معرفة-اللّه-تعالى

معرفة اللّه تعالى

المبحث الأوّل: وجوب معرفة الله تعالى

أدلة وجوب معرفة الله تعالى :(1)

1 ـ وجوب دفع الضرر.

معرفة الله تعالى تزيل من الإنسان الخوف المحتمل والمُعتد به من استحقاق العقاب والحرمان من الثواب الذي بيّنه الأنبياء على مرّ العصور. وكلّ ما يؤمّل به زوال الخوف المُعتد به فهو واجب. فلهذا يثبت وجوب معرفة الله تعالى.

2 ـ وجوب شكر المنعم.

لا يأمن الإنسان ـ كما بيّن الأنبياء على مرّ العصور ـ أن يكون له صانعاً أخرجه من العدم إلى الوجود، وأنعم عليه بختلف النعم.

وبما أنّ شكر المنعم واجب، فلهذا تجب معرفة هذا المنعم; لأنّه لا يتم هذا الشكر إلاّ بعد معرفة المنعم.

تنبيه :

معرفة الله أمر فطري، أي: الدافع لمعرفة الله في وجود الإنسان غير شعوري، والإنسان يمتلك في أعماق وجوده دافعاً ذاتياً يحفّزه على معرفة الله عزّ وجلّ.

____________

1-  انظر: المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الثاني، البحث الرابع، ص 97 ـ 98.

الصفحة 41

المبحث الثاني: عجز الحواس عن معرفة الله تعالى

المقدّمة الأولى: الحواس والأدوات التجريبية مختصة بمعرفة ما هو في دائرة عالم المادة فقط.

المقدّمة الثانية: الله تعالى ـ كما سنثبت ـ منزّه عن عالم المادة.

النتيجة: لا تستطيع الحواس والأدوات التجريبية أن توصل الإنسان مباشرة إلى معرفة الله تعالى(1).

أحاديث لأهل البيت(عليهم السلام) حول عجز الحواس عن معرفة الله تعالى :

1 ـ قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “تعجز الحواس أن تدركه”(2).

2 ـ قال الإمام الحسين(عليه السلام): “لا يدرك بالحواس… معروف بالآيات موصوف بالعلامات”(3).

3 ـ قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) حول الله تعالى: “لا يدرك بالحواس… فكلّ شيء حسّته الحواس… فهو مخلوق”(4).

7 ـ جاء في حوار جرى بين الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) وأحد الزنادقة حول إثبات وجود الله تعالى:

قال الزنديق: إنّي لا أرى حواسّي الخمس أدركته [ أي: أدركت الله تعالى ]، وما

____________

1- تنبيه: إنّ الحواس عاجزة عن إثبات وجود الله تعالى بصورة مباشرة، ولكن يمكن الاستعانة في هذا المجال بصورة غير مباشرة، وذلك عن طريق معرفة النظام المهيمن على هذا العالم عن طريق الحواس، ومن ثمّ الاستنتاج عن طريق العقل بوجود منظّم حكيم وراء هذا النظام الدقيق.

2-الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، كتاب التوحيد، باب جوامع التوحيد، ح 3، ص 138.

3- التوحيد، الشيخ الصدوق، باب 2، ح 35، ص 78.

4-التوحيد، الشيخ الصدوق، باب 2، ح 17، ص 59.

الصفحة 42

لم تدركه حواسّي فليس عندي بموجود!

قال الإمام الصادق(عليه السلام): “إنّه لمّا عجزت حواسّك عن إدراك الله أنكرته، وأنا لمّا عجزت حواسي عن إدراك الله تعالى صدّقت به”.

ثمّ بيّن الإمام الصادق(عليه السلام) بأنّ الحواس لا تدرك إلاّ الأشياء المركبّة، والمركّب من شأنه الاحتياج إلى أجزائه، وبما أنّ الله تعالى منزّه عن الاحتياج فهو غير مركّب، فلهذا لا تستطيع الحواس إدراكه(1).

تنبيه :

ليس من حقّ المتمسّك بالأدوات المعرفية الحسية إنكار وجود الله، بل غاية ما يسعه ـ مع لحاظ كثرة المجهولات البشرية ـ هو الاعتراف بعدم العلم، والإذعان بعجز الحواس عن إثبات وجود الله تعالى.

ولهذا جاء في حوار جرى بين الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) وأحد الزنادقة:

قال الإمام الصادق(عليه السلام) للزنديق: أتعلم أنّ للأرض تحتاً وفوقاً؟!

