معنى قولهم عليهم السلام: ( غاب عنه الملك المسدد )

السؤال :

عن علمهم ( عليهم الصلاة والسلام ) بآجالهم وأن روح القدس كيف يسددهم وما المراد منه وكيف يغيب عنهم عند قتلهم أو أكلهم السم ؟

الجواب :

أقول بالله التوفيق :

لا شك ولا ريب أن المعصومين الأربعة عشر ( عليهم الصلاة والسلام ) يعلمون ما كتب في لوح القدر والقضاء وهم فوارة القدر .

ومما كتب وثبت في اللوح آجالهم وآجال غيرهم ، أو ما أخبر أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) بموته وقتله قبل شهادته وفي الليلة التي ضربه فيها أبن ملجم ، وفي الليلة التي توفي فيها لأولاده وعياله .

والحسين ( عليه الصلاة والسلام ) عند خروجه من المدينة لأم سلمة ، ومحمد بن الحنفية ابن عباس وابن عمر ؟ والرضا ( عليه السلام ) لأبي الصلت ؟ وكذلك سائر الأئمة ( عليهم السلام).

وكيف لا يعلمون ( عليهم الصلاة واسلام ) بآجالهم والحال كان عند بعض شيعتهم علم البلايا والمنايا كرشيد الهجري ، وميثم التمار ، وسلمان الفارسي وغيرهم ممن ضاهاهم في الرتبة والدرجة ، فما ظنك بالأئمة ( عليهم الصلاة والسلام ) الذين علموهم ذلك العلم .

فان قلت : إن علموا بآجالهم فكيف أقدموا على القتل وأكل السم مع علمهم ، والقوا أنفسهم على التهلكة .

قلت : إقدامهم على القتل وأكل السم كان بأمر من الله سبحانه وتعالى وكل واحد منهم فعل من الأفعال وعمل من الأعمال . والله سبحانه يقول {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (۲۶) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (۲۷)} الأنبياء ۲۶-۲۷

فإذا كان قتلهم أو أكلهم السم بأمر الله ومشيئته فلا تهلكة أذن وتعرض النفس على المهلكة سواء كان في أمر الدنيا أو الآخرة أنما هو ذا كان بغير أمر من الله سبحانه ، كان فيه هلاك نفسه، كما أن مخالفته أمره هي الهلاك والشقاوة الأبدية وإن كان بها نجاة نفسه ، ألا ترى أن الجهاد إلقاء إلى التهلكة لا سيما إذا أخبر المعصوم بشهادته في مبارزته كعمار وشهداء الطف . لكنه لما كان بأمر من المعصوم الذي هو بأمر من الله سبحانه كان حياة وسعادة أبدية .

فالإمام إذا أمر رجلاً أن يخرج إلى الجهاد ولا يرجع حتى يقتل فهل يسع ذلك الرجل أن يقول إن الله نهاني عن ذلك بقوله : {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} البقرة۱۹۵ . فكذلك هم ( عليهم الصلاة والسلام ) لما أمرهم الله عز وجل بالقتال أو أكل السم يجب عليهم امتثال أمر الله وإن علموا أن ذلك يوجب مماتهم فإن ذلك هو السعادة والنجاة الأبدية فافهم يا محب وأحسن الظن بالآل ولا تكثر القول والمقال إن العلم نقطة كثرها الجاهلون .

والمراد بروح القدس هو أول ( الملائكة العالين ) الذين هم حملة العرش الحقيقي الذي به استوى على جميع خلقه ، وهو (العقل الكلي ) الحامل للركن الأيمن الأعلى من العرش الساطع منه النور الأبيض الذي أبيض منه كل بياض .

ويستمد منه بكمال الخضوع والخشوع ميكائيل (عليه السلام) في إيصال أرزاق الخلائق كل بحسبه إليها . وهو أول (الوجود المقيد ) وهو ( عقلهم الشريف

قال مولانا الصادق ( عليه الصلاة والسلام ) : ( إن الله خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش ) .

وعن محمد بن مسلم عن الباقر ( عليه الصلاة والسلام ) : ( أول ما خلق الله العقل ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له : أدبر فأدبر ) الحديث .

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله الطاهرين ) : ( أول ما خلق الله عقلي ) .

وبالجملة ، المراد بـ( روح القدس ) الذي لم ينزل إلى نبي من الأنبياء بل توجه إليهم بوجه من وجوهه ونزل إلى نبينا ( صلى الله عليه آله ) وهو الآن عند قائمنا ( عجل الله فرجه ) وهو عقلهم الشريف المسمى بـ( العقل الكلي ) .

