه، ولا يخضع له، ويظل رابط الجاش شجاعا لا تهزه المحن، عندها سينزل بخصمه اشد الهزيمة وان بدا منتصرا عليه، فالنصر لا يقاس بمساحة الارض التي يستولي عليها (المنتصر)، كما ان الهزيمة لا تقاس بعدد الرؤوس التي تتطاير في ساحة المعركة، انما يقاس النصر والهزيمة بما تصيب المعركة من الارادة، فاذا ثبتت ولم تتزعزع، ظل المرء منتصرا حتى اذا خسر كل شئ في ساحة المعركة، وتلك هي هزيمة النظام السياسي الاموي على يد زينب بنت علي (عليهما السلام) حفيدة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وهل غير زينب شهد لها التاريخ بمثل هذا الموقف البطولي الرائع؟

هل سمعتم بامراة قتل اهل بيتها وانصارها في ساحة المعركة، ثم تساق اسيرة مكبلة بالسلاسل مع مجموعة من النساء والاطفال، بالاضافة الى ابن اخ لها كان مريضا، ثم تقف في مجلس الحاكم المتجبر غير خائفة ولا مترددة ولا مرتعدة ولا متعتعة، لتخاطبه من دون استئذان وبلا القاب، بلسان عربي فصيح وبلاغة لغوية ليس لها مثيل، وبشموخ واباء علويين؟

لقد لخصت زينب محتوى كلمتها بمنطوق الآية التي افتتحت بها خطبتها البليغة، فلقد قالت للطاغوت بهذه الاية، بانك فعلت منكراً فكذبت بآيات الله تعالى واستهزأت بها.

انها استنكرت فعلته الشنيعة بلا جدال، لان سلاحها كان اليقين، اما سلاح الطاغوت فقد كان الكفر والاستهزاء.

بعد ذلك، نبهته ومن يستمع لها او يقرا خطابها الى يوم الدين، الى حقيقة في غاية الاهمية، وهي ان (الانتصار) ليس دليلا على احقية صاحبه، كما ان الهزيمة ليست دليلا على بطلان دعوة صاحبها، وانما مقياس الحق والباطل هو العاقبة ومنقلب الانسان، فـ “الاعمال بخواتيمها” كما في الحديث النبوي الشريف.

ان الناس عادة ما ينظرون الى الامور بشكل سطحي، فلا يتعمقون بالعواقب وما تؤول اليه الامور، ولذلك نرى اكثرهم يقفون مع المنتصر والفائز، بغض النظر عن جوهر الانتصار والفوز، ومن دون البحث في حقيقته، ولذلك فان الطغاة يشيعون دائما وراء كل فوز او انتصار بان ذلك دليل على انهم على حق، وان ما حققوه من انتصار على (العدو) كان من الله، ليوهموا الناس بانهم يضربون بسيف الله ويحكمون بارادة الله، ولذلك فهم ظل الله في الارض، فهل يحق لاحد بعد كل هذه الادلة والبراهين ان يخرج عليهم بقول او فعل؟

انهم يحصنون سلطتهم الباطلة بمثل هذه التوصيفات، لتخدير الناس ليناموا على طول اللدم، ليصل اليهم طالبهم.

إن الطاغوت يبذل عادة كل جهد ممكن من اجل خداع الناس وتضليلهم، من اجل اقناعهم باحقية موقفه وقراره في كل الاحوال، ولذلك تختلط المفاهيم والعبارات عند الناس وهم يستمعون الى اعلام الطاغوت.

ان دعاية الطاغوت تخلط الاوراق في عقول الناس، من اجل ان تقلب المفاهيم والمعاني، اذا بسبط الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) يتحول الى خارجي، وبنت الرسالة الى امة، والحق باطلا، وشارب الخمر وقاتل النفس المحترمة واللاعب بالقرود الى امير للمؤمنين، ثم تقلب الدعاية الهزيمة الى نصر والنصر الى هزيمة وهكذا، وكل ذلك من اجل تضييع الحقائق بعد الاستخفاف بعقول الناس.

إذن، ليس كل منتصر له كرامة عند الله تعالى، كما انه ليس كل مهزوم له هوانا عليه (سبحانه وتعالى) ابدا، فلقد قتل الانبياء والرسل والصالحين والاولياء على مدى تاريخ البشرية، وقتل قابيلُ هابيلَ، كما انتصر الطغاة الجبابرة والقتلة والمجرمين والحكام الظالمين، فماذا كانت النتيجة؟ هل يعقل ان نقول بان الضحايا كانوا دوما اهون على الله تعالى من الطغاة والجبابرة؟ بالتاكيد كلا والف كلا!

ثم تستمر زينب (سلام الله عليها) في خطبتها فتقول: “أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك واماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا”؟

لقد نبهت زينبُ الطاغيةَ والمستمعين ممن غسلت عقولهم ماكينة الدعاية الاموية، من ان هذا الذي تحدثه ليس الا طليق وابن طليق، ولذلك لا يحق له ان يجلس في هذا المكان، وان وجوده الان على مقعد الرئاسة خلاف كل الاعراف والمواثيق الدينية والدنيوية، في محاولة منها للكشف عن الحقائق الدامغة التي يعنيها ان يكون طاغية مثل يزيد حاكماً للمسلمين.

ثم تكرر المفهوم بقولها: “ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء”.

ثم تختتم خطبتها بقسم نطقت به على لسان الوحي، فظل خالدا ابد الدهر، وكانها تقرا المستقبل ليس المنظور ابدا، وانما الممتد الى يوم القيامة، بقولها: “فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند، وايامك الا عدد، وجمعك الا بدد؟ يوم ينادي المنادي الا لعنة الله على الظالمين”.

انه كقسم ابيها امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) عندما ضربه المجرم بسيفه المسموم في محراب الصلاة في مسجد الكوفة، قائلاً: “فزت ورب الكعبة”، وهل تجرؤ غير زينب ابنة علي ان تقسم بهذا الشكل؟ الا تخاف ان يكذبها الزمن؟ الا تخشى ان يطمس الطغاة ذكر الحسين السبط فيفتضح قسمها؟ الا يعني انها كانت واثقة جداً مما تقول، من دون تردد او خوف او احتمال؟ الا يعني انها كانت في تلك اللحظة في قمة الثقة بالله تعالى واليقين بوعده، لدرجة لو كشف لها الغطاء في تلك اللحظة لما ازدادت يقينا؟

والآن؛ ألا تتفقون معي كون زينب (عليها السلام) معجزة؟

الكاتب: نزار حيدر