الزنديق: نعم.

الإمام(عليه السلام): فدخلت تحتها؟!

الزنديق: لا .

الإمام(عليه السلام): فما يدريك بما تحتها؟!

الزنديق: لا أدرى إلاّ أنّي أظّن أن ليس تحتها شيء.

الإمام(عليه السلام): فالظن عجز ما لم تستيقن.

ثمّ سأل الإمام(عليه السلام) فصعدت السماء؟!

الزنديق: لا.

الإمام(عليه السلام): فتدري ما فيها؟

الزنديق: لا.

الإمام(عليه السلام): فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما؟

____________

1ـ  انظر: بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، كتاب التوحيد، باب 5، حديث الإهليلجة، ص 154.

الصفحة 43

الزنديق: لا.

الإمام(عليه السلام): فعجباً لك، لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت الأرض، ولم تصعد السماء، ولم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهنّ، وأنت جاحد ما فيهنّ، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟!

الزنديق: ما كلّمني بهذا أحد غيرك!

الإمام(عليه السلام): فأنت في شكّ من ذلك، فلعلّ هو أو لعلّ ليس هو.

الزنديق: ولعلّ ذاك.

الإمام(عليه السلام): أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم، فلا حجّة للجاهل على العالم.

يا أخا أهل مصر تفهّم عنّي، فإنّا لا نشك في الله أبداً، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ولا يشتبهان، يذهبان ويرجعان، قد اضطُرّا، ليس لهما مكان إلاّ مكانهما؟

فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلا يرجعان فلِمَ يرجعان؟!

وإن لم يكونا مضطرين فلِمَ لا يصير الليل نهاراً والنهار ليلاً؟! اضطرّا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر منهما.

الزنديق: صدقت.

الإمام(عليه السلام): يا أخا أهل مصر، الذي تذهبون إليه وتظنّونه بالوهم.

فإن كان الدهر يذهب بهم لِمَ لا يردّهم؟!

وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم؟!

القوم مضطرّون.

يا أخا أهل مصر السماء مرفوعة والأرض موضوعة.

لم لا تسقط السماء على الأرض؟

ولم لا تنحدر الأرض فوق طاقتها؟

الصفحة 44

فلا يتماسكان ولا يتماسك من عليهما.

فآمن الزنديق بوجود الله تعالى، وأقرّ بأنّ الله تعالى هو المدبّر للعالم”(1).

____________

1- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 42: باب إثبات حدوث العالم، ح4، ص 286 ـ 288.

الصفحة 45

المبحث الثالث: عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله تعالى

أدلة ذلك :

1 ـ لا يعرف العقل الأشياء إلاّ بحدود وجودها.

وبما أنّ الله منزّه عن الحدّ.

فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى.

2 ـ لا يعرف العقل الأشياء إلاّ عن طريق مقايستها مع سائر الأشياء.

والله تعالى لا يقاس بأحد; لأنّه لا مثيل له ولا شبيه.

فلهذا يستحيل على العقل معرفة كنه ذات الله تعالى(1).

3 ـ غاية ما يقدر عليه العقل هو معرفة الله عن طريق المفاهيم الذهنية.

وبما أنّ هذه المفاهيم “محدودة”، والذات الإلهية “غير محدودة”.

فلهذا يعجز العقل عن معرفة كنه الذات الإلهية(2).

تتمة :

المفاهيم الذهنية، وإن كانت عاجزة عن تبيين كنه الذات الإلهية، ولكنّها قادرة

____________

1- ولهذا قال الإمام علي(عليه السلام): “اعرفوا الله بالله”.

الكافي، الشيخ الكليني: كتاب التوحيد، باب أنّه لا يعرف إلاّ به، ح1، ص 85 .

ومعنى قوله(عليه السلام): اعرفوا الله بالله، أي: إنّ الله لا يشبه جسماً ولا روحاً. فإذا نُفي عنه الشبهين: شبهُ الأبدان وشبهُ الأرواح، فقد عرف الله بالله، وإذا شبّهه بالروح أو البدن أو النور فلم يعرف الله بالله.

انظر: المصدر أعلاه (بتصرّف يسير)، والتوحيد، الشيخ الصدوق: باب 41، ح 5، ص 281.

2- للمزيد راجع: قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثاني، البحث التاسع، ص 75 ـ 76.