ولا شك ولا ريب أن تسديد كل أحد وتأييده لا يكون إلا بعقله كل بحسبه فيسددهم الله عز وجل بعقلهم لا بغيره وهو (الروح) الذي نزل في ( ليلة القدر) وهو ( العمود من النور ) المنصوب للإمام ( عليه الصلاة والسلام ) ينظر فيه ويرى جميع أعمال الخلائق . وهو أول الوجود المقيد والسلسلة الثمانية الطول في العرض وهو الذي يسألون منه كل ما يريدون فيأتيهم به ولا يغيب عنهم طرفة عين .

والمراد من غيوبته عنهم عند قتلهم أو أكلهم السم مع علمهم به فهو أنه عند أكل السم وأمر لهم بذلك امتثلوا الأمر لله خالقهم وسلموا أنفسهم لما قدره لهم وقضاة في حقهم ولم يلتفتوا إلى شيء حتى أنفسهم ، وتوجهوا إلى الله وإلى امتثال أمره وإنفاذ تقديره واشتغلوا بلذيذ لقائه عن أنفسهم وبقائها ، وقدموا حلاوة الوصال على الالتفات إلى أنفسهم والمحافظة عليها بغيبوبة الملك المسدد حيث قال ( عليه الصلاة والسلام ) : ( غاب عنه الملك المسدد ) أو : ( غاب عنه الملك المحدث ) كما في خبر عبد الله بن طاووس قال : قلت للرضا عليه الصلاة والسلام إن يحيى بن خالد سم أباك موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام . قال : ( نعم سمه في ثلاثين رطبة ) . قلت له : فما كان يعلم أنها مسمومة . قال : ( غاب عنه الملك المحدث ) . قلت : ومن المحدث ؟.

قال : ( ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مع الأئمة).

ولو لم يكن المراد ما ذكرناه وكان المراد من الغيبوبة ، هو المتعارف الظاهر للزمهم الجنون والعياذ بالله عند أكلهم السم وغيبوبته .

فظهر أن المراد من الغيبوبة هو ترك علمهم عند الملك المسدد عند أكله السم ، يعني ترك تعلقه وعلمه بالسم وعمل بخلاف عقله وعلمه ، فأكل السم القاتل المضر مع علمه به امتثالا لأمره وشوقًا إلى لقائه ونفاذ تقديره وهو المراد من السهو أو النسيان الوارد في الأخبار في حق النبي أو الأئمة ( عليهم الصلاة والسلام ) إذ السهو أو النسيان له معنيان : أحدهما ما هو المتعارف وهو الترك عن غير علم . وثانيهما : الترك عن علم كما في قوله تعالى : { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (۴) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } (۵) الماعون ۴-۵

وفي المجمع : السهو في الشيء تركه عن غير علم والسهو عنه تركه مع العلم.

ولذا قال أنس فيه : الحمد لله الذي قال عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم .

وكما في قوله تعالى : { نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ} التوبة۶۷ أي تركوا الله فتركهم ولا يمكن أن يقال إن المراد من نسيان الله لهم هو المعنى المتعارف .

الحاصل : فالمراد من سهو النبي والأئمة ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الوارد في الأخبار هو المعنى الثاني ، يعني تركهم الشيء عن علم وعمد ، بعبارة أخرى يعرضون عن شيء ويقبلون على شيء .

ومنه ما روي ما معناه أن الكاظم ( عليه الصلاة والسلام ) : كان يعلم السم الذي وضع له في العنب ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : نعم . قيل: وضع بين يديه كان يعلم . قال : نعم قيل: وحين تناول كان يعلم ؟ قال : أنساه ليجري عليه القضاء . انتهى .

وبالجملة : الإعراض هو الترك عن علم وعمد يعبر عنه مرة بالسهو وتارة بالنسيان وأخرى بغاب عنه الملك المحدث ونحو ذلك . وكل ذلك المراد منه ما ذكرناه لا المعنى المتعارف المنافي لعصمتهم ـ سلام الله عليهم ـ تعالوا عن ذلك علوا كبيرا .

فظهر أن المراد بغيبوبة الملك المسدد أو المحدث عند أكلهم السم أو إقدامهم إلى القتل هو الإعراض عن علم وتركهم للشيء عن عمد وعلم به لأنه إذا أراد الشهادة أو أكل السموم حضر عنده آباؤه الطاهرون . وقالوا : إلينا إلينا فإنا إليك مشتاقون وما عند الله خير لك .

فتوجه إلى الله وإليهم ولم يتلفت إلى شيء بل ترك الدنيا وما فيها حتى نفسه الزكية واشتغل بما هو أهم من حفظ النفس والتوجه إليها وهو إطاعة المولى الجليل وامتثال أمره ومشاهدة جماله وجلاله فافهم وتبصر في حق مواليك وإلا فسلم تسلم .

الكاتب: الميرزا موسى الحائري