الصفحة 46

على تبيين الذات الإلهية بصورة إجمالية، ومثال هذا التصوّر الإجمالي كمن يحس بحركة وراء جدار فيحكم بوجود شيء وراء ذلك الجدار.

أحاديث لأهل البيت(عليهم السلام) حول عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله تعالى :

1 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): “… لا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود”(1).

2 ـ قال الإمام الحسن بن علي(عليهما السلام): “لا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفكر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها صفته”(2).

3 ـ قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام): “إنّ الله تبارك وتعالى أجلّ وأعظم من أن… تحيط بصفته العقول”(3).

4 ـ قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): “أخطأ من اكتنهه”(4).

النهي عن التفكير في ذات الله تعالى

عجز العقل عن معرفة كنه ذات الله هو الذي أدّى إلى تأكيد أهل البيت(عليهم السلام) على التحذير من التفكير في ذات الله عزّ وجلّ، ومن هذه الأحاديث الشريفة:

1 ـ قال الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) : ” اذكروا من عظمة الله ما شئتم ولا تذكروا ذاته … “(5) .

2 ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): “تكلّموا في خلق الله، ولا تكلّموا في الله، فإنّ الكلام في الله لا يزيد صاحبه إلاّ تحيّراً”(6).

3 ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): “دعوا التفكير في الله، فإنّ التفكير في الله لا يزيد إلاّ تيهاً”(7).

____________

1-التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2، ح 34، ص 76 ـ 77.

2- المصدر السابق، ح 5، ص 46.

3-المصدر السابق، ح 30، ص 73.

4-المصدر السابق، ح2، ص 38.

5-التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 67، ح 3، ص 441.

6- الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 1، ص92.

7- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 67، ح 13، ص 443.

الصفحة 47

4 ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): “إيّاكم والتفكّر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى عظيم خلقه”(1).

5 ـ قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “من نظر في الله كيف هو هلك”(2).

____________

1-الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، باب النهي عن الكلام في الكيفية، ح 7، ص93.

2- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، باب 9، ح 24، ص 264.

الصفحة 48

المبحث الرابع: كيفية معرفة الله تعالى

جعل الله تعالى لنفسه بعض الصفات والأسماء ليتعرّف العباد بها عليه(1)، كما أنّه تعالى منح العقل البشري القدرة على معرفته بصورة إجمالية، وإضافة إلى ذلك، فإنّ في ما بيّنه الأنبياء والأوصياء في هذا الخصوص الكفاية لمعرفة الله .

مراحل معرفة الله تعالى :

المرحلة الأولى : المعرفة الذهنية

وهي أن يتعرّف الإنسان على الله عن طريق المفاهيم الذهنية، سواء كانت هذه المفاهيم حصيلة الجهود العقلية أو كانت مما أرشد إليها الأنبياء والأوصياء.

المرحلة الثانية : المعرفة القلبية

وهي أن يلتزم الإنسان بتقوى الله والمجاهدة في سبيله وفق ما جاءت به الشريعة الحقّة، ليصل بعد ذلك إلى نوع من الشهود الباطني والقلبي الذي يتعرّف به على الله من دون توسّط المفاهيم الذهنية.

قال تعالى: { يا أيّها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً } [ الأنفال: 29 ]

أي: يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحق والباطل، وبهذا النور يهتدي الإنسان إلى معرفة ربّه.

تنبيه :

المرحلة الذهنية لمعرفة الله عبارة عن معرفة الله بالعقل عن طريق خلقه.

____________

1-للمزيد راجع الفصل الثالث، المبحث الأوّل من هذا الكتاب.

الصفحة 49

ولهذا قال الإمام علي(عليه السلام) مشيراً إلى هذه المرحلة من معرفة الله: “الحمد لله المتجلّي لخلقه بخلقه”(1).

ولكن إذا بلغ الإنسان في معرفته لله إلى المرحلة القلبية فإنّه سيستغني عن المعرفة الذهنية، وتكون المعرفة القلبية هي الأساس في معرفته لله تعالى.

ولهذا قال الإمام الحسين(عليه السلام) مشيراً إلى هذه المرحلة الرفيعة من معرفة الله تعالى: “كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتّى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عين لا تراك، ولا تزال عليها رقيباً”(2).

____________

1- نهج البلاغة، الشريف الرضي: خطبة 108، ص 200.

2- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 67، باب 4، ذيل ح 7، ص142 .

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون